أدب الرعب والعام

سطور أضاعت وجهتها

بقلم : تقي الدين – الجزائر
للتواصل : [email protected]

إني أكتب و كلي أمل في أن تصلك سطوري هذه، لعلها تشفي جزءا من فضولك بعد اختفائي.
إني أكتب و كلي أمل في أن تصلك سطوري هذه، لعلها تشفي جزءا من فضولك بعد اختفائي.

إليكِ يا بنيتي..

” إنها ترسبات سوداء سواد الليل، إنها شظايا تخترق القلب و تدمي العين، ذكريات عن تلك الأيام الجميلة، عن تلك الساعات التي أضحت ألوانا تتغير تارة بيضاء و تارة سوداء، نهار و ليل بدون روح، مازلت أتذكر يوم وجدتك كأنه بالأمس القريب.

كنت تبكين على كرسي صغير في الكورنيش و رذاذ البحر قد عبث بشعرك الأسود الحريري و أغرقت الدموع وجهك الملائكي الصغير، لم يلتفت لكِ أحد و كأنه كان مقدرا لي أنا أن أتقدم بتلك الخطوات الثابتة نحوك و أن أسألك عن حالك و أنا أمسح الدموع من عينيك العسليتين لتجيبي بكل براءة و أنتِ تمررين يدكِ على خدك :

– لا أستطيع إيجاد والدي .

أتذكر سؤالي عنه في الأرجاء و أنا أمسك بيدك الصغيرة المرتعشة، كنت خائفا أكثر منك لكنني تعلمت التظاهر بالقوة، كررت سؤالي على عديد الوجوه لكن دون جدوى فما كان لي إلا أن أحملك بين ذراعي لعلي أخفف شيئا من حزنك و هناك لاحظت تلك الورقة الصغيرة التي ألصقت بعناية في كم تنورتك الزرقاء الصغيرة التي لازلت محتفظا بها، بخفة فتحتها كأنها وصية عن الحياة لأقرأ سطورا ما ظننت أن إنسانا بقلب حي يمكن أن يكتبها :

– من فضلك ضعها في أقرب مأتم .

أنت وحيدة يا بنيتي، ضعيفة بدون سند في مواجهة عالم غريب و موحش، ظننت أنه حلم، أنني سأستيقظ بعد لحظة لأجد نفسي أتقلب وسط فراشي القاسي لكن الوقت طال دون أن يحدث شيء و رمى الليل بعباءته فوق مصباح النهار.

أتذكر رحلتنا الصغيرة على متن سيارتي البيتل عائدين للشقة، كنت مسرورا بعض الشيء رغم بشاعة موقفك لكني تمنيت لو استطعت أن أبرر لكِ سروري، أن أخبرك أنني آتي كل يوم للكورنيش لأشكو همي للبحر، لأخبره أنني رجل خمسيني وحيد أفنى حياته في التدريس دون أن يفكر للحظة في نفسه، رجل سبقه قطار الزمن بأشواط و تركه على محطة خالية مخيفة، كنا متشابهين بطريقة غريبة حتى بعد غفوتك على أريكتي لاحظت أننا نتشابه في طريقة النوم، لازلت أتذكر يومنا الأول معا، كيف حضرت لكِ أسوأ فطور على الإطلاق بيدي المرتعشتين توترا لكنك أكلتي بنهم و على وجهك ابتسامة مختفية بين شقوق حزنك إذ كنت تسألين :

– هل تعرف أين ذهب والدي ؟ .

تمنيت لو استطعت أن أخبرك الحقيقة لكنها كانت أكبر من قلبك الصغير فما وجدت حلا غير أن أعتني بك فالقدر أرسل أنيسا لوحشتي و لم أكن لأرفض ذلك، أتذكر أنني أطعمتك و حممتكِ و علمتك كيف تحملين الملعقة و السكين و الشوكة، أتذكر أنني علمتك الكتابة و قليلا من القراءة و أننا ضحكنا معا في كل لحظة، أردتك أن تكوني معجزتي الصغيرة.

لم أشأ أن أبقيك سرا فأخرجتك للعلن محاولا تبنيك لكنهم رفضوا و هم ينعتونني بأبشع الصفات دون أن يعرفوا حتى سبب قراري ذلك، دون أن يعرفوا المشاكل و الظروف التي مررت بها و التي جعلتني أغرق حتى القاع في بحر وحدتي، لقد أخذوك مني دون رحمة، أخذوك مني و اتهموني بما لا أستطيع قوله، أخذوك مني و تركوني وحيدا  رغم أنك كنت هدية الحياة لي.

مازلت أتخيل كيف كنا لنكون لو بقينا معا و أبكي.. أبكي كثيرا، أحيانا أبكي ليال و أنا أتذكر وجهك و تزيد حرقتي حين أعلم أنني ظلمت لسبب كذلك، تمنيت اليوم لو استطعت القدوم إليك لكن لم يبقى في الجسد ما يتحرك غير اليدين، لقد علمت أنك تزوجتي بشاب صالح و تقطنين في منزل لطيف لذا قررت أن أرسل لكِ هذه الرسالة لأخبرك أنني كنت جزءا من حياتك في وقت ما، ربما تتذكرين ملامح مني، قطع متناثرة في بحر ذاكرتك لكنني أتذكرك كأنك أمامي يا بنيتي.
وداعا لك.. وداعا للحياة و أتمنى أن تصلك سطوري هذه. “

***

إلى النور في قلب عتمتي..

” أرى تلك الأيام و الأشهر و الفصول تتحرك أمامي كقطار عتيق، نعم تتحرك لكنني ثابت، ثابت كشجرة صنوبر حكيمة، لا أعرف لماذا حقا لكن شيئا ما يمنعني من التحرك، أظن أنه الخوف لكن لا يمكنني التأكد فقد تم رفضي مرات لا أكاد أحصيها لدرجة أنني أضحيت أرى قبولي أمرا غير اعتيادي.

– لماذا آخذ خطوة أخرى ؟

أسأل نفسي و أنا أحدق لذلك الوابل الذي سقى شوارع حينا الشعبي خارجا ثم أدلف:

– لقد مشيت طريقا طويلة، قطعت دروبا ملتوية، تفاديت كل صخرة رمتها الحياة من جبلها الشامخ لكن النهاية واحدة، جرف عالي ينتهي بصخور مدببة.

يوما بعد يوم أندمج أكثر مع الواقع المحيط بي كالألوان في لوحة من لوحات دافينشي، نحن نصبح متلاصقين رغم أنني أرفض ذلك، الناس حولي يرون سقمي و لأكون صريحا فهم يحاولون المساعدة، عباراتهم تتردد كجرس بين طيات عقلي المزدحم :

– سوريا تدمرت و اليمن ليس أفضل حالا ، المظاهرات في العراق..

أنا أعلم ذلك، أيظن هؤلاء الحمقى أنني غافل عن الوضع السياسي، ربما نسوا أن لدي ماجيستر في العلوم السياسية لكن الأمن هو حق من حقوقي، لا يجب أن أطالب به بل يجب أن يأتيني على طبق من فضة.

هل قلت أنهم يحاولون المساعدة ؟ كنت أقصد أنهم يحاولون دفني.. نعم، يحاولون دفني تحت أنقاض أمثلة بديهية من الواقع، يريدونني أن أكون الرقم القادم في سلسلة من الأرقام المتشابهة ، الأمر أشبه بلعبة سودوكو اللعينة لا يمكنك حلها، يمكنك فقط أن تضحك على نفسك و أنت تحاول و هذا ما فعلته طيلة الأربع سنوات الماضية، ضحكت على نفسي و أنا أحاول.. فكرة بعد فكرة، اجتماع بعد اجتماع لكن جميعهم أرادوا شيئا واحدا ! اسم جديد لفكرة مبتذلة، لم يربدوا فكرة جديدة أرادوا فقط تغيير الاسم.

– لن يلاحظ الناس.

يقولون ذلك كثيرا لدرجة تثير القرف، يقولون ذلك في اجتماعاتهم ثم يشتكون من عدم تطور مجتمعنا في مواقع التواصل ! لماذا يجب على كل رجل يرتدي بذلة أن يمتلك وجهين ؟ أهناك قانون يبيح ذلك ؟ إذا ما ارتديت بذلة هل سأصبح مثلهم أم أنني لن أصل لذلك المقام قط لأنني سيد الأفكار الجديدة ؟

لماذا يعيدون تدوير الأفكار القديمة ؟ هل هي إستراتيجية أم مجرد نقص مخيلة محض ؟ و إذا كانت إستراتيجية فما الهدف منها ؟ الأمر أشبه بامتلاكك لمصنع بآلات حديثة للتعليب لكنك تفضل مجموعة من العجزة للقيام بذلك. إذا كنتم سترفضون أفكاري الجديدة المخيفة على الأقل أرشدوني لمكان يقبلها.

 فكرت سلفا في الهجرة لأوروبا بطريقة غير شرعية طبعا و ربما قد أفعل ذلك، لا أظن أنني سأصل لمبتغاي لكن تمت خيانتي من قبل وطني الأم لذا فإن القلب لن يجرح أكثر من ذلك حقا.. نعم، أظن أنني سأفعل ذلك فقد اكتفيت من هذا المكان، إنهم لا يريدون أن يتطوروا، يريدون الاستمرار بالدوران في حلقة مفرغة. و كما قالوا :

– لن يلاحظ الناس !

فمن يعد عدد المهاجرين الذين يقطعون للضفة الأخرى على أية حال، سأكون فقط مجرد شخص آخر يضاف لإحصائية تقوم بها أحد صفحات الفيسبوك و إذا فشلت و إبتلعني البحر.. حسنا، لقد كنت حيا.. لم أكن أعيش ! “

إني أكتب و كلي أمل في أن تصلك سطوري هذه، لعلها تشفي جزءا من فضولك بعد اختفائي.

تاريخ النشر : 2021-08-19

تقي الدين

الجزائر

مقالات ذات صلة

34 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى