أدب الرعب والعام

شيزوفرينيا التشابه

بقلم : منى شكري العبود – سوريا

وجدت نفسي وحيدة تحيطني جدران باردة وماضٍ مشوه ومستقبل لا ملامح له
وجدت نفسي وحيدة تحيطني جدران باردة وماضٍ مشوه ومستقبل لا ملامح له

 
كما قال غاندي ” الاختلاف في الرأي ينبغي ألا يؤدي إلى العداوة ، و إلا لكنت أنا و زوجتي من ألد الأعداء”.

ألم تمر عليكِ هذه الجملة قبل الآن؟ بالله عليكِ أجب على سؤالي ، قولي له عن التشابه الذي أثرتِ اللهث وراءه بينما تركتِ خلفكِ الجميع يتساقط ، متى ستدركين أنكِ خسرتِ كل شيء، للمرة الأخيرة ؟ الوداع فقد سئمت قواعدكِ و فرض كل الخيارات دون مساحة الاختيار.

كانت هذه رسالته الأخيرة لي قبل أن يرحل تماماً ، حينها لم أبالي ، بل أزداد حدة إصراري ، في ذلك اليوم صرخت أمي تنعتني بالمجنونة، صمتت هُنيهة ثم أردفت بحنق شديد:

– ما الذي تريدينه ، ويحكِ كان متعلقاً بكِ بشدة، تريدينه مثلكِ تماماً ؟.
– سأعيش مع رجل يشبهني ، لن أكمل حياتي مع رجل تصرفاته تستفزني.
قاطعتني بحدة:

– كفاكِ هراء ، التشابه أمر يستحيل حدوثه ، بل أن حدث سيتسبب بالكوارث، سيختل نظام الكون، بالله عليكِ فلتعودي إلى رشدكِ يا أبنتي.
– أمي ، أنني لا أريد منه سوى أن يفهمني!.

– هناك فرق بين أن يفهمك و بين أن يشبهكِ تماماً، أن يفكر و أن يحب و يكره مثلكِ تماماً ، لكل منا شخصيته المختلفة، فلتنظري لي و والدكِ لا نتشابه بأي شيء وها قد أتمننا عقدنا الثالث معاً.
– و لهذا أريد أن يشبهني تماماً، يفكر مثلي، كي أتجنب الوقوع بشباك زوجية مهترئة كالتي وقعتي بها يا أمي.

– كفاكِ سخفاً يا ماري، الاختلاف في الآراء أمر طبيعي، لن يكون للحياة طعم بدونه ، فلتتخيلي للحظة وجود صنف واحد من الطعام على وجه الأرض وأن كان من أشهى الأطعمة سيغدو مقززاً مع الوقت، في الاختلاف متعة الاكتشاف، أن لم تعودي لرشدك ستجدين نفسكِ وحيدة، أصبحتِ في سن الثلاثين ولم تكوّني حتى الآن مجرد صديقة تشاطريها همومكِ ومشاكلكِ، سعادتكِ وفرحكِ، إذاً متى ستبني عائلة؟.

– لا يهمني ، إن لم تكن حياتي كما أريد فهي لا تهمني أيضاً.
– ستندمين حين لا ينفع الندم يا ابنتي ، الاختلاف بين البشر أمر طبيعي، فقد خلق الله البشر مختلفين بالشكل والطباع ، و كذلك المرأة والرجل خُلقوا مختلفين ليتعارفوا وليكمل كل منهما الآخر.
– حينها سنتعارك لا نتعارف ، و نتصادم لا نتكامل ، أما أن كان مثلي يفكر مثلي يملك نفس طباعي فستحيطنا هالة سلام لا أذى بعدها.

هذه كانت مبرراتي لأسوق نفسي حيث المنفى، مات والداي بعد أن هجرني خطيبي بسنوات، وجدت نفسي وحيدة تحيطني جدران باردة وماضٍ مشوه ومستقبل لا ملامح له، لا أصدقاء لا عائلة جميعهم تم نفيهم بقواعدي (لا أحد يشبهني… أنهم لا يفكرون مثلي لذا هم لا يفهموني..)، لذا أثرت البحث عمن يشاطرني رأيي ، نعتوني بالمجنونة، أحاطوني بنصائح تحولت لشتائم شتى ، لم أدرك أنني بالفعل قد خسرت إلى الآن مع اقتراب النهاية ، طريحة الفراش، أصرخ صوتاً لا تسمعه أذن، اكلم الجدران أحثها على الرأفة بي أرجوها أن تنطبق عليّ فأنتهي، أين الأطفال؟ أين الأحفاد؟، هذا ما حذرتني منه أمي مراراً لكنني لم أبه له يوماً.

النهاية …..

تاريخ النشر : 2021-08-09

مقالات ذات صلة

5 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى