أدب الرعب والعام

ضحايا الحب

بقلم : نوار – سوريا

قلوبٌ تصارع أقدارها
قلوبٌ تصارع أقدارها

الفصل الأول :

القرار

كشمعـةٍ تـذوب بنـارٍ تحرقهـا بصمـت ، كـوردةٍ ذبلـت بعـد أن جفَّ رحيقهـا ، كشجـرةٍ منسيّـةٍ على جانـب طريق كنت أنا ؛ بينما أنتَ كنتَ الحلم البعيد البعيد ، ومازلت .

**

ألقت كريمة نظرةً أخيرةً على مجموعة صورٍ وقد كدّستها على صفيحةٍ معدنيةٍ قبل أن ترمي إليها بعود ثقابٍ سرعان ما انتشرت ناره تلتهم الوجوه والأيدي ، وتلتهم معها ابتساماتٍ وغمزات ، تلتهم ذكريات .

وقفت تنظر للمشهد باستمتاع بينما ابتسامة نصرٍ تعلو وجهها ، فقد استطاعت أخيراً أن تنقذ نفسها من براثن حبٍّ عقيمٍ لا أمل نهائياً أن يزهر .

ظلّت واقفةً ترقب انخماد النار بعد أن قضت على وجبتها من الصور . اقتربت من الرماد وأصبحت تقلّب فيه ، فلاحظت جزءاً من صورةٍ لم يحترق ، وقد ظهرت فيه صديقتها ورد تبتسم واضعةً يدها على كتف شخصٍ ما . قالت وهي تصكُّ أسنانها بغيظ :

حتى النيران أبت أن تحرق وجهكِ يا ورد . أبغضك ، أبغضك ، يا الله كم أبغضك .

انتبهت على صوت أمها تتساءل :

– ما الذي تفعلينه عندكِ في الشرفة يا كريمة ، الجو بارد وأخشى أن تصابي بالزكام ولم يبقَ على عرسكِ سوى بضعة أيام .

قالت بينما كانت تمزّق بقايا الصورة إلى نتفٍ صغيرةٍ :

– لا شيء أمي سوى أنني أحرقت أوراقاً وصوراً لم يعد الاحتفاظ بها يهمني . ادخلي وسألحق بكِ بعد قليل .

استندت بجذعها إلى حافة الشرفة وأخذت تسترجع الحديث الذي دار بينها وبين عارف قبل شهر ، حيث طلبت أن تراه على انفراد في مقهى النجوم ، هذا المقهى الذي كان شاهداً على اجتماعاتها مع ورد وعارف ووسام ، هؤلاء الأربعة اللذين اشتهرت صداقتهم بين طلاب دفعتهم في كلية الهندسة المعمارية منذ السنة الأولى ولغاية تخرّجهم منها .

دخلت المقهى ودارت بنظرها سريعاً على مرتاديه ، فوجدته جالساً بانتظارها في الركن الذي اعتادوا الجلوس فيه . اتخذت مكانها قبالته بعد أن ألقت التحية وبدأ قلبها يدق بعنفٍ متأهّباً للكلام الذي عزمت على قوله ..

– ما الأمر كريمة ؟ لقد شعرت من صوتكِ على الهاتف أن هناك شيئاً خطيراً تودّين قوله لي . سأل وهو يشير للنادل بالقدوم .

انتظرت انصراف النادل بعد أن طلبت لنفسها فنجاناً من القهوة ثم تكلمت :

– عارف ، منذ متى تعرفني ؟

– مع أنه سؤالٌ مضحك لكني سأجيب ، منذ السنة الأولى لنا في الكلية ، يعني خمس سنوات دراسة وسنتان بعد التخرّج . إذن سبع سنين مضت على تعارفنا .

– تعارفنا فقط ؟

– وصداقتنا بالتأكيد . لكن هل لي أن أعرف لمَ تسألين وأنتِ تعرفين الجواب ؟!

قاطع حديثهما قدوم النادل يحمل القهوة . قالت بعد انصرافه :

– لقد طلبت رؤيتك اليوم لأنني عزمت على وضع حدٍّ لعلاقتنا وللعذاب الذي أنا فيه

– عفواً ، لم أفهم !

انتفضت بغضبٍ مكتوم حتى لا تلفت أنظار الناس الجالسين في المقهى إليها :

– لا تتظاهر بالغباء ولا تدّعي بأنك غافلٌ عن المشاعر العميقة التي أكنّها لك . لقد لفتَّ نظري إليكَ منذ اليوم الأول لي في الكلية ، سيطرتَ على انتباهي وأثرتَ فضولي لمعرفتكَ عن قرب ، ثم تحوّل هذا الفضول إلى رغبةٍ ملحّة . أصبحت أحب القدوم إلى الكلية فقط لكي أراك وأراقب كل التفاتةٍ تصدر منك ، عندها فقط عرفت بأني أحبك وبأنكَ ملكت قلبي وأسرت كياني ..

قاطع عارف حديثها قبل أن تسترسل في إهدار مشاعرها :

– أرجوكِ كريمة توقفي عن قول كلامٍ يسبّب لي الإحراج ويشعرني بالذنب ، فأنا مشاعري نحوكِ لم تتعدَّ يوماً حدود الصداقة والأخوة . آسف ربما ترينني قاسياً لكنها الحقيقة . لا أنكر بأني شعرت بميلكِ نحوي ، فلست بلا إحساس كما تظنين ، لكني حاولت عشرات المرات خلال هذه السنين أن أفهمكِ بطريقةٍ غير مباشرة بأني لا أراكِ سوى كريمة ، الصديقة العزيزة . أردت أن تنزعيني من تفكيرك لكنك لم تفعلي .

قالت وقد التهبت عيناها بنيران الحقد والبغض :

– كل السبب ورد ، أنا من عرفتك عليها وعلى وسيم وليتني لم أفعل .

– ورد ؟ وما شأنها !

ضربت بقبضتها على الطاولة مما أثار انتباه من حولها لكنها لم تأبه وأكملت :

– عدت ثانيةً للتظاهر بالغباء . هل تنكر بأنك تعشقها ؟ لطالما رأيتك تلتهمها بنظراتك الصامتة ، لقد رضيت أن تكون ظلّاً لها وهي لا تهتم بك ، أجل لا تهتم ، فهي تحب وسيم ولا ترى رجلاً سواه .

طالعها باستسلام بعد أن سقطت كل الأقنعة

– أعلم أنها تحبه ومع ذلك أحبها .

استرجعت كريمة هدوءَها وقالت :

– عامٌ يمر ويأتي آخر وأنا أنتظر أن تيأس من حبك لها وتلتفت لي . عامٌ يمر ويتبعه آخر وأنا أتقلب بنيران الغيرة والحقد بينما أراك تغرق بحبها . لطالما حرصتُ على الحديث عن عشقها لوسيم أمامك ، كنت أبوح لكَ بما تخبرني به عن مشاعرها تجاهه حتى أجعلك تصرف النظر عنها . كنتَ تتظاهر بعدم الاهتمام لكني كنت أعرف بأنك تهتم وتتألم ، وكنت أتألّم لتألمك ، لكني أردت توجيه حبكَ نحوي فأنا من أستحقه وليست هي .

هزّ رأسه بأسى :

– مخطئةٌ إن ظننتِ بأن وجود ورد كان سبباً لعدم حبي لك ، فأنا عرفتكِ قبلها بمدّةٍ كانت كافيةً بالنسبة لي لأحدّد مشاعري نحوك . كريمة أنتِ إنسانةٌ رائعةٌ وصديقةٌ عزيزة لا أريد خسارتها .

مسحت بطرف كمّها دمعةً أرادت النزول وقالت :

– وما الذي أفعله بصداقتك وأنا لم أركَ سوى حبيب . لكن لا ؛ لقد تعبت من هذا الحب الذي أنهك روحي وأحرق أجمل سنين عمري . بسببك رفضت الكثير من الأشخاص الذين أرادوا التقرب مني ، لكني لست غبية لأضيّع سنيناً أخرى من أجلك . وما بوحي لكَ اليوم عن مشاعري إلّا لأثبت لنفسي بألّا أمل ، فأنا لا أريد أن أشعر يوماً بأني لو أفصحت لك عن مشاعري لكان تغير من الأمر شيء . قد أندم على هذا اللقاء وهذا الحديث الذي دار بيننا ، ولكن ندمي سيكون أكبر لو أني لم أكلمك .

تنفّست بعمق قبل أن تضيف :

– هناك من تقدّم لخطبتي وقد اقتنعت به ، وعرسي سيكون في الرابعة عشر من الشهر القادم . سأشفى من حبك يا عارف ، أعدك بذلك . وأتمنى من كل قلبي أن تشفى أنت كذلك من حبك لـ ورد ، وإلا ستجد نفسك وحيداً في النهاية وقد أضعت عمرك هباءً منثورا . استمع لنصيحتي : انسى ورد ، وداعاً .

نهضت مغادرة قبل أن يستوعب كلامها الأخير ، وتركته خلفها عازمة على عدم الالتفات نهائياً إلى الماضي وما يحمله من أسى وخذلان .

***

الفصل الثاني :

الحيرة

ما الذي شدَّنـي إليـك ؟ أيُّة ريحٍ ألقـت بـي في بحر حبّـك ، فلا أنا عرفـت السـباحة فيـه ولا أنـتَ مددت لـي طـوق النجـاة .

**

– اجعلي شعري منساباً على كتفَي وضعي فيه هذا المشبك من فضلك ، أما المكياج فأريده بسيطاً وملائماً للون فستاني الأرجواني الذي سأرتديه

هذه هي التعليمات التي أعطتها ورد للمزيّنة في صالون التجميل ، فاليوم كان عرس صديقتها كريمة وقد حرصت على إعداد نفسها باكراً من أجل الذهاب إلى منزل العروس قبل الانتقال جميعاً إلى صالة الفرح ..

ألقت ابتسامة رضا عن مظهرها النهائي بعد ارتدائها الفستان وقالت لنفسها : جميلٌ يا ورد ، هكذا أصبحتِ جاهزةً لحضور العرس . هاتفت وسيم لتتأكد من حضوره ثم انطلقت إلى منزل كريمة حيث وجدتها هناك تضع اللمسات الأخيرة على زينتها .

– تبدين رائعة اليوم يا كريمة . قالت ورد مبديةً إعجابها

– شكراً لك . ردت كريمة باقتضاب مما جعل ورد تتساءل :

– هل أنتِ على ما يرام ؟

– أجل لا تقلقي ، إنه فقط توتر العروس الطبيعي في هكذا ليلة

ترددت ورد قليلاً قبل أن تسأل :

– أواثقةٌ أنتِ يا كريمة من اختيارك ؟

أجابتها كريمة بحزم :

– أجل ، تمام الثقة . ثم أنني لا أعتقد أن الوقت مناسب لطرح هكذا تساؤلٍ يحمل في طياته تلميحات لا أودُّ الحديث عنها .

– آسفة عزيزتي لم أكن أقصد ، أنا فقط تهمني سعادتك ، أنا..

قاطعتها كريمة مغيّرة مجرى الحديث :

– ما رأيكِ بباقة الورد التي اخترتها ، هل هي متناغمة مع إطلالتي

– إنها مناسبة جداً

– هيا يا بنات كفاكما ثرثرة ، ليس من اللائق أن نتأخر عن المدعوين ، حان الوقت لنذهب . قالت والدة كريمة وهي تطل من خلف الباب ثم وجهت الكلام لابنتها :

هل كل شيءٍ على ما يرام ؟

– أجل ماما أنا جاهزة

اكتمل عدد الحضور في صالة الفرح وبدأ الاحتفال ، تنحّت ورد بوسيم جانباً وسألته :

– لمَ تغيّب عارف عن الحضور ؟

– كلّمته لنأتي سويّةً فاعتذر وقال أنه مصابٌ بالزكام ويعاني من الصداع .

– وهل تظن بأن هذا هو السبب الحقيقي لعدم مجيئه ؟

– فهمت مقصدك لكني لا أرى سبباً آخر يمنعه

– ربما لكي لا يحرج كريمة بوجوده

– ولماذا يحرجها ؟ نحن نعلم بأنها تكن له مشاعر خاصة لكن حسب معرفتي لم تحدث بينهما مواجهة ولم تعترف له يوماً بحبها . إذا أين الإحراج في الموضوع ؟!

– لا أعلم ولكني..

– دعينا منهما ، أنتِ اليوم تبدين جميلةً جداً فقد ناسبك لون الفستان

– فقط اليوم أبدو جميلة ؟ قالت مشاكسة

– بل دائماً أنتِ رائعة ، أجاب وسيم ثم أسرع يقول هارباً من نظراتها :

– تعالي لننضم إلى البقية

“هل يُجْدي الهروب من الحب بالزواج ؟” هكذا حدّثت ورد نفسها بينما كانت تتأمل كريمة كيف تبتسم مع المدعوين وتتبادل الحديث الهامس مع عريسها ، إنها تبدو سعيدة ..

في نهاية الحفل عرض وسيم على ورد إيصالها إلى المنزل فرحبت بذلك ، قالت بينما كانا على الطريق :

– ها قد فعَلَتها كريمة وتزوجت ، إنها أول واحدةٍ فينا تتخذ هذه الخطوة

مضى وسيم في القيادة صامتاً ، وعندما لم تلقَ تفاعلاً منه أضافت :

– ألا تفكر بالزواج والاستقرار ؟

ابتسم ابتسامةً جانبية وقال :

– هل تفكرين أنت بذلك ؟

تلبّكت ورد لكنها أجابت :

– أعتقد أنه حان الوقت للاستقرار ، فقد أنهينا دراستنا والتحقنا بعمل

– هل أفهم من كلامكِ بأنكِ ستقبلين بأول خاطبٍ يدق باب بيتكم ؟

– بالطبع لا ، لن أتزوج إلا من الرجل الذي أحبه

– ومتى ذلك ؟

– عندما يقرر هو ذلك

– ومتى يقرر ؟

– عندما يعترف لي ولنفسه بحبي

لم يجد وسيم ما يقوله وهو يفهم تماماً ماذا تعني ورد بكلامها . أمضيا بقيّة الطريق صامتيَن ، وعندما وصلا ودّعته ورد بسرعةٍ ونزلت من السيارة ، لقد شعرت بأنها تكلّمت أكثر من اللازم لذا أسرعت في الدخول إلى المنزل ..

وفي طريقها إلى غرفتها أوقفتها والدتها قائلة بحدّة :

– من الذي أوصلكِ إلى هنا ؟

ردّت وهي تحاول تجاهل نظرات أمها الغاضبة :

– وسيم

– وإلى متى ؟

– لا أفهم ماذا تعنين

أصبح صوت الأم أكثر حدّةٍ :

– بل أنتِ تفهمينني جيداً ، علاقتك بوسيم لم تعد تروقني ولا تروق والدك .

– هل قال والدي شيئاً ؟

– لا ، لم يقل . لكنه لن يبقى صامتاً لوقتٍ أطول ، صحيح أنه منحكِ وشقيقتكِ الحرية لكن لكل شيءٍ حدود . أيام الجامعة كنا مستسيغين هذه العلاقة لكن الآن اختلفت الأمور

قالت ورد معترضة :

– ما الذي اختلف أمي ؟

– الآن لم يعد هنالك مبرر لاستمرار علاقتك معه دون صفة رسمية بينكما

– عن ماذا تتكلمين ؟

– لا داعي للمراوغة يا ورد ، ماذا سيقول الجيران وهم يرونه يوصلكِ إلى المنزل بسيارته في هذه الساعة المتأخّرة من الليل ؟ لمَ لم تتصلي بوالدك ؟

– ماما لماذا تتكلمين معي وكأنك لا تعرفين وسيم !

– أعرفه لكني لا أعرف ما هي نيّته ؟ هل عرض عليك الزواج مثلاً ؟

– كلا ماما ، نحن صديقان

– ربما هو يراكِ صديقة لكن أنتِ لا أظنك تعتبرينه صديقاً فحسب

– أمي..

– إن لم تكوني تحبينه لماذا رفضتِّ عرض ابن خالتك بالزواج ؟

– أنتِ تعرفين أنني أعتبر ابن خالتي كأخي

– ووسيم ؟

– أمي أنا متعبة وأريد الخلود إلى النوم

– اذهبي الآن للنوم لكن أريدك أن تعرفي بأني ووالدك لم نعد راضين عن علاقتك بوسيم ، تذكري هذا جيداً .

دخلت الغرفة فاستقبلتها شقيقتها بسيلٍ من الأسئلة عن العروس وحفل الزفاف ، زفرت ورد بضيق ثم قالت :

– اصمتي عني بالله عليك يا شهد ، مزاجي لا يسمح لي بالحديث . غداً سأرضي فضولكِ وأحدّثكِ عن كل شيء .

غيرت ثيابها ، دخلت الحمام وأزالت آثار مساحيق التجميل عن وجهها ثم استلقت على السرير وأخذت تفكر ، هي تعلم أن والدتها على حق لكن ماذا تفعل ؟ هل تذهب إلى وسيم وتقول له تزوجني ! لقد احتارت بعلاقتها معه ، فتارةً يوحي لها بأنه يحبها وتارةً أخرى يظهر العكس ، أحياناً يحدّجها بنظرات مفعمة بالمشاعر لكن بنفس الوقت متحفّظ ويلتزم الصمت . هي تعشقه ومستعدة للركوع عند قدميه فقط لو أعطاها إشارة .. إلى متى سأنتظر إلى متى ؟ سألت نفسها وهي تجر الأغطية على جسدها ثم استسلمت للنوم .

***

الفصل الثالث :

المواجهة

ولـي عندكِ قلـبٌ هجـر صـدري منذ زمـن . جئـت لأستردَّهُ ، فافتحـي لـي البـاب .

**

كان نهاراً ربيعياً دافئاً أغرى وسيم ليجلس في حديقة منزله ويشرب الشاي ، وبينما كان يتصفّح حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي نادته والدته قائلةً أن هناك من أتى لرؤيته . تفاجأ عندما دخل المنزل ووجد أن الضيف ليس سوى عارف ..

– أهلاً يا رجل ، ما هذه الزيارة المفاجئة !

أجاب عارف وهو يضع يديه في جيبي بنطاله ليداري توتّره :

– آسف على قدومي بدون ميعاد

قال وسيم وهو يشير له بالجلوس :

– أنت لا تحتاج إلى موعدٍ مسبقٍ لتراني يا صديقي

ظلّ عارف واقفاً مما أثار استغراب وسيمٍ :

– لا تبدو لي على طبيعتك !

– بصراحة أريد الحديث معك على انفراد ، في غرفتكَ لو سمحت

– غرفتي !! لا بأس تفضل

جاءت والدة وسيم في هذه اللحظة تحمل إليهما القهوة ، تناولها وسيم من يدها ومشى متجهاً إلى غرفته يتبعه عارف . استغربت الأم لكنها مضت لتكمل بعض الأعمال .

قال عارف متأملاً الغرفة :

– هل تعرف يا وسيم أنها المرة الأولى التي أدخل فيها غرفتك رغم صداقتنا الطويلة

– ذلك لأن اجتماعاتنا كانت تتم إما في الكلية أو في مقهى النجوم أو عندك في المنزل ، قال وسيم وهو يناوله القهوة .

اعترض عارف :

– بل أنت من كنت غامضاً وتتجنّب دعوتنا عندك ، مرات قلائل التي دخلت فيها منزلك وكانت لأمور ضرورية

– لا أعتقد بأنك جئت لتحادثني بهذا الشأن

– بالطبع لا

– إذاً ما الأمر ؟

عاد التوتر يظهر على عارف لكنه حزم أمره وبدأ بالكلام :

– الموضوع وبدون مقدمات يخصُّ ورد

بدا الاهتمام على وجه وسيم إذ قال :

– ورد ؟!

انطلق عارف بالكلام وقد زال عنه التوتّر :

– أجل ورد ، أريد منك الآن أن تحدّد مشاعرك نحوها ، هل تحبها ؟

ظل وسيم صامتاً وقد نالت منه المفاجأة كل منال مما جعل صديقه يكمل :

– أجبني بالله عليك ماذا تعني لك ورد يا وسيم ؟

أجاب وسيم بهدوء :

– ورد حبيبتي التي لا أستطيع الاستغناء عنها

اقترب عارف منه وقد أمسك بتلابيبه وقال صارخاً في وجهه :

– إذاً ماذا تنتظر ، لماذا لا تتزوج بها ؟ إلى متى تبقيها هكذا تدور في فلكك دون أن تقترب منها وبنفس الوقت لا تبعدها . تزوجها بالله عليك وأرحني ، أرحني حتى أفقد الأمل منها .

صُعِق وسيم من كلام عارف وقال بدهشةٍ بالغة :

– تفقد الأمل منها ! هل تحبها أنتَ أيضا يا عارف ؟!

أبعد عارف يديه عن وسيم :

– أحبها كلمة لا تكفي للتعبير عن مشاعري تجاهها ، أحبها لدرجة أني سأكون سعيداً لو رأيتها سعيدةً معك . لكني لا أراك تعمل على سعادتها ، أنت تعلم بأنها تحبك ومع ذلك تتركها تتعذب ، لماذا يا وسيم لا تتزوجها مادمت تحبها ، لماذا ؟

أراد وسيم الكلام لكن ملامحه تغيّرت فجأة ، وضع يده على قلبه متألماً وأشار لعارف نحو المنضدة ، أدار عارف رأسه فوجد مجموعة من الأدوية موضوعة على المنضدة لم ينتبه لها من قبل ، قال متلبّكاً :

– ما هذه الأدوية ؟! ما بك يا وسيم ؟

وسيم بصوتٍ لاهث :

– الدواء في العلبة الصفراء يا عارف ، إليَّ بالدواء..

ثم سقط مغشيّاً عليه

وقف عارف في منتصف الغرفة مذهولاً مما جرى لكنه سرعان ما استفاق من ذهوله وخرج ينادي والدة وسيم التي أخذت تولول عندما رأت ابنها مرمياً على الأرض . أسرعت بوضع قرصٍ من العلبة الصفراء تحت لسانه ثم اتصلت بالإسعاف ، كل هذا حصل أمام عارف الذي اغرورقت عيناه بالدموع ، فقد فهم كلّ شيء ووجد الإجابة على تساؤله .

أُدخِل وسيم غرفة العناية المشددة ، وقف والديه بالخارج قلقان خائفان يرسلان نظرات الشك نحو عارف الذي اقترب منهما وقال معتذراً :

– أنا آسف ، لم أكن أعلم أن قلبه ضعيف ولا يحتمل أيَّ تعبٍ أو توتّر

قالت الأم من بين دموعها :

– إنه ابننا الوحيد وإن حصل له مكروه فلن أسامحك

تكلم الأب :

– عارف لا ذنب له ، كنا نعرف أن هذا اليوم قادمٌ لا محالة ، على يد عارف أو غيره .

سأل عارف :

– منذ متى يشكو من المرض ؟

– منذ الولادة ، لقد جاء وسيم إلى هذه الدنيا وقلبه يعاني من نقصٍ في التروية . كُتب عليه أن يعيش مع قلبٍ ضعيفٍ مهدّد بالتوقّف في أيّة لحظة ، لذلك نحن دائمي القلق عليه ونحاول أن نلبي جميع طلباته ونوفّر له جوّاً من الراحة والهدوء

في هذه اللحظة جاءت ورد راكضةً نحو عارف تسأل :

– كيف حاله الآن ؟ لم أصدّق أذناي عندما كلمتني وأخبرتني بالأمر

– هو الآن في العناية المركّزة ونحن بانتظار خروج الطبيب .

– كيف حدث معه ذلك ولماذا ؟

ضاع سؤالها عندما خرج الطبيب في تلك اللحظة واتجهت كل الأنظار إليه

تكلم الطبيب موجهاً الحديث للوالدين :

– لقد تعرض لأزمةٍ كادت تودي بحياته ، فأنتما تعلمان أن قلبه ضعيف ولا يحتمل

– وكيف وضعه الآن دكتور ؟ سأل الأب

– تداركنا الأمر واستطعنا إنقاذه لكن لن أخفي عنكما الحقيقة ، هو بحاجة قلبٍ بأسرع وقت ممكن وإلا ..

– وإلا ماذا ؟ سألت الأم بقلق

– قلبه متعب ولن يحتمل العمل أكثر من سنة ، طبعاً إن ابتعد عن الضغوط والإرهاق النفسي والجسدي .

نزل كلام الطبيب على ورد كالصاعقة ، سألت عارف :

– ماذا يعني الطبيب ، لم أفهم

أجاب عارف وقد ظهر التأثّر على وجهه :

– للأسف وسيم يعاني منذ الولادة من ضعف في القلب ، لا أعرف كيف استطاع أن يخفي عنا هذه الحقيقة

– ماذا يعني ذلك ؟ هل يعني أنه سيموت ؟

– الأعمار بيد الله

– إن مات وسيم فسأموت وراءه ، أنا لا أستطيع تخيّل الحياة بدونه ، لا أستطيع

وانهارت باكيةً أمام ناظري عارف الذي احتدم في داخله صراع بين مشاعره أدمى قلبه .

منذ تعرض وسيم للأزمة القلبية ووالده غارق في التفكير عن كيفية إنقاذه ، كان يجلس في المطبخ يحتسي القهوة ويفكر عندما أطل عليه ابنه :

– عمت مساءً بابا

– عمت مساءً بني ، ما الذي أنهضك من فراشك ؟ ألم يخبرك الطبيب أن تلتزم الراحة ؟

– طلب مني الراحة لكنه لم يقل ألّا أبرح السرير . أبي لقد بقي لي أيام معدودة في هذه الحياة لا أريد أن أقضيها قابعاً في غرفتي ، بل أريد فعل أشياء عديدة لم أفعلها بعد

– لا تقل هذا بني ، ستعيش وتفعل كل ما تريده

– لا تواسيني يا أبي ، أنا متأقلم مع وضعي وأعرف أن قلبي اللعين أعلن استسلامه ولم يعد يحتمل ، ولست حزيناً على نفسي بل عليكما ، ليت لي أشقاء يشغلونكما عني ، ليتني لم أكن وحيداً .

نهض الوالد واقترب من ابنه :

– لم يشأ الله أن يرزقنا بأولاد آخرين ، وحتى لو رزقنا بهم ، هل تظن أنهم كانوا سيعوضون عنك ؟! على العموم هذا الكلام لا طائل منه ، وسنحاول أن نؤمّن لك قلباً آخر

– قلبٌ آخر ؟ من أين ؟ تأمين قلب في بلادنا ليس بهذه السهولة ، فضلاً عن أنه يحتاج أموال طائلة لا طاقة لنا باحتمالها

– سأسعى إلى تأمينه ولو اضطررت إلى بيع كل ما أملك

وضع وسيم يده على كتف والده وقال :

– أعلم أنكَ تحبني ومستعدٌّ للتضحية من أجلي لكن لا تحمّل نفسك فوق طاقتها أرجوك ، الموت مكتوب علينا سواءً الآن أو بعد سنة أو عشرة

– لكن إن كان بالإمكان دفعه عنا فلمَ لا نحاول

قاطع حديثهما شهقات الأم ، كانت واقفة بباب المطبخ تستمع لهما

تقدم منها وسيم قائلاً :

– أرجوكِ لا تبكي ، لا أريد أن أرى دموعاً في هذا البيت

رنّ جرس الباب في هذه اللحظة وكانت ورد ، دخلت تحمل معها باقة زهور . رحبت بها الأم وأدخلتها غرفة الضيوف وخرجت تنادي وسيم .

دخل وسيم فأسرعت ورد نحوه قائلةً باندفاع :

– منعوني من رؤيتكَ في المشفى ، كانوا يخافون عليك الانفعال . وسيم أخبرني كيف حالك ، بمَ تشعر ، هل أنت بخير ؟

جلس وسيم وقال ضاحكاً :

– هدّئي من روعك يا عزيزتي

ردّت وهي تجلس بجانبه :

– أهدأ ؟! أبعد ما حصل معك تطلب مني الهدوء ؟ أريد أن أعرف الآن لمَ أخفيت عنا مرضك ؟ كيف استطعت !

– ببساطة لم أرد شفقة أحدٍ منكم

– شفقة ؟ نحن أصدقاؤك ، كنا سنقف إلى جانبك ، كنا سنساندك

– بل كنتم ستجدون صعوبة في التعامل معي ، كنتم ستراعونني بطريقةٍ مبالغٍ فيها وهذا ما لا أريده . لقد أردت أن تتعاملوا معي كإنسان طبيعي لا يشكو من شيء

قالت بهمس :

– أستطيع أن أستوعب إخفاءك الأمر عن عارف وكريمة ، لكن أن تخفي الأمر عني أنا ؟ أنا ورد يا وسيم

– أنت بالذات لم أرد إخبارك

– لماذا ؟ سألت وعيناها معلّقتان بشفتيه بانتظار ما سيقول

– لأني أحبك . قال ذلك ثم نهض متجهاً إلى النافذة ، فتحها وعبّ في رئتيه الهواء بينما ظلّت ورد متسمّرة في مكانها تريد استيعاب الكلمة التي سمعتها ، هذه الكلمة التي انتظرتها منذ سنين .

أكمل وسيم :

– عندما كنت صغيراً شعرت أن بي خطبٌ ما لكني لم أفهم ، وعندما كبرت واستوعبت مرضي حاولت التعايش معه قائلاً لنفسي أن هذا هو قدري . وعرفت أيضاً أنني يجب ألا أحب وألا أتزوج ، فليس من العدل أن أعلّق مصير امرأةٍ بي وأنا معتل القلب .

ترك النافذة وعاد إلى الجلوس بجانبها ثم أردف :

– عندما عرفتكِ خشيت أن أحبك ، أقنعت نفسي أنكِ مجرّد صديقة مثل كريمة وعارف ، أصدقاء جمعتهم مقاعد الدراسة في الكلية . لكن لا ، قلبي المتعب أخبرني أنه وقع في الحب . عندما أيقنت أني أحبك عاهدت نفسي ألا تبدر إشارة مني تشعرك بميلي نحوك ، خصوصاً وقد قرأت حبك لي في عينيك . لم أرد أن أظلمك معي فأنا لن أكون قادراً على إسعادك ، لم أكن أريد المضي معكِ ثم ترككِ في منتصق الطريق . صدّقيني ورد كنت أتعذّب وأعرف أنكِ تنتظرين مني كلمة ، وكنت أضعف من أن أبعدك عني بشكل نهائي ، فأنا في الحقيقة لا أحتمل غيابك لكن بنفس الوقت لا أريد اقترابك ، لا أريد لك الألم .

قالت ورد وقد بلغ منها التأثّر كلَّ مبلغ :

– الآن فقط استطعت فهمك ، عرفت لمَ كنت تدنيني منك ثم لا تلبث تبعدني . كنت ألمح الحب بعينيك وأبحث عنه بتصرفاتك فلا أجده . كيف استطعتَ أن تكون قاسياً عليَّ بهذا الشكل ، كيف !

– لأني أحبك

– وهل تظن أن معرفتي بمرضك ستغيّر مشاعري نحوك وتبعدني عنك ؟ لا وسيم أنا الآن مصرّة على البقاء معك ، أنا مستعدة للزواج منك .

– لن أقبل هذه التضحية ولا أقبل الشفقة حتى منكِ .

– ليست شفقة ولا تضحية صدقني . أنا أحبك وسيم

– آسف ، لا أستطيع . أنا محكوم عليَّ بالموت

– جميعنا سنموت

– لكن ليس جميعنا مرضى يا ورد

نظرت إليه بحيرة ونزلت دمعةٌ من عينها تدحرجت بسرعة على خدّها . اقترب منها ومسح دمعتها بيده ، فألقت نفسها بين ذراعيه وأجهشت بالبكاء .

***

الفصل الرابع :

الشتات

ليتنـي صفحـةٌ بيضـاء من كتـابٍ لم يُكتَـب فيه حرفٌ بعـد . ليتنـي أعـود إلـى رحـم أمي وأخنـق نفسـي بالحبـل السـرّي ، علّنـي أُجنِّب نفسـي هذا الوجـع .

**

كانت ورد تجلس مع عائلتها ذات مساء عندما رنّ هاتفها ، كان المتحدّث وسيم ، قال بصوتٍ مضطرب :

– ورد لقد تعرّض عارف لحادث

نهضت ورد فزعة :

– حادث !! كيف ومتى ؟

– أمس عندما كان في طريقه إلى العمل . شاحنةٌ اصطدمت بسيارة الأجرة التي استقلّها ، توفّي سائقها مباشرةً فيما أصيب عارف إصاباتٍ بالغة الخطورة أدّت لوفاته مساء اليوم في المشفى .

– ماذا تقول ؟؟ عارف مات !

سقط الهاتف من يدها ودارت الدنيا بها من هول الصدمة ..

أُقيم العزاء في منزل عارف حضره كل من عائلتَي ورد ووسيم . اقترب والد عارف من وسيم هامساً :

– أريد الحديث معك على انفراد بعد انصراف المعزّين

– حسناً عمي كما تريد ..

وبعد أن انفضّ مجلس العزاء تكلم الوالد :

– بينما كان المسعفون يحاولون جاهدين إنقاذ عارف من الموت صحا فجأة وأول شيءٍ سأل عنه الأطباء إن كان قلبه سليم ولم يتعرض لإصابة ، عندما طمأنوه على سلامة قلبه طلب رؤيتي بإلحاح ، وعندما أدخلوني إليه قال لي : اشهد يا أبي أني إن متُّ سأتبرّع بقلبي لصديقي وسيم ، وطلب مني أن أعده بفعل ذلك ، ثم دخل بغيبوبة وتوفي بعدها بيوم . وأنا أعلمت إدارة المشفى برغبته واتخذوا كافّة الإجراءات للحفاظ على قلبه بعد وفاته .

صُدِم وسيم بالكلام الذي سمعه وتاهت الحروف من على لسانه مما جعل الوالد يردف :

– لا تظن أن فتح صدر ابني بعد موته وانتشال قلبه منه أمر ٌهيّن علي ، ولو لم يطلب مني ذلك وهو يُحتَضر لما تقبّلت أبداً هذه الفكرة . لطالما عُرِف ابني بكرمه وتضحيته وما فعله ليس بغريبٍ عليه .

– أنا متفاجئ مما تقول ولا أعرف كيف أصف لك شعوري ، إن قبلت أن يزرعوا في صدري قلب صديقي عارف سأشعر بأني استغلّيت موته

– لكنك لم تطمع بقلبه ولم تطلبه ليخالجك هذا الشعور ، هو من تبرّع به من تلقاء نفسه .

– أعلم ولكن..

– لا تقل شيئاً الآن ، أعلم أن الأمر صعب عليك فعارف كان صديقك المقرّب ولن تتقبّل الأمر بهذه السهولة .

خرج وسيم من منزل عارف متأثّراً أشد التأثر ، فصديقه عارف أول شيء فكّر فيه عندما كان يحتضر هو إنقاذه .

عادت ورد إلى منزلها بعد أن حضرت العزاء ، لاحظت شقيقتها شهد شرودها وعندما سألتها عن السبب قالت :

– لقد باحت لي شقيقة المرحوم عارف بشيءٍ صدمني ، قالت أن شقيقها كان واقعاً بحبي ، الأمر الذي جعله يعزف عن الزواج أو التقرب من أية فتاة . أنا مستغربة من نفسي يا شهد ، هل يُعقَل أنه كان يحبني ولم أنتبه لذلك ! طالما أظهر لي بأنه صديقي ، لم يبدر عنه أي تصرّف يوحي بشيءٍ آخر . أعتقد أن أخته مخطئة ، ربما ظنّت أن عارف يكن لي مشاعر خاصة ، ربما هو لم يخبرها .

– ولماذا أنتِ مهتمّةٌ بالموضوع ؟ سألت شهد

– أن أكون سبباً بتعاسة شخصٍ ليس بالأمر الذي يجلب السرور لي . إن كان عارف فعلاً يحبني هذا يعني أنه كان يتعذب بصمت دون أن أشعر به وأنا التي بحت له بعشقي لوسيم . كيف أسامح نفسي ؟

– أنا أرى أنك تحمّلين الموضوع أكبر من حجمه ، ليس ذنبك إن كان عارف يحبك من طرفٍ واحد ، ثم أنه الآن انتقل إلى رحمة ربه وانتهى الأمر .

لم تجد ورد ما ترد به على شقيقتها فلاذت بالصمت .

التقت ورد بوسيم في مقهى النجوم بناءً على طلبه ، بدأ الحديث فوراً ما أن جلست :

– سأسافر إلى الخارج ليزرعوا لي قلباً..

قالت بفرح :

– هل استطعت تأمين قلب ؟

تغيّرت ملامحه عندما أجاب :

– إنه قلب عارف

– عارف !! كيف ذلك

– لقد تكلم أثناء محاولة إنقاذه وقال أنه سيتبرّع لي بقلبه ، أنا أشعر بالخجل من نفسي لكني بحاجة قلب .

قالت ورد بتأثّر :

– يا الله كم عارف صديقٌ وفي وكريم ، لقد منحكَ حياةً جديدة ، أستطيع أن أدرك الآن كم كان يحبك .

ابتسم وسيم بمرارة :

– بل كان يحبك أنتِ

نظرت له بدهشة بينما أردف :

– لقد حرص على إنقاذي من أجلك ، من أجل سعادتك ، لأنه يعلم أنك تحبينني . أظنك لا تعلمين سبب الأزمة التي ألمّت بي منذ فترة

أشارت برأسها أن لا فتابع :

– جاء إليَّ ذلك اليوم غضبان وثائر ، طلب مني أن أحدّد له مشاعري تجاهك ، طلب مني الاعتراف لكِ بحبي لأنه يراكِ تتعذّبين بانتظار سماع هذه الكلمة مني . توسّل لي بأن أتزوّج بك حتى يفقد الأمل منكِ . لقد كان يحبك حباً عظيماً ، صُدِمتُ من كلامه ولم أحتمله فتعبت وحصل ما حصل .

اغرورقت عينا ورد بالدموع تأثراً بما سمعت واستأذنت بالانصراف ، فقد كانت بحاجةٍ لأن تخلو مع نفسها . ظلّت خلال الأيام التالية منزوية في غرفتها لا تكلم أحداً ، كانت تشعر بالكآبة والضيق ، كانت تريد التحدث إلى شخص يفهمها فلم تجد سوى كريمة . اتصلت بوالدتها وأخذت عنوان منزل زوجها وذهبت في اليوم التالي لزيارتها ..

قالت بعد أن قدّمت لها كريمة العصير :

– خشيت ألا تستقبلينني ، فقد قطعتِ صلتكِ بنا بعد الزواج

قالت كريمة متجاهلةً كلام ورد :

– كيف حالكِ وحال وسيم و.. عارف ؟

ورد مستغربة :

– يبدو أنكِ لم تعرفي بعد !

– أعرف ماذا ؟ هل تزوّج بك وسيم (قالت بسخرية)

– لا ، بل الأمر يتعلّق بعارف

صمتت كريمة بانتظار ما ستقوله ورد التي أكملت بكلماتٍ مبعثرة :

– لقد.. عارف ، إنه .. ثم استجمعت شتات نفسها ونطقت :

– لقد مات ، عارف مات بحادث سيرٍ أليم

اهتز كأس العصير بيد كريمة ونظرت بذهولٍ إلى ورد ، قالت بصوتٍ خنقته العَبرة :

– ماذا تقولين ؟ عارف مات

– ليس هذا كل شيء

– وماذا أيضاً ؟

– لقد تبرّع قبل وفاته بقلبه لوسيم

اتسعت عيناها الدامعتان دهشةً :

– وهل وسيم بحاجة قلب ؟!

– أجل ، وسيم يعاني منذ الطفولة من ضعفٍ في القلب ، لقد أخفى عنا جميعنا هذه الحقيقة ، لكن إصابته منذ فترة بأزمة قلبية جعلتنا نعلم . أخبره الطبيب بأن قلبه لم يعد يحتمل ويجب أن يجد قلباً بديلاً بأسرع وقت .

قالت كريمة بحزن :

– والقلب البديل كان لعارف المسكين .

– أدرك أن الأمر صعب للغاية لكن يبدو أنه مقدّر لعارف أن يموت كي يعيش وسيم

أكملت كريمة بلؤم :

– ولتحظي أنتِ بالرجلين معاً .

– ماذا تقصدين ؟ سألت ورد

– رُتِّبت الأمور من أجلكِ يا ورد ، كلا الرجلين يحبانك ، وستعيشين مع أحدهما بقلب الآخر . لقد فزتِ بالرجلين يا ورد . مات عارف كسيراً ومخذولاً بسببك لكن قلبه سينبض بجسد حبيبك ، أي معادلةٍ هذه يا الله !

ثم أكملت بصوتٍ أقرب للنواح :

– لماذا جئتِ يا ورد وهدمتِ ما كنتُ أبنيه طيلة هذه الشهور . لقد اخترت الابتعاد عنكم ونسيانكم نهائياً وقد نجحت بذلك . منذ زواجي قطعت صلتي بكم ودفنت الماضي ، فلماذا جئتِ وأيقظتِ الماضي من غفوته ؟ جئتِ لتجعلينني أدرك أن عارف مازال يعني لي وبأني مازلت أبغضكِ وأغار منكِ بسبب حبه لكِ ، جئتِ لتشعرينني بأني زوجة خائنة ؟ اذهبي يا ورد بالله عليكِ واتركيني أعيش حياتي بالطريقة التي اخترتها ، وهنيئاً لكِ قلب عارف بجسد وسيم .

خرجت ورد مصدومةً من عند كريمة دون أن تبثّ لها ما يعتمل في قلبها من مشاعر متضاربة . سألت نفسها لماذا الجميع كان يعلم بحب عارف لها إلا هي ، ولماذا قرر الجميع إخبارها الحقيقة بوقتٍ واحد ! لقد شعرت أن الدنيا تريد أن تحمّلها وزر عارف وما قاساه من عذابٍ بسببها .

كانت ورد محتارة في كيفيّة التعامل مع وسيم بعد عودته من الخارج يحمل بين ضلوعه قلب عارف . شيءٌ ما تغيّر في مشاعرها تجاهه ، شيءٌ لا تستطيع وصفه ، ليس وكأنها لم تعد تحبه ، لكنها كانت تعلم أن وسيم بعد العملية لن يكون كـ وسيم قبلها ، هي تدرك ذلك جيداً . لذا عندما كلمها يخبرها عن عودته اضطربت وخشيت رؤيته ، لكنها ذهبت .

جلست تتأمله ، لقد بدا لها غريباً . نهض الوالدين بعد قليل وتركا لهما حرية الحديث . أرجع وسيم شعره إلى الخلف قبل أن يتكلّم فجفلت ورد ، لقد تذكرت أن هذه الحركة يفعلها عارف كلما أراد البدء بالكلام . قال بابتسامةٍ عريضة :

– كيف حالكِ يا وردتي ؟

لم تجب ورد بل اكتفت بسماعه فأردف :

– أشعر أني مازالت أحبك ، مع أن حبي لكِ ذهب مع قلبي المريض فهل ما أحسه نحوك الآن هو مشاعر عارف ؟؟

صُدِمت ورد مما تسمع بينما استرسل هو بالكلام :

– بالمناسبة هل يحق لي أن أقول عن الشيء القابع في صدري أنه قلبي ؟ تخيّلي كلما تكلمت عنه أعدت ملكيّته لعارف ، مثلاً ” قلب عارف يؤلمني” ، “شعرت أن قلب عارف سقط بين قدمي من شدّة الخوف” . ثم أطلق ضحكة شديدة قطعتها ورد صائحة :

– كفى .. كفى أرجوك ما هذا الكلام !

وضع وسيم رأسه بين يديه وأطرق بنظره إلى الأرض ، قال بصوتٍ مثيرٍ للشفقة :

– أنا حائرٌ يا ورد وأشعر بالشتات ، أحياناً أقول ليتني بقيت بقلبي القديم ومتُّ معه ، فمنذ نجاح العملية ومشاعر غريبة تتصارع داخلي . من أنا يا ورد ؟ هل أنا وسيم أم عارف ؟ أشياء كثيرة بطباعي تغيّرت ، ميولي وتفضيلاتي . تصوري أني أصبحت أحتسي القهوة مع السكر كما يفعل عارف ، طلبت من أمي أن تعدَّ لي إلى جانب الأرز بامية ، أنتِ تعلمين أني لا أحبها ولا أطيق رائحتها لكن عارف يعشقها . حتى أنتِ يا ورد هل كنت سأبقى على حبكِ لولا محبّة عارف لكِ !!

– عارف ، عارف ، عارف .. منذ جلوسي معك وأنت لم تنفك تذكره وهذا ما كنت أخشاه . إن أنا قبلت الاستمرار معك وتزوجنا فإن عارف سيعيش بيننا ، لم أعد أستطيع التعامل معكَ على أنك وسيم ، أصلا لا أظنك ستبقى وسيم الذي أعرفه ، بل سأراك عارف بحركاتٍ وتصرفاتٍ كثيرة . لو أنك زرعت قلب شخصٍ مجهول لاختلف الأمر ، لكن قلبك كان ملكاً لشخصٍ أعرفه تماماً . أعرف ما يحب ويكره ، أعرف ردات فعله عند الفرح والحزن ، أعرف أسلوبه في الكلام ، وسأظل أذكر دائماً أنه كان يحبني دون أن أشعر . الندم يأكلني على عدم الشعور بحبه ، مع أني عندما أعود بذاكرتي للوراء لوجدت أنه الشخص الذي كلما احتجته وجدته بجانبي ، كلما أردت أن يسمعني أحد كان هو الشخص المصغي لي حتى النهاية ، لقد كان معي كظلّي ! كانت الأولوية لي في حياته بينما أنت كنت تقدّم أشياء أخرى علَي ، تصرفاته هذه كنت أظنها صداقة لأني كنت لا أرى سواك حبيب . وسيم افهمني أرجوك أنا لم أعد أستطيع التعامل معك كالسابق ، شيء ما بمشاعري تجاهك تغير والأفضل لكلينا أن يعطي لنفسه فرصةً ليرتب أفكاره ، دعنا نبتعد عن بعضنا مدّة من الزمن ، أنا بحاجةٍ ماسّةٍ لهذه المدة ..

– وكذلك أنا أريد هذه المدّة التي سأبحث فيها عن نفسي ، إن لم أجد نفسي الضائعة فأنا عاجزٌ عن فعل أي شيء .

لكن هذه المدّة طالت ولم تنتهِ ، فلا ورد عادت للتواصل مع وسيم ، ولا وسيم سعى للحديث معها . وبقي حبهما ينتظر اتّقاد شعلته من جديد ، لكن هيهات للحب المنطفئ أن تتأجّج ناره بعد إخمادها بجبلٍ من جليد .

تاريخ النشر : 2020-12-13

نوار

سوريا

مقالات ذات صلة

75 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى