أدب الرعب والعام

ضمائرٌ في حضرةِ مسرحِ الحبِّ

بقلم : اية – سوريا

في الكواليس، كنت أرتدي ثوبي الأبيض الذي شبهني “سام” بالملائكة وأنا أرتديه، أضع إكليلا من الورود الحمراء على رأسي بحذر، تقترب ” جين” مني ممسكة كمانها بيدها لتقول باستياء:
– لقد تأخر ماريو كثيراً.. هو يدرك اهمية دوره!

اكتفيت بابتسامة مطمأنة إياها ليتدخل سام مبدياً انزعاجه:
– كأنه لا يعرف بمدى أهمية هذه المسرحية.. إن لم يحضر لن نستطيع أن نؤدي.. أحمق…

تنهدت جين مستسلمة لتبتعد عنا بعصبية، جاءت سوزي نحونا مرتدية ثوبها السماوي وهي تقول بقلق:
– لا أعرف إن كنا سننجح..

أجبتها بثقة وأنا أتابع وضع إكليلي بدقة متناهية:
– طالما تتدربنا كثيراً، وجين هي من كتبت نص المسرحية، سننجح بكل تأكيد..
وصلنا صوتها وهي تصيح بحماسة طفلة حصلت على لعبة جديدة:
– اصعدوا على الخشبة!! لقد قدم ماريو! بسرعة هيا!!

***

تُرفع الستارة الحمراء، لتختفي الإضاءة في المسرح الذي كان مليئاً بالناس.. يتعالى تصفيقهم.. عدة أشخاص نقف، بوضعيات مختلفة.. آخذ نفساً عميقاً.. أزفر.. أخيراً مع تصاعد موسيقى الكمان الهادئة التي تعزفها جين أقول:
– في الحب لا يوجد أنا، لذا لا وجود لي في الحب..

ارفع نظري نحو الجمهور، بارتباك وتحفظ ونبرة نُصحٍ ممزوجة بالألم:
– الحب هو المشاركة، تقاسم السراء والضراء، فكيف سأكون هنالك؟! وأنا الذي لم أدري ما هو التشارك؟!

صمت للحظات ملتقطة أنفاسي، لأقول متابعة وأنا أمد يدي نحو سوزي التي كانت جاثية على ركبتيها في منتصف خشبة المسرح:
– انظرُ إليها.. إلى تلك العاشقة المنهمكة في إيقاف سيل القطرات اللؤلؤية التي تنهمر من مقلتيها الزمردتين على خديها المتوردين… أعرف بأنها تدعى هي.. لطالما كُنَّ الإناث محبات مخلصات.. رقيقات لا يحتملن الفراق..

اصمت.. يتغير لحن الكمان ليصبح أكثر حزناً وعمقاً مترافقاً مع عزف بيانو هادئ كئيب.. جالسة تجثو على ركبتيها تقول وسط دموعها المنهمرة:
– أبكي.. أنتحب، أرجو الله أن يعيده لي، أن يعيد حبنا.. لكن، هل يعود الحب؟! هل الحب يذهب أصلا؟! أم أنها كانت كذبة التي عشنا معها لسنين؟! بأن الحب ابدي.. لا ينتهي.. رغم ذلك.. يبقى رجاءاً، أمنية معلقة بين مجموعة أمنياتي الكئيبة الغير محققة، ألتفت له.. هو كان لي.. لكنه الآن أصبح حراً.. طليقاً.. دون رباطنا المقدس…

اختلطت كلماتها بدموعها لتصمت وتعاود نحيبها بصوت أعلى وأكثر ألماً.. كأن ما قالته كان دافعاً.. كان عود الثقاب المشتعل الذي رمي في جمرة منطفأة.. تُسلط الأضواء عليه.. بين ألبومات صور مترامية حوله يقول ونظره معلق في السقف:
– وما الذي سيحدث إن عدت؟! هل سنعاود اللعبة ذاتها! مللت من العبث بقلبها وأنا لم أعد أهواها.. مللت من مراقبتها والعيش مع تقلباتها.. فل تخبرني فقط.. إن عدت، هل ستصفح؟! هل ستصدق بأني لم أخنها؟!

للحظات بقي صامتاً ليتابع وقد نقل نظره لـ (هما) بصوت أقل تماسكاً.. بصوت قلب مفطور:
– لما لا تتوب هي؟! لما هي متشبثة بي كغريق يتشبث بقشة يدرك بأنها لن تجعله يطفو!!

كان يصيح بكلماته تلك ليمتلئ المسرح بصوته.. لتحتدد الموسيقى أكثر، انهار تماماً ليتكور على نفسه مستاءاً.. كانا هما ينظران لما يحدث بأعين متعاطفة مشفقة، لكن نظرات الشفقة تبددت بعد ثوان ليتفوها بالوقت ذاته كما يفعلان كل شيء مع بعضهما البعض دوماً:
– أحمق، يظن بأنه سيبقى متأثراً لعدم تخطيها الأمر.. وكأنه يأبه اصلا! هي والجميع يدرك بأنه مجرد كاذب محتال.. لا يريد الحب.. بل يريد العبث بقلب تلك المفطورة حزناً..

يتابع هما سيرهما غير مبالين بصراخ هو أو بكاء هي… يقترب هم بحذر، ينظرون ويتأملون المشهد بأسى، تفوه أحدهم بأعين لامعة:
– لا تقعوا بالحب فالحب مؤلم…

– رد أحدهم عليه وقال: بل كلامك خاطئ، الحب مشاعر نقية طاهرة مريحة غير مؤلم، لكنهما خدعا بعضهما البعض..

– ببساطة يا رفاق ملعب الحب يحتاج للأقوياء.. هي دوماً ما كانت بريئة ونقية، ليست مثله.. مجرد وغد خائن..

ساروا خارجين من المسرح وما زالوا يتمتمون حول هذا المشهد المأساوي الذي حدث أمام أعينهم.. على بعض همسات انثوية رقيقة لكنها ماكرة.. رفعت هي نظرها لتلتقي بنظراتهم.. اللعينات.. يكملن تهامسن وهن ينظرن لها بشماتة وازدراء.. تصيح إحداهن بها:
– ما بها العاشقة اليوم؟

تقول الأخرى مجيبة بنبرة ساخرة: البارحة معشوقة واليوم انظروا إلى حالها.. قد فرغ من لعبه فرماها..

تعالت الضحكات.. وصفتها ثالثة بـ (اللعبة المستعملة) كن يغظنها بحركاتهن لكنها رغم ذلك لم تحرك ساكناً.. تابعن سيرهن وهن يكملن بكلامهم الجارح.. أتجه نحوها انحنيت لمستواها وقلت بنبرة مواسية:
– امسحي دموعك فلا وجود للحب.. احبي نفسك فهى تستحق ذلك أكثر من أي رجل..

ناولتها منديلاً ونهضت لم يبقى سوانا.. نحن.. التفت نحو الجمهور نظرت لهم وقلت:
– نحن.. من نحن؟ أنحن المحبون المخلصون؟ أم الخائنون؟ من نحن؟ أنحن الشخص الطيب الذي يسكت عن الأذى بذريعة بأن الدنيا ستدور؟! أم نحن المنتقمون الذي لا رحمة ولا شفقة في قلوبهم؟! قبل أن نخلق كان الحب موجوداً.. فطرياً خُلق في قلوبنا.. إذاً..

صمت للحظة ثم تعالى صوتي ليمتلئ المسرح بصداه:
– من نحن في حضرة مسرح الحب! لا وجود لنا إن كان الحب موجوداً..

وقف الجمهور وتعالى صوت التصفيق.. كان الجميع قد اجتمع على المسرح ليحيي الجمهور، أنا هي هو هما هم هن…أمسكنا أيدي بعضنا البعض.. حيينا الجمهور ثم غبنا خلف الستارة.. فكما قلت سابقاً.. لا وجود لنا في مسرح الحب الوهمي..

النهاية..

مقالات ذات صلة

24 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى