أدب الرعب والعام

عائشة قنديشة

بقلم : أحمد محمود شرقاوي – مصر
للتواصل : [email protected]

ما بك يا صغيري ألا تريد أن تمارس المتعة مع عائشة قنديشة ؟
ما بك يا صغيري ألا تريد أن تمارس المتعة مع عائشة قنديشة ؟

 
فإن كنت حقاً تشتاق للفاحشة والمجون فتعال في ليلة ظلماء إلى المستنقع حتى تحظى بي أنا .. أنا الغاوية والماجنة والسفاحة ، أنا ” عائشة قنديشة “.
 
” كل الهوى مشتاج “
” بين عيونك يا تاج “
” والحب وجع الراس “
” والعشق جتل الناس “
” يا حبيب الرووح “
” معاك لوين ما ترووح “
” انا بحبك يا حووور “
” وبحب بنات الحوورر “
 
” لا توجد أغنية بتلك الكلمات إنما هي كلمات من وحي خيال الكاتب “.

كنت أردد كلمات تلك الأغنية وأنا في عالم أخر من النشوة العاطفية ، أتأمل النجوم الساحرة في ليلة غاب فيها القمر و ترك نجومها تتزين بما لذ وطاب من الألبسة النورانية ، فهذه نجمة تتدلل بين النجوم سائرة تتلألأ كما اللؤلؤة المنثورة و هذا شهاب يحلق بين نجمتين ليوصل رسالة عشق ، أو ربما رسالة عتاب بين الحبيبين ، وهذه نجمة قريبة تنظر بسرور وهذه نجمة بعيدة تحاول أن تزيد من نورها لعلها تتغلب على أقرانها ، بساط أسود و من فوقه قطع من الأحجار الكريمة المضيئة ونسمة هواء عليل مع صحراء ممتدة على مد البصر ، تلك هي الصورة للمكان الذي أجلس فيه الأن.

انزعجت من صوت غطاط أخي النائم في الخيمة التي أجلس أمامها ، كان صوته عالياً ، يتنهد تارة ، يحادث أحدهم تارة ، ثم ينطلق من جديد بصوته المزعج الذي يضايق نجوم السماء نفسها ، قررت أن أبتعد قليلاً حتى لا أفقد تلك الحالة من السلام الروحي والوجداني ، شعور أنك تحلق في السماء بروحك وتتجول بين النجوم وقد تخلصت من عبئ الجسد المادي.
” الخروج من الجسد هي ظاهرة علمية قد تصل لها بالتأمل أو ببعض التمارين “.

تقدمت ناحية التلة الكبيرة ، كانت نسمات الهواء تداعب وجنتي فأشعر برضا عن العالم أجمع ، حالة نادراً ما تصل لها ، تشبه تلك الحالة التي تصل لها وأنت تصلي سراً في ظلمة الليل ، أو تلك الحالة التي تجلس فيها وحيداً أسفل ضوء القمر تتأمل كل ما لم تمسه يد البشر التي تفسد كل شيء.

صعدت تلك التلة وجلست من فوقها أتأمل تلك الصحراء الغامضة ، تلك التي أشبهها بمرأة مزدوجة الشخصية ، فتارة تعشقها كما لم تعشق من قبل ، وتارة تكرهها حينما تهيج عواصفها كما لم تكره من قبل ، وفي وسط تلك الحالة لمحته هناك تحت أضواء النجوم اللامعة ، انه المستنقع الأخضر ، العجيب أن مياهه كانت تنير بلون أخضر فسفوري عجيب في ظلمة الليل ، ظاهرة عجيبة تحير هؤلاء الذين يعيشون في المدن أصحاب الحياة الصاخبة المزعجة.
 
شعرت برغبة تناديني كي أتقدم أكثر من مياه المستنقع ، وكان عليّ أن ألبي النداء ، نزلت من فوق التلة وتقدمت ناحية مستنقع السحر ، هكذا كنا نسميه و لهذا كنا نخشاه ونخشى المرور بجواره ليلاً ، تقدمت مسحوراً بهذا اللون الفسفوري اللامع الذي يلهب العقول ويسحر النفوس ، إنه سحر الألوان والطبيعة ، كان جمال اللون طاغي بحق أكثر جمالاً حتى من ألوان قوس قزح التي تظهر تزامناً مع وقوف الأمطار.

و وصلت إلى المستنقع وغمرني الضوء الأخضر الفاتن ، وقفت أتأمل هذا المستنقع في نشوة تخطت أي نشوة قد تشعر بها في حياتك ، إنها لذة مداعبة الروح ، اللذة التي تنسيك كل لذات الجسد الآثم ، لذة الحب البريء المتحرر من كل شهوات الجسد ، ولذة النشوة الروحية التي لا تعادلها حتى النشوة الجنسية.

وفي وسط انغماسي في أنهار المتعة سمعت صوت ضحكة خافتة ، تعجبت من مسمعها وتلفت يمنة ويسرة لعلي أرى مصدراً لها ولكن ما من مجيب ، لحظات وتكررت الضحكة من جديد بصوت مرتفع قليلاً ، ميزت أنها ضحكة لأنثى ، ضحكة فيها من الدلال ما لو تحرر من ضحكتها لاكتفت منه كل نساء الأرض ، شعرت بخوف وتعجب ، ولكن خوفي سرعان ما زال ، فنحن الأعراب لا نخشى الأهوال فكيف تخيفني ضحكة أمرأة ؟.

ثم تكررت الضحكة من جديد بصوت عال ، توقفت مكاني وقد أخذ شعور الغضب يراود قلبي ، الغضب من إن هناك من يسخر مني ، تحدثت بلهجة آمرة.
” اكشف عن نفسك يا هذا “.
جاءني الرد مباغتاً وعلى الفور بصوت هامس رائع.
” أحقاً تريد ؟ “.
تماسكت قليلاً وقلت بصوتٍ خرج مني مضطرباً.
” نعم ، أريد “.
وجاءني الرد سريعاً حينما قال :
” أنا هنا “.
ونظرت باتجاه الصوت ، كانت تقف هناك في الجانب الأخر من المستنقع.

لم ألمح سوى جسد أمرأة فقط تقف هناك ، لم أتبين شيئاً من ملامحها ، فقط امرأة تقف أسفل خيوط فسفورية لامعة أعطتها مهابة وجمال كبير.
تحدثت بصوتٍ منخفض.
” من أنت ؟ “.
جاءني صوتها الساحر من جديد.
” أنا حور “.
انتابتني دهشة كبيرة حينما تذكرت أغنيتي ” أنا بحب حور وبحب بنات الحور “.
تحدثت لها ثانية.
” من أين جئت ؟ “.
” أنا من قبيلة بني حيران وجئت لأشاهد جمال المستنقع “.
” نعم ، فهو حقاً جميل “.
” هل تريد أن تقترب مني أكثر ؟ “.
شعرت بسرور من سؤالها و قلت :
” نعم أريد ، و لكني أخشى عليك من وجودنا معاً “.
ضحكت ضحكة ساحرة جعلت قلبي يتأجج بنيران العشق و روحي تذوب من جمالها ، ثم قالت:
” لا تقلق ، أنا لا أخشاك بل أريد رفقتك قليلاً “.

وسرت ناحيتها وأنا في عالم أخر من الهيام ، سرت مع دوران المستنقع على هيئة نصف دائرة حتى اقتربت منها ، وهناك وحينما اتضحت ملامحها كنت قد سقطت في نهر الحب والعشق ، كنت قد ثملت كمن شرب نهراً من الخمر ، لقد كانت امرأة ، لا ، فليست هناك بامرأة قد تكون مثلها.

لقد كانت .. لا أستطيع الوصف ولكني سأحاول ، كانت شبه عارية لا يغطي جسدها سوى ثوب حريري شفاف ، جسدها كان نقياً شفافاً كقطعة من النور الأبيض ، وجهها كان كالقمر ، لا بل أحلى من القمر بتلك العينان الزرقاوين الواسعتين ، كانت صافيتين كنهر عذب يسحرك جمال مياهه ، وكان شعرها يتموج كشلال من المسك والريحان بلونه الأسود الفاحم ، وكان خديها ينبضان كحبتي الفراولة الناضجتين ، أما شفتيها فكانت قطعة من السكر ، كانت أنثى وإن لم تحاكيها أي أنثى في ربع جمالها ، جسدها كانت متناسق كأنها منحوتة على يد أمهر فناني العالم.

كنت أحملق بها مسحوراً ، تلك الفاتنة ، الساحرة التي قد سلبت روحي وقلبي.
فاتنة.
ساحرة.
جميلة.
رائعة.
لم أجد مصطلحات جديدة في خيالي لأصفها ولكنها حتماً قد تخطت بجمالها قوة كلماتي ، مدت يديها ناحيتي كي أتقدم منها ، تقدمت منها وأنا مسلوب الإرادة منزوع القوة.

سألتني بصوتٍ ملهم بكل آيات العشق :
” هل تغرق معي في بحرٍ من المتعة ؟ “.
وكمن مسه الجنون أومأت برأسي أن نعم.
سحبتني بين ذراعيها وعانقتني ، ها أنا أذوب كقطعة السكر في الماء ، ها أنا أعانق النجوم والكواكب وأحلق بجسدي و روحي إلى أفاق العالم الأخر ، عالم الجنة والفردوس الأعلى منها.

و ببصر زائغ لمحت ما جعلني انتفض بين ذراعيها حينما لمحت نهديها كانا متدليين حتى وصلا إلى ساقيها ، هالني ما رأيت وحينما تابعتهما ببصري لمحت قدميها ، كانت أقدام تشبه حوافر الماعز ، وهنا ارتد إليّ عقلي وضربني فزع ما بعده فزع ، دفعتها بعيداً وتراجعت مذعوراً ، نظرت لي بابتسامة شيطانية وقالت :
” ما بك يا صغيري ألا تريد أن تمارس المتعة مع عائشة قنديشة ؟ “.

يا للمصيبة إنها تلك المرأة التي حذرونا منها مراراً ، تلك المرأة التي قالوا أنها تصطاد الرجال ليلاً بجوار المستنقع ، أصابني رعب وقتها لم أشعر بمثله في حياتي ، قلت بصوتٍ مصاب بالهلع.
” لا ، لا أريد “.
ردت بصوتٍ ترددت كل كلمة به وكأنه مجرد صدى صوت.
” كما تريد ، ولكن إذا لم تكن تريد جسدي فأنا أريد جسدك ليطفئ نيران جوعي “.
لم تتركني لأعي كلماتها لأنها انقضت كصقر جارح ، حملتني كما الدمية وألقت بي في المستنقع ، سقطت في تلك المياه العفنة والتي كشفت لي عن قذارتها و رحت أضرب بذراعي الماء بعشوائية وفزع ، جاءني صوتها تلك المرة ، كان خشناً ، قوياً .. غاضباً..
” نهمي للحم البشري لا ينطفئ فلا تقاوم فأنا جائعة”.

وفجأة خرجت من أسفل المياه وقبضت على عنقي ، حاولت أن أتحرر منها ولكنها كانت قوية كقطعة من الصخر ، فتحت فمها ليظهر نابيها واقتربت من عنقي وقد استسلمت لها تماماً ، وعلى الفور تذكرت .. تذكرت ما يدحرها ، إنها تخشى النيران ، ولكني في قلب المياه كيف سأشعل النيران ؟ وتذكرت
و في لمح البصر أخرجت قداحتي من جيبي وقربتها ناحية وجهها وضغطت ، وانطلقت الشرارة ولامست وجهها ، وصرخت بصوت جهوري ، صوتٍ رهيب كوحوش الأساطير ، تراجعت هي متألمة صارخة وأمسكت أنا في حافة المستنقع وخرجت ، ثم انطلقت كالصاروخ مبتعداً ، و……

ولكني رأيتها تقف هناك وتسد الطريق ، لا ، لم تكن هي لقد كانت امرأة عجوز قبيحة المنظر سوداء ترتدي السواد ، صرخت فيها : من أنت ؟.
” أنسيتني ؟ أنا قنديشة “.
يا لبشاعتك أيتها المرأة ! أمسكت بالقداحة في قوة وأشعلتها ، رأيت الخوف في عينيها وبدأت تتراجع ، لم أتمهل ولو لحظة وانطلقت ناحيتها بالقداحة فتراجعت وسقطت أرضاً لأقفز أنا من فوقها وأنطلق في طريقي دون أن التفت للخلف.
وجاءني صوتها صارخاً كصوت التنين تقول :
” لن اترك تهنئ بحياتك لحظة واحدة “.
ولكني لم التفت حتى وصلت أمام الخيمة ألهث كمن فقد قلبه في سباق لا نهائي من العدو المتواصل ، ثم فزعت على صوت من خلفي ، ألتفت سريعاً ثم تنهدت وسقطت أرضاً مبتسماً.
لقد كان صوت غطاط أخي.

النهاية…….

………………………………………………….
عائشة قنديشة : أسطورة مغربية وصلت شهرتها إلى كل مكان.
يتم تصويرها في شكل ساحرة عجوز شمطاء وحاسدة تقضي مطلق وقتها في حبك الألاعيب لتفريق الأزواج وتارة أخرى تأخذ شبها قريباً من « بغلة الروضة » (بغلة المقبرة) فتبدو مثل امرأة فاتنة الجمال تخفي خلف ملابسها نهدين متدليين وقدمين تشبهان حوافر الماعز أو الجمال أو البغال (بحسب المناطق المغربية).
تفتن عيشة قنديشة الرجال بجمالها وتستدرجهم إلى وكرها حيث تمارس الجنس معهم ومن ثم تقتلهم فتتغذى على لحوم و دماء أجسادهم ، إلا أنها تخاف من شيء واحد وهو اشتعال النار أمامها ، و في إحدى القصص التي تدور حولها يزعم أن عيشة قنديشة اعترضت مرة سبيل رجال كانوا يسكنون القرى فأوشكت على الإيقاع بهم من خلال فتنتها إلا أنهم استطاعوا النجاة منها خلال قيامهم بحرق عمائمهم أمامها وذلك بعد أن لاحظوا شيئاً فيها يميزها عن بقية النساء وهو أقدامها التي تشبه قوائم الجمل ، إذن فالسبيل الوحيد للنجاة منها هو ضبط النفس ومفاجئتها بالنار لأنها تعتبر نقطة ضعفها.
……………………………..
ترقبوا صدور روايتي الورقية قريبا بالمكتبات..
” رواية إن الله سيبطله “
 
 

تاريخ النشر : 2020-05-06

مقالات ذات صلة

14 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى