تجارب ومواقف غريبة

عجوز شاركتني فراشي

بقلم : ابو رامي – اليمن
للتواصل : [email protected]

صحوت في منتصف الليل على تصرفات غريبة صادرة من تلك العجوز
صحوت في منتصف الليل على تصرفات غريبة صادرة من تلك العجوز

 
عندما يدق بابك أنسان غريب أو عابر سبيل ، و قبل أن يصل إلى وجهته المنشودة حل عليه الليل و هو في الطريق ، و يطلب منك السماح له بقضاء ليلته في ضيافتك ، و في حلول الصباح سيرحل ، هل ستسمح له بالدخول ؟.
ربما لن تمانع ، اذا كان منزلك كبير و به مكان منعزل عن بقية المنزل و مخصص لاستقبال الضيوف ، أما اذا أدخلته إلى منزلك و الذي يتكون من غرفة واحدة  و يشاركك في فراشك ، فإنك سوف ترتكب حماقة  قد تغير مسار حياتك إلى الأبد.
 
والدة أحلام ارتكبت هذه الحماقة  و استقبلت أمرأة عجوز عابرة سبيل شاركت أبنتها الفراش لليلة واحدة ، و بعد رحيلها في صباح اليوم التالي تغيرت حياة أحلام إلى الأبد .
 
أتذكر عندما كنت طفلة  كان والدي يعزل نفسه في احدى الغرف و يقرأ كتب الثلاثي و شمس المعارف ، و ذات يوم  أخبر والدتي أنه سوف يغلق على نفسه باب الغرفة لثلاث أيام بلياليهن ، و نبه عليها أن لا تطرق عليه الباب مهما كانت الأسباب .
 
في الليلة الثالثة  لم تستطع والدتي الصبر أكثر و قررت إدخال بعض الطعام لوالدي ، طرقت الباب عدة مرات و لا مجيب ، لم يكن باب الغرفة مغلق من الداخل ، و قررت فتح الباب ، دخلت و الغرفة التي يملأها دخان البخور ، كان والدي في منظر مخيف ، كان يتلوى و يضرب نفسه و يتمتم بكلام غريب ، خافت منه و غادرت الغرفة بسرعة ، لحقها والدي و ضربها حتى كادت تموت بين يديه ، ثم طلقها .

والدي فقد عقله ،  والسبب والدتي كما حكت لي جدتي ، قالت : أنه أثناء دخول والدتي عليه  كان قد وصل إلى آخر مرحلة في مراحل تحضير الجن , و بعدها سوف يمتلك خدام من الجن .
 
بعدها  غادر والدي القرية ، و بعد سنوات علمنا أنه في العاصمة يعيش على صدقات الناس كبقية المجانين ، و بعد أربعين سنة عاد إلى القرية ليموت فيها بعد شهور .
 
قررت والدتي بعد طلاقها أن ننتقل إلى منزل قديم يعود لجد والدها ، المنزل كان مهجور و قد تهدمت أجزاء منه ،  و بمساعدة الجيران رممنا جزء منه ( غرفة للسكن ، بالإضافة إلى مطبخ و حمام و مكان للبقرة والأغنام ) وسكنا فيه أنا و والدتي و أخواني الاثنين .

أخي الأكبر وصل إلى سن المراهقة و رحل إلى المدينة و نسينا ،  و عاد بعد سنوات ليتزوج و يبني له منزل ،  وكذلك فعل أخي الثاني .
 
في يوم من أيام منتصف ثمانينيات القرن الماضي ، و كان عمري قد تجاوز العشرين سنة ، و بعد أذان المغرب بقليل ، طرقت بابنا امرأة عجوز لا نعرفها ، طلبت من والدتي قضاء ليلتها معنا ، قالت : أنها ذاهبة إلى إحدى القرى البعيدة و قد تأخرت و حل عليها الليل ، و سوف تواصل المسير في الصباح.

وافقت والدتي ، وليتها لم توافق ، لم يكن لدينا سوى غرفة واحدة ، قسمناها بواسطة ستارة إلى قسمين ، قسم مخصص لنوم والدتي و قسم للجلوس و لنومي ، أصرت تلك العجوز على مشاركتي فراشي ، صحوت في منتصف الليل على تصرفات غريبة صادرة من تلك العجوز ، كانت ملتصقة بي و تمسح بيدها طلوعاً ونزولاً على صدري و بطني مرات عديدة ، تهمس بكلام لا أفهم منه شيء ، اعتقدت أنها نائمة و أنها ممن يهذون أثناء النوم.

في صباح اليوم التالي تناولنا معها الفطور ،  شكرتنا و غادرت ، و بعد ثلاثة أيام  بدأت الأحداث التي غيرت حياتي إلى الأبد ، بعد منتصف الليلة الثالثة  صحوت من النوم على وجود جسم غريب يتحرك فوق صدري و بطني ،  يفصل بيني و بينه غطاء نومي .
 
كانت الغرفة تغرق في ظلام دامس و الفانوس منطفئ ( مصدر إضاءة قديم  يعمل بواسطة مادة الجاز ، ضوئه مشابه لضوء شمعة صغيرة ) ، انتفضت مذعورة و صرخت بأعلى صوتي ، أشعلت والدتي الفانوس و بحثنا عن ذلك الشيء و لم نجد له أثر ، قلنا ربما كانت قطة دخلت من تحت الباب ، ثم عدنا للنوم .
 
مر شهرين و هو يأتي و يختفي ،  و تطورت الأحداث أكثر ، لم يعد يختفي عندما أصحو من النوم و كان يبقى معنا في الغرفة ، إلا أننا لا نراه ، و عندما نقوم بإشعال عود الكبريت  كان ذلك الشيء و بدون أن نراه  ينفخ هواء و يطفئه بسرعة قبل أن نشعل به الفانوس .
 
ثم بدأ يظهر لي في الليل عندما أكون خارج الغرفة ، لم يكن يؤذيني ، تعودت على ظهوره لي و نومه فوقي ، أدركت أن هذا الشيء هو جني و أنه مسلط علي ، و بحكم أننا نعيش في قرية ، و أنني في سن الزواج ، و حتى لا ينتشر الخبر بين الناس ، أبقينا هذا الشيء سراً بيني و بين والدتي ، ففي مجتمعنا لا أحد يتقدم لفتاة سبق و أُصيبت بمس  حتى و لو شُفيت منه .
 
و في أحد الأيام ذهبت والدتي مع أمرأة معروفة لدينا إلى قرية مجاورة لحصاد الذرة ، و كان من المفترض أن تعود للبيت في نهاية اليوم ، و عرفت منها لأحقاً أنهما لم يكملا الحصاد و باتت تلك الليلة عندهم .
 
انتظرت والدتي حتى الساعة الثامنة مساءً  و لم تأتي ، خرجت من باب الغرفة و لمحت ذلك الشيء يراقبني ، كان يقف فوق الأحجار القريبة ، شعرت بالخوف ، كيف سوف أنام بدون وجود والدتي و بوجود ذلك الشيء ؟.

ثم قررت أن أذهب إلى أقرب بيت من بيوت الجيران ، و الذي يبعد عن بيتنا قرابة ثلاث مئة متر ، أخبرتهم أن والدتي ذهبت إلى تلك القرية وكان المفروض أن تعود قبل المغرب و لم تعد ، و أنا أخاف أن أنام لوحدي ،  و طلبت منهم السماح لإحدى بناتهم أن تأتي للنوم معي ، فوافقوا على طلبي ، وقد جاءت معي ابنتهم خديجة و أخوها الصغير وهيب ( كاتب القصة).
 
كنت في الرابعة عشر من عمري عندما دقت أحلام بابنا ، أدخلناها و وقفت في باب غرفة الجلوس ، تم اختياري أنا و أختي للذهاب معها ، لم اكن مطمئنة للذهاب معها ، أحلام تغيرت كثيراً خلال الفترة الماضية ، كنا نلتقي كل يوم عند بئر القرية ، لم تكن أحلام التي نعرفها ، أصبحت عدوانية و عصبية و تتحدث مع البنات بشكل عنيف وكأن الجميع أعداءها ، وصلنا إلى بيت أحلام ، و في التاسعة مساءً ذهبنا أنا و هي لحلب البقرة و تقديم الأعلاف و الماء لها ، و تركنا وهيب في الغرفة .
 
جلست وحدي في الغرفة بعد أن ذهبتا أحلام وخديجة لحلب البقرة ، شعرت بالخوف قليلاً ، أخذت الكشاف بيدي و وقفت أمام الغرفة انتظرهن ، باب الغرفة يطل على سطح القبو الذي فيه البقرة و يحيط بحواف السقف سور من الأحجار الكبيرة بارتفاع متر تقريباً ، وخارج السور يوجد أشجار التين الشوكي الكثيفة ، و باب القبو من خارج المنزل.

بعد دقائق من وقوفي و على ضوء القمر  لمحت شيئاً قفز فجأة من بين أشجار التين و جلس فوق أحجار السور على يميني ، بعد أن وجهت ضوء الكشاف باتجاهه ، وقف ثم مشى فوق السور حتى وصل فوق الأحجار المقابلة لي ثم جلس ينظر باتجاهي ، كان بيني و بينه مسافة أربعة أمتار أو أقل ، كان جسمه و طريقته في المشي كأنه أنسان بحجم طفل بعمر 5 سنوات ، إلا أن له ذيل طويل و نحيف ، يكسو جسمه شعر أسود كشعر الأغنام ،

كان وجهه قمحي و نحيف و بدون شعر ، يشبه وجوه العجزة ، عيونه زرقاء لامعة ، ارتعبت منه وهربت إلى الغرفة و أغلقت الباب بقوة ، بعد أن أنهت أحلام حلب البقرة  سمعنا وهيب يغلق باب الغرفة بقوة ، و فجأة دخلت أحلام بموجة من الضحك الهستيري ، كانت تضحك و تقول : لقد ظهر لوهيب ، لقد أخاف وهيب ، سألتها ماذا تقصدين ؟ و هي مستمرة في الضحك و لم توضح لي أي شيء .
 
وضعنا الأعلاف والماء للبقرة ، و طلعنا للغرفة ، وفتح لنا وهيب الباب و جلسنا ، ثم أخذت أحلام تسأله عن سبب إغلاقه للباب بقوة ؟ وصف لنا ذلك الشيء الذي شاهده بالخارج ، وكانت أحلام تشاركه الوصف و كأنها تعرف هذا الشيء جيداً .
 
ثم حكت لنا أحلام عن هذا الشي منذ البداية ، إلا أنها لم تذكر قصة العجوز ، لأنها لم تدرك أن لهذا الشيء علاقة بها ، كانت تحكي لنا بحماس غريب و تضحك بشكل مرعب ، وكانت ملامحها غريبة أو هكذا تهيء لي .

قمنا للنوم بعد أن أغلقت أحلام الشباك و غطت تحت الباب بالمخدات ، هي نامت خلف الستارة في فراش والدتها ، و أنا ووهيب نمنا في فراشها أمام الستارة.
 
أثناء ما كان وهيب بجانبي يغط في نوم عميق حدث شيء مخيف ، كان هناك شي يسحبه من أقدامه إلى خارج الفراش ، و أنا أعيده إلى جواري ، ثم يسحبه من جانبه إلى تحت الستارة وأعيده لمكانه ، تكرر هذا عدة مرات ، لم استطع النوم تلك الليلة ، و مع زقزقة أول عصفور إعلاناً بطلوع ضوء الفجر ،  فتحت الباب وعدت إلى البيت  ثم لحقني وهيب.
 
صحوت من النوم و شعرت بالرعب عندما لم أجد خديجة بجواري ، توقعت أن ذلك الشيء قد اختطفها أثناء نومنا ، خرجت اجري باتجاه منزلنا و أنا افكر في وقع الصدمة على عائلتي عندما أخبرهم أن خديجة اختفت ، وصلت أمام البيت و وجدت خديجة ، كانت جالسة و مستندة لباب بيتنا و تغط في نوم عميق .
 
لم يمضي أسبوع منذ نومنا في بيت أحلام ، صحونا في الصباح على صوت صراخ يدوي في القرية ، كان الصوت قادم من اتجاه منزل أحلام ،  ذهبت لأعرف ماذا يجري هناك ، وجدت الناس يتوافدون إلى أمام المنزل ، كانت أحلام على سطح المنزل تصرخ ، تسب و تشتم و تلعن الجميع كلاً باسمه ، و كانت تارة تبكي و تارة تضحك ، و كل من يقترب تقذفه بالأحجار ، استمرت هكذا لقرابة أسبوعين ، كل يوم الناس يأتون لمشاهدتها و يرحلون و هم يرددون كلمة واحده ، احلام فقدت عقلها .

في صباح أحد الأيام  شاهدت أحلام في الطريق ، كانت تلبس عباءة و بيدها شنطة ملابس صغيرة ، وقفت قليلاً لتتحدث مع احدى نساء القرية ثم ذهبت ، أخبرتني تلك المرأة أن أحلام أخبرتها أنها مسافرة إلى والدها في العاصمة ، أحلام أمية و لم تخرج يوما ًمن القرية ، كيف لها أن تسافر وحدها و مع من ؟ أذهب بسرعة إلى منزل أخيها و أخبره ليلحقها .

ركضت إلى منزل أخوها و أخبرتهم ، أخذ أخوها عصا غليظة و ركض ليلحقها و أنا أركض بعده ، لحقها في الطريق و عندما شاهدته أحلام حاولت الهروب ، و أثناء المطاردة التقطت احدى الأحجار و قذفتها باتجاه وجهه ، و كادت أن ترديه لولا أن الله سلم ، تعثرت أحلام و وقعت ، هجم عليها أخوها و انهال عليها ضرباً بالعصا بقسوة ، و ركز الضرب على ساقيها ، ثم قادها إلى منزلها و أغلق عليها الباب .

كانت المرة الأولى التي أشاهد شخص يضرب آخر ، حزنت عليها كثيراً و ندمت لأني ذهبت لأخبار أخيها ، غاب أخيها لمدة ساعتين ثم عاد ، فقد ذهب إلى الحداد و صنع لها أصفاد من الحديد و وضعها على قدميها و أغلقهما بالمطرقة  و تركها و غادر .
 
بعد أيام أخذوها إلى خارج القرية لعرضها على أحد المعالجين الروحانيين ، و بعد أسبوع عادوا بها إلى القرية و كانت قد تحسنت قليلاً ، خلال ست سنوات كانت تُصاب بالجنون مرة أو مرتين في السنة ، و كل مرة يذهبوا بها إلى معالج.

أخر معالج روحاني أخبرهم عن العجوز التي نامت معها في الفراش و أنها كانت السبب في كل ما جرى لأحلام ، فلم تكن عابرة سبيل ، بل جاءت قاصدة لبيت أحلام لنقل الجن من مريض أخر إلى أحلام ، بعدها أحلام تحسنت حالتها و لم تعد تأتيها نوبات الجنون ، إلا أنها لم تعد لطبيعتها .
 
أحلام اليوم تجاوزت الخمسين من عمرها ، منعزلة و لا تثق بأي أنسان ، كلامها غير موزون ،  واذا تكلم أحد معها تفهم الكلام بطريقتها و تحوله إلى مشكلة ، لذلك الناس يتحاشونها باستمرار .

تاريخ النشر : 2021-01-17

مقالات ذات صلة

13 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى