تجارب ومواقف غريبة

عجوز من الجن في غرفتي

بقلم : وائل – الجزائر

كان وجه امرأة عجوز وجهها يابس لا لحم فيه و أنفها دقيق شديدة السمرة
كان وجه امرأة عجوز وجهها يابس لا لحم فيه و أنفها دقيق شديدة السمرة

كان شهر رمضان في عام 2016 م في عزّ الصيف ، و من عادتي و بعض الأصدقاء أن نلتقي كل ليلة بعد صلاة التراويح في حديقة الحيّ نفر من حرّ شقق العمارات و جوِّها الخانق.

و لأني كنت الوحيد من بين جماعتي من سافر و أقام طويلاً في الصحراء فإن تحضير الشاي الصحراوي كانت مهمّة منوطة بي طوال شهر رمضان و حتى بعده و إلى ساعة كتابتي لهذه الكلمات .

أتذكر تلك الليلة جيداً في العشر الأول من الشهر الفضيل افترشنا أرض الحديقة كما نفعل كل ليلة و ، لكني في تلك الليلة لم أكن على طبيعتي و سجيّتي و لم أكن أشاركهم الحديث و لا كنت مستمتعاً بالجلوس و لا بارتشاف الشاي و لم يمنعني من الانصراف إلا احترام الجماعة و التزام أدب العشرة ، أخيراً جاءني حبل النجاة من أحدهم عندما قال : ما بالك شارد الذهن هذه الليلة على غير عادتك ؟ فقلت : بأني أشعر بالتعب و رأسي أحسه كبرميل .

واضح من عينيك أنك تعبان ثم أضاف : لقد غلبك رمضان و لم يمضي منه غير أسبوع يا مسكين .

انطلقت ضحكاتهم و تبسمت كمحاولة مني لأشارك و أنسجم مع الجماعة ، غير أن الثقل الذي كنت أحسّه على أكتافي و الضيق بصدري لم أعد أطيق عليه صبراً ، كنت أشعر برغبة لا تقاوم في الاستلقاء و النوم عسى تسقط عني هذه الأحمال الثِقال و هذا التعب الذي يلتف ضاغطاً على كل خلية من جسمي .

وقفت كأول إعلان عن تمردي و رغبتي في الذهاب و ترك المجلس و بعد أخذ و شد و رد و أيمان مغلظة مني بأني متعب حصلت على إذنهم و تسريحهم لي على مضض بالانصراف .
شقتنا في الطابق الأول من العمارة لا تبعد عن مجلسنا سوى حوالي مائة خطوة لحظتها كانت تلك المائة خطوة تبدو لي سفراً طويلاً و طريقاً شاقاً.

في ليالي رمضان بالجزائر يتحول ليلنا إلى نهار و نهارنا إلى قفار ، فكل الناس تخرج صغاراً و كباراً و حتى الأطفال الرضع تجدهم يسهرون أو نائمين بين أحضان الساهرين ، شققت طريقي بين الزحام و صياح الأطفال و ضحكاتهم و أبواق السيارات و كنت أجرّ خطاي جرّاً و كأني أخوض في مستنقع من الطين و الوحل .

وصلت أخيراً غرفتي و التي فيها بابان أتركهما مفتوحان في ليالي الصيف لتدخل تيارات الهواء الباردة، باب للدخول و باب واسع بدفتين أخرج منه للبالكون الذي يطل على طريق مزدوج يفصل بين العمارة التي أسكن و العمارات المقابلة ، هذا الطريق مضاء بشكل تام و يعج بالصبية الذين يلعبون و الرائح و الغادي من الناس و السيارات ، و على جنبيه حوانيت تبقى مفتوحة حتى اقتراب وقت السحور ، لم أكن بحاجة لإنارة الغرفة عندما دخلت فإنارة أعمدة الشارع تكفي ، أنا لا أنام على السرير و لا أستطيع ذلك و لا أنام إلا بفراش على الأرض و ذكرت هذا التفصيل لأنه مهم في ما سيأتي ، ارتميت على ظهري ثم تحولت على جنبي الأيسر حتى يكون وجهي إلى الجدار لأتجنب إضاءة الشارع و بدأت الأصوات تتلاشى و رحت أطرق باب النوم .

على هذه الحال و أنا في كامل وعيي إذا بي أشعر بقرصة خفيفة واضحة غير مؤلمة من إصبعين على فخذي الأيمن ، استغربت و التفت فوجدت أمي جاثية على ركبتيها بوضعية تشبه وضعية الجلسة بين السجدتين في الصلاة .

كانت ركبتيها تكاد أو تلامس فراشي ، ظننت أمي تريد أن تسارني بشيء بسبب طريقة إيقاظها لي بالقرصة الخفيفة و وضعية جلستها هذه و دنوها الشديد مني حتى كادت تلامس ظهري ، فقلت لها هامساً : أمي …ماذا؟.

طأطأت رأسها قليلاً و كأنها قالت شيئاً لم أسمعه جيداً ، تريد أن تخبرني شيئاً و هي تهمس حتى لا توقظ أبن أختي الرضيع النائم في الغرفة المجاورة.

درت على ظهري و سألتها مرة أخرى : ماذا… ما الذي حدث ؟ لكن كلامها لم يكن مفهوم فأشرت لها بيدي هامساً مرة أخرى كي أجاريها في حذرها كما ظننت : ماذا ؟ لم تتحرك و ظلت على وضعيتها و كفيها على ركبتيها ، في هذه اللحظة اعتدلت جالساً و رحت أقرب وجهي منها حتى أضع أذني بقرب فيها لأصغي جيداً إلى همسها و أعرف طلبها ، و هنا كانت المفاجأة عندما كاد أنفي يلامس وجهها و رأيت تفاصيل ذلك الوجه انصدمت ، لم تكن أمي ، كان وجه امرأة عجوز وجهها يابس لا لحم فيه و أنفها دقيق شديدة السمرة ، تضع على رأسها خماراً و قد عصبت رأسها بقطعة أخرى فوقه تمر على جبينها و عقدتها من الخلف تماماً كما تفعله العجائز عندنا ،

هذا الذي رأيته و التفاصيل التي ذكرتها حدثت في ثواني قليلة جداً ، في هذه اللحظة التي ربما كانت ثانية أو ثانيتين استوعبت أن هذه العجوز ليست لا أمِّي و لا عجوز و لا من الإنس إنها من الجنّ ، و بدون وعي صرخت : الله أكبر و سددت لوجهها لكمة ذهبت في الريح و قفزت أجري ناحية قابس الضوء و أنرت الغرفة و التفت فلم أجد شيئاً ، جريت للمطبخ حملت سكيناً و عدت أبحث عنها في كامل أرجاء البيت و فتحت غرفة أمي لأجدها تغط و أختي في النوم ، فانتبهت و سألتني ماذا ، هل اقترب وقت السحور؟

قلت : لا و أخبرتها أني فقط أحبها أن تحضر لنا لسحور الليلة الكسكسي ، إلى حد الساعة لست أدري كيف أو لماذا خطر لي في تلك اللحظة أن أحضر السكين ، ربما لأني قرأت في تفسير بن كثير أن مجاهد شيخ المفسرين تلميذ حبر الأمة و ترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قد حدث له أنه و بعد أن توفي شيخه ابن عباس كان يتمثل له الشيطان في صورة بن عباس و يقف أمامه أثناء الصلاة حتى يفتنه أو يغويه ، فتفطن له العالم مجاهد و دس في كم قميصه خنجراً و قام إلى صلاته ، فظهر له الشيطان و استل الشيخ الخنجر من كمه و طارده و فر الشيطان حتى سمع لوقعه جلبة من وراء الجدار.

عدت لغرفتي و رنّ هاتفي ، كان أحد أصدقائي الخاصين جداً والأحب إلى قلبي من غيره و الذي أعتبره كأخي ، دخلنا غرفتي فنظر إلي و قال لي : ما بالك وجهك أصفر ؟ ثم نظر إلى السكين في يدي ، و فعلاً عندما نظرت للمرآة كنت كحبة ليمون و عيناي جاحظتين و شعري واقف في السماء و كنت أسمع دقات قلبي المتسارعة.

أعددت شاي و أخبرته بما حدث و أوصيته أن الأمر سر و لم أخبر أحداً ، و ها أنا أنشر ما حصل لي لأول مرة في هذا الموقع .

أما أنا فواصلت باقي شهر رمضان أرش البيت يومياً بماء و ملح مقروء عليه ، و لا تتعجبوا من ظهورها في شهر رمضان فإنها كانت من الجن و ليست من مردة الشياطين الذين يصفدون .

في الأخير يشهد الله أني رويت لكم ما حدث لي شخصياً و إن يسّر الله سأروي لكم أحداثاً أخرى وقعت لي ، مع هذا العالم و الله شاهد على ما أقول و كفى بالله شهيداً .

تاريخ النشر : 2021-03-23

مقالات ذات صلة

61 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى