أدب الرعب والعام

عشق من نوع آخر (2)

بقلم : شيطانة منتصف الليل – كوكب الظلام

عشق من نوع آخر (2)
يجب أن أعود إلى ذلك المنزل و أسترجع حبيبتي ..

يوماً ما سيتحول هذا البعد الشاسع الى قرب دافئ .. ظللت أردد هذه العبارة بلا توقف ..
مرت ثلاث سنوات على تلك الحادثة و لكنني لازلت أذكرها جيداً ، لم يغب و لو تفصيل صغير عن رأسي ، و لكن يجب أن أسترجع حبيبتي من بينهم ، ظلت هي محتجزة هناك لحمايتي و لكنني ببساطة يا أما أخرجها من هناك أو أصبح مثلها ، أجل الموت هو السبيل الوحيد لألتقي بها و أبقى معها للأبد ، و لكن بالتأكيد لن نبقى محتجزين بذلك المنزل الملعون بل سأدمره و أدمر روحه ، تلك الروح اللعينة التي تسكنه ، لكنني ماذا أعرف عن ذلك المنزل ؟ لا شيء لا شيء ببساطة .

نزلت راكضاً لقبو منزلي أخرجت كل المعلومات التي أخفيتها عن الجهات الأمنية جيد أنني فعلت ذلك ، أتى اليوم الذي سأستخدمها لمصلحتي .. لقد كتب بالملف أن المنزل تأسس على يد تاجر إنكليزي في عام ١٨٩٠ م و بعدها توفى لتبدأ الأحداث الغريبة ، و كل عائلة أو فرد يسكن هذا المنزل تحل عليه لعنة الموت ليصبح روح محتجزة هناك ، هناك حلقة ناقصة بالأمر علي إيجاد أحد أو أي شيء قبل إنشاء البيت و تعميره يجب ذلك .

تضايقت كثيراً فلا يوجد لدي رأس خيط يوصلني للبداية ، عندها قررت الرجوع مجدداً .. عدت لقرية أرطاغول مرة أخرى و اتخذت مسكناً لي هناك ، لم يكن وجهي غريباً أبداً عن السكان فأنا الناجي الوحيد من تلك المجزرة التي حدثت بذلك المنزل الملعون ، جلست وحيداً في هذا الكوخ الخشبي المتهالك ، رتبت أغراضي و توجهت للمقبرة لأجد أسماء الجميع هناك رفاقي من طاقم العمل ، الشيوخ ، الرجال الذين ساعدونا .. ظللت أمشي بينهم ربما جثثهم ليست فعلياً موجودة في هذه القبور المنصوبة و لكنها خلدت ذكراهم ..

ظللت هائماً بين القبور عسى أن ألمح اسم محبوبتي بينهم .. سقطت الدموع من عيني و أنا أمشي بلا توقف ، جلست على أحد القبور و استمريت بالبكاء ، يا ليتني فقط أرفع رأسي لأجدها أمامي .
بقيت على هذه الحال حتى سمعت صوت امرأة ، رفعت رأسي لأجد إحدى فتيات القرية واقفة :
– السلام عليكم .
– و عليكم السلام .. تفضلي .
– أنت ذلك الرجل الوحيد الذي خرج من ذلك المنزل ناجياً ؟
– أجل .. و من تكونين أنت ؟
– أتيت لأنني أعرف تمام المعرفة بهويتك ، جدتي تعرف الكثير عن ذلك المنزل حتى قبل أن تأتي أنت .. إنها كبيرة جداً بالعمر ، قد تموت بأي لحظة و لكنها لا تعطي حرفاً مما تعرفه ، أنا الوحيدة التي سرتني بهذا السر .

عندها نهضت واقفاً و قد دخل الأمل لقلبي ، أتى الوقت ، أتى الوقت الذي سأحرر فيه حبيبتي و أحرق ذلك المنزل اللعين .
– هل يمكن أن تدليني عليها ؟
– بالتأكيد هيا تعال .

مشينا معاً بالطريق ، كانت تتحدث كثيراً لكنني لم آبه لما تقوله ، كنت شارداً وقتها حتى سمعت صوتها و هي تقول لقد وصلنا .

أدخلتني منزلها و استقبلتني والدتها ، جلست قليلاً لتأتي لي و تقول أن جدتها وافقت على لقائي .. دخلت عليها لأجدها طريحة الفراش ، كان يبدو عليها أنها تخطت التسعين من عمرها إن لم يخب ظني ، جلست بجانبها و سلمت عليها نظرت لحفيدتها و طلبت منها الخروج بلطف ، بقيت لوحدي مع جدتها و أنا أنتظر أن تباشر بحديثها .

– أخبرتني حفيدتي جنان عن قصتك منذ ثلاث سنوات ، لم يخرج أحد سالماً من هناك أبداً يا بني .. كانت تتنهد كثيراً
سألتها :
– أريد معرفة كل ما يخص ذلك المنزل يا جدة .
– لك ذلك يا بني .. كنت في السابعة عشرة ، صبية صغيرة و ابنة فلاح بسيط ، كنت مسرورة بعيشتي بالرغم من قسوة أبي معنا ، كنّا ستة بنات .. شكلنا عبئاً كبيراً على والدي الذي كان يكره حياة الفقر كثيراً .

جميعنا نحن الفتيات عملنا لنوفر لقمة عيش لكنه ببساطة ظل غير راضٍ عناً أبداً .. مرضت أمي بمرض السل و لم نستطع تدبر أموال لعلاجها ، ماتت بصمت لنعاني الضرب و السب و الإهانة من والدي ، تزوجت أختان من عائلتي ، واحدة بتاجر و الأخرى تزوجت صائغ ذهب ، نعمنا بالثروة و خاصةً أبي و لكن أختاي شاهدتا عذاباً مع أزواجهما ، و هكذا تزوجت كل شقيقاتي حتى بقيت أنا بخدمة والدي ..

أخبرني والدي ذات يوم أنه وجد لي عريساً ، كنت وقتها قد بلغت التاسعة عشرة من عمري ، جهزت نفسي لكنني لم أكن راضية عما يفعله والدي ، كنت حاقدة عليه لظلمه لنا ، جاء خطيبي و رأيته رجلاً في عقده الخمسين ذو وجه كئيب و صوت أجش و بنية ضخمة ، تم الزواج و سكنت معه أول مرة في بيت بسيط ، كان يبقى لوحده دائماً و كانت لديه غرفة سرية لم يسمح لي يوماً برؤيتها ، لم أكن أتدخل بما يفعله لكنه كان يجبرني على فعل أمورٍ شنيعة .

هنا صمتت و سقطت دموعها من عينيها ، أخذت نفساً عميقاً و أكملت بنبرة حزينة :
– كان يجبرني على قتل الحيوانات البريئة و سلخ جلودها ، حتى أنه كان يجبرني على سرقة الأطفال الرضع ليقوم بقتلهم ، كلما تكلمت أو نطقت بحرف ينهال علي بالضرب و يحبسني في القبو بلا ملابس و بلا مأكل أو مشرب لعدة أيام قد تصل حتى لشهور ، بعدها أصبحت مطيعة جداً له ، فلم يعاقبني أبداً بسبب طاعتي العمياء ..

جاء إلي يوماً و قد قال أنه وجد منزلاً جديداً يقبع خلف قرية أرطاغول بستة عشر متراً ، حزمنا أغراضنا و سافرنا إلى هناك حتى وصلنا للمنزل ، كانت تلك أول مرة أراه فيها .. تراودت في ذهني آلاف من الأسئلة لكنني خفت أن أساله عن شيء .

سكنا في ذلك المنزل الكبير حتى أنجبت منه خمسة بنات و خمسة أولاد .. أصبح زوجي ثريا لكنني لم أعرف استطاع أن يملك هذه الأموال ، و لكنه لم يبخل علي و لا على أولاده و بناته ، بعدها بفترة بدأت أرى أموراً غريبة تحصل في البيت ، أشعر بوجود عدد كبير من الأشخاص معنا ..

في أحد الأيام عانت ابنتي من كابوس رهيب و قد وجدت آثاراً على جسدها ، في ذلك الوقت سمعت عن رجلٍ في عقده الأربعين كان يقال أنه شيخ اسمه كان جعفر ، كان معروف في القرية ، أتيت به و كشف على ابنتي لكنه قال وقتها هو مجرد جني خبيث قام بأذيتها ، و أعطاها ماء مقروء و أوصاها بالتزام الأذكار ، توطدت علاقتي به بعد ذلك عندها اعترف لي بأمر فاجأني كثيراً ..

لقد قال أنه يشعر بوجود قوى شيطانية هائلة هنا ، و يشعر بوجود أشخاص معنا ، قال أنهم يتعذبون هنا ، كان زوجي مسافراً وقتها و كنّا نبحث عن كل شيء يخص زوجي حتى بالغرف الذي كان يبقيها مقفلة ، كان جعفر يأخذ كل ما كان زوجي يحتفظ به فلقد عرفت وقتها أنه مشعوذ ..

فجأة ظهرت على شفتيها ابتسامة ، نظرت إليها متعجباً عندها نطقت و قالت :
– مريم .
اتسعت عيناي و اعتدلت بجلستي و قلت : هل تعرفينها ؟ هل التقيتي بها .
استمرت بابتسامتها و قالت :
– مريم و منار شقيقتان بالرضاعة ، التقيتهما أول مرة عندما كانتا بعمر الرابعة عشر سنة ، جلبهما والدهما إلي بعد موت أمهما ، أحببت الفتاتين كثيراً ، لم تكن منار تحبّني لكن مريم تعلقت بي كانت تناديني ماما ، آه كم أحببتها .. ربيتها على يدي حتى كبرت و أصبحت شابة بعمر الثامنة عشر سنة ، أصبحت صبية رائعة الجمال بالرغم من حبي لوالدها إلا أنني لم أخن زوجي .

عاد بعدها من سفره و ناقشته بهدوء بأمر الشيخ فتعجبت من تقبله للأمر ، أصبح هو وجعفر صديقان و أصبحت مريم و أختها بمثابة ابنتيه .. إلى أن جاء ذلك اليوم الفظيع ..

نظرت إليها فوجدتها توشك على البكاء فعرفت وقتها أنها تقصد يوم مقتل مريم .. فسألتها :
– هل تقصدين .. أن شيئاً سيئاً حصل لمريم ؟
فتحت عينيها و نظرت إلي :
– أجل كان شيئاً شنيعاً .. كنت في غرفتي أتتني إحدى بناتي لتخبرني أن الشيخ جعفر تنزف عيناه دماً و قد أمسكوه أبنائي و رموه خارجاً ، كان الجو ممطراً وقتها .. ذهبت إليه ركضاً و وجدته هناك مرمي بالقبو ، حاولت مساعدته لكنني شعرت بألم مبرح برأسي و فقدت وعيي استيقظت و وجدت نفسي بغرفتي مع بناتي الخمسة ، أما أبنائي الكلاب و زوجي الحقير فلا أثر لهم ..

ظللت أبكي و أبكي ، مر يومان حتى خرجنا من الغرفة ، بعدها بدأت أبحث في أرجاء المنزل عسى أن أجد جعفر و لكن لم أجده ، كنت أبكي بأغلب وقتي ما الذي فعلته حتى أستحق كل ما يحدث لي ، كنت حبيسة هناك لم أستطع الخروج من المنزل أبداً ، مر شهران على هذه الحادثة .

في يوم استيقظت على صوت أعرفه إنه .. انه صوت مريم ! قمت فزعه رأيتها أمامي قمت و احتضنتها .. نظرت إليها لأجد عليها آثار كدمات و صفحة وجهها مغطاة بالدماء ، و كانت تقف خلفها منار التي كان وجهها محترق بالكامل و على جسدها آثار دماء ..
فزعت وقتها و أردت الصراخ لكنني لم أستطع ، كان هناك شيء يمنعني من ذلك ، مرت علي تلك اللحظات بثقل حتى نطقت مريم :

– يجب أن تساعديني يا أمي .. عندها أمسكت بيدي و ذهبت خلفها وجدت نفسي بغرفة تحت الأرض ! خفت كثيراً وقتها و نظرت أمامي لأجد تلفاز اشتغل من تلقاء نفسه ، هنا توقفت هي عن الكلام و أنا أنزلت رأسي للأسفل و قلت :
– هذا ما رأيته أنا أيضاً يا جدة .
مرت لحظات من الصمت و قالت : تألم قلبي كثيراً ، ربيتها على يدي و اهتممت بها لأراها تقتل بهذه الطريقة البشعة و على يد من .. على يد ابنائي .
– لطالما تساءلت من هو الكلب الذي صور الفيديو .
عندها أجابتني و الدموع تتساقط من عينيها :
– إنه زوجي السادي .. لقد كان صوته ظاهر بالفيديو ، كان يضحك بصوت عالٍ و يقول ” أروها رجولتكم يا أبنائي ” وسط صراخها ، تعالت ضحكاته و هم كانوا يتتالون عليها كالكلاب الجائعة .. كانت تصر..
– كفى … كفى لا تقولي المزيد ، نظرت للأسفل و قد شبت نار بداخلي ، لم أسيطر على دموعي مطلقاً في تلك اللحظة .

ابتسمت هي بعد ذلك و قالت :
– بعد ذلك خرجت من تلك الغرفة توجهت إلى المطبخ و التقطت سكيناً ضخمة و اتجهت إلى غرفته ، فتحت الباب ببطء .. كان جالساً يقرأ بأحد كتب السحر التي لديه ، فجأة التفت و رآني خلفه ، خفت من نظراته و من وجهه بالرغم من رغبتي في الانتقام ، نهض و تقدم ناحيتي ارتجفت وقتها من الخوف و سقطت السكين من يدي هربت منه حتى وصلت لوسط المنزل ..

تقدم مني بخطوات متثاقلة و بيده السكين حتى وقف أمامي ، ركعت وقتها على الأرض و طلبت منه السماح ، اقترب حتى أصبح لا يفصلني عنه إلا بضع خطوات ، بكيت وقتها و عرفت أنني لن أبقى على قيد الحياة .. لم أرد أن أكون ضعيفة ، إن أراد قتلي فليفعل .

رفعت رأسي لأجدها واقفة أمامي .. إنها مريم كانت تنظر إليه نظرت خلفه لأجد ابنائي واقفين ، كلنا استطعنا رؤيتها ، عندها نطقت بصوت غليظ خشن :
– حانت ساعة انتقامي ، سآخذ بثأري جزاء ما فعلتوه بِنَا .
عندها تراجع هو للخلف ليتكسر كل شيء حولنا ، نهضت مسرعة كدت أصل للباب لكن ظهرت نار من العدم و شبت بالمكان ، حوصر زوجي و أولادي ، فجأة ظهر من النار أشخاص كثيرون ، كانوا يظهرون باستمرار ، أمسكوا أولادي الخمسة و معهم زوجي الذي لم تبقَ تعويذة إلا ورددها ، لكن حتى سحره الأسود لم ينفعه وقتها ..

تقدمت مريم ناحيتهم ، التفتت للحظة و هي تنظر لي بابتسامة رضا ليتحول جسدها إلى ضباب ، امتزجت النار بأجسادهم و ذلك الضباب الأسود أحاط بهم ، كنت أسمع صراخهم و لكن بالوقت ذاته أسمع صوت ضحك كأن تلك الأرواح سعيدة بما فعلت !
انطفأت النار و اختفى كل شيء ، نهضت و أنا فرحة ، بحثت عن بناتي الخمسة و قد وجدت جعفر بينهن .

نظرت لها و قلت :
– و لكن كيف وجدنه ؟
– قالت إحدى بناتي أنها كانت نائمة فسمعت صوت مواء قط ، كان أسود اللون ، بقي جالساً عند رأسها كأنه يطلب منها أن تتبعه ، نهضت وراءه لينزل بها للقبو ، خافت من النزول فلطالما حذرها والدها و أشقاؤها من النزول ، نزلت بعد أن سمعت مواء القط حملت فانوساً و توجهت به حيث ذهب القط لتجد الشيخ جعفر هناك .

– هذا أمر غريب ، لم تذكر هذه الحادثة أبداً في سجلات المنزل .
– لأننا تكتمنا على ذلك يا بني .
– و متى خرجتم من المنزل .
– لم نستطع الخروج إلا بعد سنة كاملة ، نظرت إليها متعجباً و قبل أن أطرح سؤالي باغتتني هي بالجواب ..
– أصبح البيت كبيرا كالمتاهة ، كلما حاولنا الخروج نجد أننا عدنا إليه مجدداً .. حديقته كانت كبيرة ، كنّا نخشى الذهاب إليها ليلاً خاصة بعد أن نرى أشخاص غرباء يتجولون هناك ، ظل جعفر يهلوس فهو رأى ما حدث لابنته بعينيه ، بقي مجنونا لا يستمع إلينا إلى أن أتتني ابنتي الكبرى في يوم من الأيام و كان لونها شاحباً .. بقيت هكذا حتى هدأت و قالت أنها كانت بغرفتها وجدت ذلك القط الأسود ذاته ، اقتربت منه لتعطيه الطعام لكنه حدَّق بها ليتكلم بعدها .. قالت أنه قال لها بالحرف : أذنَّا لكم بالخروج .

لملمنا أغراضنا و ذهبنا حتى خرجنا من الباب الخلفي للمنزل ، أما الشيخ جعفر لم أعرف ما الذي حل به وقتها .

سكتت بعدها و تنهدت بحزن :
– لطالما كان رجلاً طيباً .. ماتت أرواح بريئة ليس لها ذنب و كل ذلك بسبب والدي .. والدي الذي بسببه قتلت حيوانات و أطفال أبرياء ، زوجني رجل سادي ليصبحوا ابناءه مثله .

اكتفيت بالصمت و أستاذنت للرحيل .. خرجت لأجد حفيدتها عند الباب !
– هل تريد أن نضيفك شيئاً ؟ جدتي طلبت مني الخروج و لم نضيفك شيء .
– لا شكرا لا أرغب بشيء .

تركتها و عدت إلى منزلي و كتبت كل ما عرفته من معلومات .. يجب أن أخرج مريم من هناك .. سأخرجها من هناك مهما ما كلفني الثمن

استخرجت أيضاً المعلومات القديمة و جمعتها كلها لدي ، لكن بقي سؤالٌ واحدٌ عالقٌ في ذهني ؟
إذا كان زوج المرأة تلك هو الحقير الذي ارتكب كل هذه الأفعال الشنيعة ، و مريم انتقمت منه و من أولاده ، إذاً من هي تلك الروح المتحكمة بالمنزل إذا ؟! لماذا مريم ظهرت لي و أخرجت الحقيقة مجدداً ؟ ما هذا !! عادت تلك الأسئلة اللعينة إلى رأسي ! فعلاً سأنفجر هكذا .
لن أشغل بالي بسبب كلامها الذي لامس جرحي العميق ، لم أسألها بما يكفي من معلومات ، نظرت للساعة و رأيتها الثانية فجراً ، و بعدها قررت أن أغط في نومٍ عميقٍ .. غداً سأذهب إليها

*****

يوم السبت ٦مايو /١٩٨٥ م الساعة ٧:٣٠ دقيقة

حملت معي دفتر ملاحظاتي و سرت متجهاً إلى منزل جدة جنان ، تذكرت أيام الماضي كيف أتيت أول مرة إلى هنا و كيف مشيت في هذا الطريق ، و ها هي نظرات الناس الغريبة ذاتها تتجه نحوي ، ابتسمت و نظرت للأسفل للحظة و أكملت طريقي .. عبرت المقبرة و اتجهت حيث يقبع المنزل بالضبط ، طرقت الباب لتفتح لي البنت ذاتها التي رأيتها بالأمس

– أهلاً .. لقد عدت من جديد !
– أجل .. أعتذر ، ربما قد أسبب إزعاجاً و لكن هناك بعض الأمور التي لم أستفسر عنها .
– لا لا يوجد إزعاج ، تفضل أهلاً بك نورتنا .

دخلت و سلمت عليهم بلطف ، أتت بعدها جنان و قالت :
– جدتي متعبة جداً ، لذا قد لا تخدمك بشكل جيد خصوصاً أن الطبيب قد أوصاها بالراحة .
– هل أرحل و آتي بوقت آخر ؟
– لا معقول ! ابق هنا ستأخذ حقنتها و تتحدث معك ، و لو أنت ضيفنا .
– شكراً لك

كنت مستغرباً من اهتمام هذه الفتاة بي ، لكنني لم أبال بها ، بقي أمامي القليل لأبدأ بالشروع بخطتي ، أحببت مرة واحدة بحياتي فقط و أكيد هي ستبقى المرة الأخيرة ، فلا مكان لأنثى غير مريم بقلبي ، حتى و إن كانت ميتة ..

ظللت شارداً حتى سمعت صوت جنان مرة أخرى .
– تفضل القهوة .
– شكراً لك .
– هل تريد شيء آخر ؟ لدينا كعك عملته بيدي سيعجبك و بعض الفطائر اللذيذة .. و لدينا أيضاً
– لو سمحت لا أريد شيئاً ، هل جدتك جاهزة لرؤيتي ؟ إذا كانت متعبة آتي بوقت لاحق .
قلت كلامي بانزعاج واضح و اكتفت هي بالصمت ، ذهبت و اختفت لتأتي بعد برهة من الزمن :
– جدتي تريد رؤيتك إنها جاهزة للحديث معك .

نهضت و سرت أمامها ففعلاً أشعر بنفسي لم أعد أطيق حرفاً واحداً من هذه الفتاة .
دخلت و سلمت على جدتها ، جلست بمكاني لتطلب من حفيدتها الخروج فخرجت و أغلقت الباب خلفها ..

– إذاً سيدتي حفصة أنت لم تخبريني ببعض التفاصيل التي أثارت تساؤلاً عندي .
– أسمعك يا ولدي .
– لم تخبريني بالمعلومات الكافية عن زوجك ، اسمه ، عمله ، كيف تعرف بوالدك و تقدم لخطبتك .
– اسمه سامر يوزجين قدم إلينا من ازمير بحجة أنه كان يعمل تاجراً و جاء عن طريق زوج أختي .
– طيب و لكن أنت قلت أنك اكتشفت أنه مشعوذ ، طيب لماذا لم تحاولي الهرب وقتها أو أي شيء .. كاللجوء للجهات الأمنية أو إحدى شقيقاتك .
– لم تكن علاقتي قوية بشقيقاتي وقتها و لحد الآن ، و كما قلت لك سابقاً يا بني كنت أخاف منه كثيراً فهو كان ساحر و هذا عدا عن الضرب و حبسه لي بدون أكل أو شرب في أيام البرد القارس .

كنت أشك بكلام هذه العجوز كثيراً ، أنزلت رأسي للأسفل بحيرة و اعتذرت لها عن الإزعاج و خرجت .. وقفت جنان تنظر الي فتركتها و رحلت لكنها خرجت خلفي .
– عفواً .
التفت إليها لأجدها قد أنزلت رأسها للأسفل .
– تفضلي
– وقعت منك هذه الساعة من جيبك .
– شكراً لك ..
التقطتها و مشيت في طريقي لتمر فجأة أمام عيناي لحظة لقائي بمريم أول مرة ، فهي جاءت خلفي و أوقفتني بنفس الطريقه لتعطيني دفتري .. اعتراني ألم شديد في صدري و لكنني سأتحمل ، كله من أجل حبيبتي .

عدت للمنزل و قد حضرت ما أحتاجه ، جهزت حقيبة وضعت بها فأساً و بارود خلطته مع ملح و القليل من الوقود السائل و وضعت مشعلاً و مصدر حرارة ، أغلقت الحقيبة و أخذت دفتر الملاحظات و نزلت للقرية ، ربما لن أتمكن من حرق هذا المنزل الكبير لوحدي ، ما يخطر ببالي فعلاً أمر غريب و يصعب فعله لكن علي ذلك ، علي إعادة إحياء تلك الليلة الأخيرة من شهر مارس ..
اتجهت إلى سكان القرية و سألتهم عن المختار الذي ولي عليهم فدلوني عليه ، ذهبت عنده لألتقي به ، إنه حفيد صالح الأعور ” ياسين ” آه هذا يسهل علي الكثير ، استقبلني بحفاوة فأكيد هو يعرفني تمام المعرفة .

– شرفتني بحضورك سايغن بيك .
– لي الشرف .
– سررت بزيارتك فقد كنت أحتاجك لمعرفة ما حدث بالضبط هناك .
– ما حدث هناك كان مأساةً كبيرة و لكنني جئتك طالباً المساعدة .
– هذا غريب فعلاً ..! كنت سأطلب منك الشيء ذاته .

استغربت من كلامه لكنه باشر بكلامه فوراً :
ـ الحوادث لسكان القرية لا زالت مستمرة ، نرى العديد ممن يذهبون إلى ذلك المنزل بلا رجعة و إن وجدناهم يوماً … فيكونون أموات .
– لهذا جئت إليك .. لأنهي ما يحدث هناك .

اعتدل بجلسته و نظر إلي محدقاً .. لقد شعرت ببروز أمل من عينيه :
– لقد جئت إليك لأنني سأعود للدخول لذلك المنزل مرة أخرى و لكن هذه المرة سأقوم بإحراقه ، و قد أعددت خطة محكمة لذلك .
– قلها إذاً و أنا تحت إمرتك .

تنهدت طويلاً و رفعت رأسي مباشرةً و نظرت إليه :
– لقد جهزت باروداً مخلوطاً مع ملح و وقود سائل .. أريد حرق ذلك المنزل ، و الذي أريده هو مجموعة من الرجال الأشداء معي يدخلون ذلك المنزل و يساعدوني بإحراقه ، بينما يقف شيوخ حول البيت قسماً منهم يرشون حديقة المنزل بماء مقروء و ما إلى هذه الأمور و القسم الآخر يكتفون بقراءة القرآن بصوت عالٍ في الخارج من دون خوف أو تردد و ليحصل ما يحصل ، ستأكل ألسنة اللهب ذلك المنزل و ستخرج الأرواح المحتجزة فيه ، سأحوله لرماد .
– القول أسهل من الفعل يا سايغن .
– هذه خطتي و أنا مستعد للتضحية ، و إن أردت مساعدتي يسرني ذلك و إن لم ترد سأنفذ خطتي بكل الأحوال .

خرجت بعدها و تركته .

*****

الأحد ٧ من شهر مايو الساعه ٤:٥٦ دقيقة

إنه وقت الفجر ، حضّرت كل ما يلزم فطرق باب منزلي فجأة ، فتحت الباب لأجد ياسين .
– لن أتركك وحدك ، بخطتك هذه سنتخلص من لعنة المنزل و ربما للأبد .
– تفضل بالدخول .. أدخلته لمنزلي و قمت بواجب الضيافة معه ، و قد تحمست كثيراً فأخيراً خطتي سوف تنفذ

بقيت أنظر إليه آملاً أن يخبرني بشيء ، قد يكون فكر بخطة أو شيء قد يساعدني .. انتهى من شرب شايه نظر إلي و تنهد :
– فكرت بخطتك ، لا أعرف فعلياً ما الدافع الذي يجعلك تضحي بحياتك للتخلص من ذلك المنزل و لكن لا أضمن لك أن أجد رجالاً يمكن أن يخسروا أرواحهم مثلك أنت و يقدمونها على طبق من ذهب .
– لماذا جئت إلي إذاً ؟
– لأنني أريد الانتقام لموت جدي ، سأساعدك بخطتك و سنحرق ذلك المنزل و لكن سنجلب رجالاً من خارج القرية .
– يسرني سماع هذا الكلام منك .. أنت من أستطيع الوثوق به لتنفيذ خطتي .
– إذاً أخبرني بكل ما حدث .

– ببساطة أنا و طاقمي أمضينا ليالي كثيرة بذلك المنزل و قد رأينا الويل استمرينا لشهرين شعرت إنهما قرنين ، تولينا كل شيء بأنفسنا ما عدا آخر يوم دخل جدك المنزل معنا و لكنني افترقت عن البقية ، هاج ذلك المنزل اللعين و بدأ بمهاجمتنا ، و آخر ما رأيته هو كل طاقمي و معهم جدك و الرجال الذين أتوا من القرية و هم أموات تقطر منهم الدماء ، كانوا جميعهم يتدلون كالدمى من السقف و بعدها لم أشعر بشيء و وجدت نفسي بمستشفى .
– لماذا أنت الناجي الوحيد من بينهم إذاً ؟
– لأن هناك من ضحى بنفسه لأجلي و أخرجني من هناك ، هذا هو سبب رغبتي بالتخلص من المنزل ، ببساطة كي أحرره من هناك ، هذا كل ما أستطيع قوله لك .
– لا بأس مع ذلك أنا سأغادر القرية الآن .. أعرف بعضاً من أقربائي على مسافة قريبة من هنا سوف أطلب منهم المساعدة ، و ساجلب لك ما طلبت .

ودعته و هو ذاهب ، فرحت كثيراً لما قاله و بعدها جهزت عدداً كبيراً من من ذلك الخليط ، الكثير من البارود و الكثير من الوقود السائل و كل ما هو قابل للاحتراق ، سوف أشعل ذلك المنزل و أقيم حفلة الجحيم فيه ..
بقيت أعمل حتى السادسة صباحاً و بعدها رجعت إلى المقبرة و زرت كل طاقمي الأموات ..
– صدقوني حانت ساعة الانتقام و الأخذ بثأركم.
– هل فعلاً تستطيع ذلك ؟
التفت خلفي ناحية الصوت لأتفاجأ كثيراً بصاحبة هذا الصوت .

الاثنين ٨ من شهر مايو الساعه ٨:٥٤

– منار !
انصدمت كثيراً إنها شقيقة محبوبتي ، إنها تشبه مريم بعض الشيء فهي تملك ذات الشعر الطويل الأسود .
– سأساعدك .. شقيقتي محتجزة هناك و يجب أن أخرجها ، سأوفر لك ما تحتاجه و معاً سنتخلص من المنزل .
– لقد حصلت على معلومات من المنزل بالحقيقة من صاحبته حفصة و قالت أن زوجها سامر يوزجين قد فعل كل هذا .
– لا تلك العجوز هي من فعلت ذلك بِنَا .. قالت ذلك و قد صبت الدموع من عينيها ، عندها سمعت صوت خطوات خلفي التفت أمامي لأجد أن منار قد اختفت ، التفت للخلف مرة أخرى لأجد جنان !

– مرحباً .
لم أجبها بل نظرت لها بانزعاج ، لكن فوراً خطر ببالي ربما آخذ منها معلومات ، فما قالته منار مهم جداً .. يجب أن أعرف التفاصيل .
– مرحباً بك ، أعتذر فأنا فقط تضايقت كثيراً فكل أصدقائي أسماؤهم هنا .
-لا بأس لقد رأيتك بالصدفة و أحببت أن أمر عليك لأطمئن .
– أريد مقابلة والدتك ، نظرت لي هي بفرح و ابتسمت ثم أخفضت رأسها للأسفل لعدة دقائق و قالت :
– إنه أمر غريب أن أسمع منك ذلك حالياً ، فأنا فعليا لا أعرفك جيدا و انت لا تعرفني جيداً .
عن ماذا تتحدث هذه !! نظرت اليها استغراب و قلت :
– أنا أريد رؤية والدتك لأمر يخصني و ليس الذي ببالك ، هل فهمتِ الآن ؟

نظرت إلي و قد تفاجأت من كلامي ، ذهبت ابتسامتها و أكملت قائلة :
– هل هو أمر يخص ذلك المنزل ؟ لماذا أنت مهتم بأمره هكذا ؟
– هل ستساعدينني أم لا ؟
– أمي لا تعرف شيئاً عنه ، و أنا مللت من سيرة ذلك المنزل ، وداعاً .

يا الله هل هذه مجنونة ؟ فلتذهب للجحيم هي و كل عائلتها ، لو لم تظهر لي لكانت منار قد أخبرتني حقيقة ما حدث ، كنت متأكداً أن حفصة تلك العجوز الشمطاء كل كلامها كان عبارة عن أكاذيب ، لكن لماذا ؟ ما مصلحتها من كل ذلك .

عدت لمنزلي و أنا غاضب جداً ، كسرت كل ما وقعت عيناي عليه ، من هو الذي صور ذلك الفيديو و لماذا فعلوا ذلك بمريم لماذا ! لماذا قتلوها و اغتصبوها و هي ليس لها ذنب ! وقعت على الأرض و بكيت بكاءً مراً ، بقيت هكذا حتى طرق الباب فقمت لفتحه و انا بحالة مزرية ، لقد كان ياسين و معه مجموعة من الرجال و الشيوخ ، ذهبت للمساحة التي كانت خلف منزلي كان يوجد بذلك الفضاء الواسع اسطبل قديم و مهجور منذ مدة طويلة ، أخرجت البراميل المملوءة بخلطة المتفجرات التي أعددتها و طلبت من الرجال حملها ، و أخذنا أيضاً فؤوس في حال أغلقت الأبواب علينا ، تجهزنا للرحيل و وضعنا كل ما لدينا بالعربات التي تجرها الخيول ، فأكيد لن ندع السكان يروننا و نحن نحمل الفؤوس و هذه البراميل .

قال أحد الرجال أن هناك امرأتان ترغبان برؤيتي ، ذهبت لأجد جنان و والدتها ، استغربت و لكنني فرحت بالوقت ذاته آمل فقط أن لا تخبرانني أكاذيب ، ذهبت إليهما و طلبت من الرجال الذهاب قبلي إلى المنزل و ألا يفعلو أي شيء حتى قدومي ..
أدخلت جنان و أمها و استقبلتهما ..

– ابنتي ذكرت لي أنك تود معرفة ما يخص المنزل من معلومات بالرغم من أنك قابلت والدتي .
– اعذريني لكنني لم أصدق كلمة مما قالته والدتك .
– ما هو هدفك من معرفة كل ما يتعلق بذلك المنزل ؟
– لن أخبرك بخطتي أبداً و لن أخبرك بما أنوي فعله ، كل ما أحتاجه هو معلومات صحيحة و ليس تلفيق .

نظرت للأسفل ثم حدقت بابنتها التي أومات إليها بالموافقة . ابتلعت ريقها و نظرت إلي ..
– هل صحيح ما قالته والدتك أن أباك كان رجلاً خمسيني العمر و كان مشعوذاً !
– أمي كانت تؤذينا كثيراً ، كانت تقص شعورنا و حتى كانت تأخذ أجزاء من أجسادنا ، و هي من كانت ساحرة و ليس والدي ..
أخذت تبكي بينما استمريت أنا بطرح أسئلتي عليها فلابد أن أعرف حقيقة ما يجري .
– و ما شان حادثة الاغتصاب ؟ لماذا تلك الفتاة بالذات اغتصبها إخوتك و هتكوا عرضها و حرموها الحياة ؟ ها لماذا ؟
بكت بشدة و قالت : صدقني لا أعرف تفاصيل تلك الحادثة و لا أعرف بشأنها صدقني ، والدي رحمه الله ليس هو السبب بل قتلته والدتي ، فعلت ذلك و كنا نحن صغاراً وقتها ، كنّا فقط خمسه بنات و ولد واحد اعترف لي أن والدتي أجبرته على اغتصاب تلك الفتاة ، قال أنها طلبت منه أن يدعو أصدقاءه لمنزله و بعدها قال انها أعطتهم شيئاً أفقدهم صوابهم فأمسكوا بالفتاة و بعد اغتصابها قتلوها ، هذا ما قاله أخي قبل أن يموت .. لقد أصيب بمرض لا نعرف ما هو ، كانت أمي الوحيدة التي تراه و كان في غرفة معزول لوحده و لم تكن تسمح لنا برؤيته ، ظللت أنظر إليها بصمت لمدة طويلة حتى قالت جنان :
– رجاءً هذا يكفي .
– لماذا أمك فعلت ذلك ؟ لماذا مريم بالذات .
– صدقني لا أعلم شيئاً ، هذا ما أخبرني به أخي فقط .

هنا نهضت جنان و أخذت والدتها و رحلت بينما أنا عزمت على الانتقام بعد إحراق ذلك المنزل ، سأريح تلك العجوز و أرسلها إلى قبرها على الفور .

*****

يوم الاثنين ٨ مايو الساعة ١٢:٠٩ دقيقة

إنه وقت الظهر ركبت عربة يجرها حصان حتى وصلت للمنزل ، وجدت الرجال ينتظرون هناك مع المختار ياسين ، كان هذا الرجل أكثر شجاعة و جدية من جده المرحوم . وصلت إلى هناك و أنزلنا كل البراميل ، وقفت أمام بوابة هذا المنزل اللعين مرة أخرى حملت فأساً في يدي و كسرت القفل الذي كان حول بوابته السوداء دفعتها بيدي و وقفت ناظراً .. حانت ساعة انتقامي و لحظة التقائي بحبيبتي .

*****

– ماما .
– ما الأمر يا ابنتي ؟
– هل ما قلته عن جدتي صحيح ؟ هل هي فعلاً من قتلت جدي !
– لم أرد إخبارك يا عزيزتي عن ماضي جدتك فهي قد كبرت و وصلت لأرذل العمر ، و بالنهاية مهما فعلت ستبقى والدتنا .
– هل تعتقدين أن سايغن سيفعل شيئاً بعد أن عرف كل هذه المعلومات .
– الله أعلم يا ابنتي !
– هل تعتقدين أنه سيقوم بالتخلص من ذلك المنزل أو حتى فعل شيء لجدتي ؟ بدا أنه غاضب جداً بعدما عرف بالذي حدث مع تلك المدعوة مريم .. أتساءل ما الذي يربطه بفتاة ميته منذ زمن بعيد !
-لا دخل لنا يا ابنتي ، المهم هو أن لا تعرف جدتك بهذا الأمر .

*****

دخلنا و قد رششنا مادة المتفجرات حول المنزل و بقي بعض الرجال خارجاً لكي يحرقوا المنزل من الخارج و بقي خارج أسوار المنزل بعضاً من الشيوخ و رشوا الملح حول بوابته و فعلوا ما يتطلب فعله ، أما أنا دخلت مع بعض الرجال و النصف الاخر من الشيوخ فيكفي أن يرددوا بعض الآيات شفهيا بالنهاية كلنا سنحترق في حفله الجحيم هذه ..

دخلنا للمنزل و كلٌ منا معه فاس و مادة المتفجرات تلك ، بدأ الشيوخ يقرؤون و نحن افترقنا ، بدأت برش تلك المادة بجميع أنحاء البيت و أشعلت النيران فيه ، كنت أذهب من غرفة لأخرى و أقوم بإحراقها حتى نفدت المادة مني .. عندها صدح صوت صراخ شديد بالمنزل ، نظرت أمامي و وجدت منار !
– كل ما علينا فعله هو استغلال هذه الفرصة لإبطال السحر الأسود هنا ؟
– عن أي سحر تتحدثين !
– سحر كانت شقيقتي جزءاً منه ، لا وقت لدينا .. لنتخلص منه بسرعة .

ذهبت راكضة و أنا ذهبت خلفها ، اشتعلت ألسنة النيران بالمنزل حتى وصلت خلفها لغرفة ، أغلق علي الباب وقفت وطلبت مني أن أزيل السجاد عن الأرضية ، أزلته لأجد باباً يؤدي إلى مكان ما بالأسفل ! نزلت منه و أخذت معي مشعلاً لكي أنير طريقي ، نزلت و وجدت الغرفة تعج بأمور تثير الاشمئزاز ! كانت هناك جثث حيوانات مسلوخة و أيضاً كان هناك أوعيه زجاجية تحتوي على مادة غريبة و كان بجانبها علب تحتوي على أظافر و شعر لإنسان ! ما هذا بحق السماء أشعر أنني سأفقد وعيي من شدة القرف .

– هناك .

نظرت حيث أشارت منار ، دخلت باباً آخر لأجد غرفة صغيرة خالية ، كل ما بها حفنة كبيرة من الرمل ، و كان يوجد صندوق صغير ، فتحت الصندوق و أخرجت منه أشياء غريبة ، بدأت بفك العقد و أحرقت كل شيء و بدأت بالحفر حتى أخرجت أكوام شعر و رؤوس قطط ، إنه فعلاً لوضع صعب ، كل ما علي فعله هو حرق كل هذه الأمور ، ما إن نهضت حتى شعرت بضربة على رأسي ! لم أستطع معرفة شيء بل اسودت الدنيا بعيني ..

*****

– أمي … أمي تعالي بسرعة ألحقيني .!
– ماذا ماذا حدث ؟
– جدتي اختفت !
– ماذا ابتعدي لأرى ! آه أمي أين اختفيتِ !
– بسرعة البسي ملابسك لابد أن نجدها

*****

فتحت عيناي ببطء ، حركت يداي و لكنني لا أستطيع تحريكهما .. ماذا يحدث ؟ فتحت عيناي و وعيت على نفسي ، أنا عار بلا حتى قطعة قماش لتسترني ! و يداي مقيدتان بسلاسل غليظة ، تسارعت دقات قلبي كثيراً و خفت فحتى الغرفه التي أنا فيها خالية و مظلمة ! فتح الباب لأجد أمامي حفصة !! كانت تلك الشمطاء الحقيرة تمسك بيدها سكيناً كبيرة ؟ ما الذي تنوي هذه الحقيرة فعله ؟؟
– أتعرف شيئاً ؟ أحياناً التدخل فيما لا يعنيك يلقيك ما لا يرضيك .

اقتربت مني تلك الشمطاء و وقفت خلفي مباشرة رفعت رأسي و شقت فمي ليسيل الدم على شفتي و أعاني من ألم شديد .
– لماذا فعلت ذلك أيتها العاهرة ؟ لماذا قتلتها ؟ لماذا أمرتهم باغتصابها ؟ لماذا ؟

ظللت أصرخ بكل غضب و الدماء تتدفق من شفتي ، اكتفت بالضحك و تقدمت نحوي :
– إنها كانت قرباناً أُنسِب لسيدي ..

و أمسكت السكين و أخذت تجرح بجسدي ! ظلت تجرحني جراح عميقة و أنا أصرخ من الألم ، استمرت بذلك و هي تضحك بصوت عالٍ ، بعدها توقفت و أنا نظرت إليها و كنت غارقاً بدمي ، شعرت بالوهن كثيراً وقتها ، الألم اجتاح جسدي و سكنت تماماً عن الحركة ، كل ما فعلته هو البصق عليها و لو كنت أستطيع سوف احرقها و هي حية .

خرجت بعدها و قد جمعت بعضاً من دمي في وعاء و لعقت يديها الملطختين بدمي و رحلت ! يا لها من سادية .. يا ليتني قتلتها عندما كانت الفرصة سانحة لي .
فجأة شعرت بشخص يحتضنني !! كان يضمني بقوة إليه ، لكن هذه الرائحة الطيبة إنها تعود لها هي فقط .. ابتسمت في فرح و انسكبت دموعي التي اختلطت بدمي ، شعرت أن يداي تحررتا ، احتضنتها لأشعر بنفسي نائماً على فراش مريح جداً ..
استيقظت و وجدت نفسي نائماً على الأرض ، نهضت بصعوبه بالغة و جدت أن البيت قد احترق بالكامل ، أتت تلك العجوز ماسكة السكين الملطخة بالدماء بيديها و هي تتقدم نحوي و خلفها عدد كبير من الظلال الضخمة كانوا في كل مكان حولي !! في اللحظة ظهر صوت قوي وخشن صرخ بكامل قوته :

– يكفي ..

كانت كلمة واحدة و بنبرة هزت الأرجاء و تكسر كل شيء و تفطرت الحيطان ! هنا وجدت محبوبتي واقفة أمامي بنفس مظهرها .. أجل هذا شكلها المرعب الذي ظهرت به في ليلة السبت و لكنها أكيد ستبقيني إلى جانبها .
شعرت برياح قويه دفعتني فوقعت بين النيران ! أما مريم فلقد تغير شكلها و فجأة انطفأت كل النيران الموجودة بالبيت ، خمدت و لم يبقَ لها أثر .. التفت حولي لأجد دماء متناثرة حولي و هناك أجسام عبارة عن بخار كثيف للغاية ملقاة على الأرض و كانت الدماء تسيل منها كالنهر ، تقدمت بصعوبة بالغة و نظرت للأعلى لأجد تلك الشمطاء مقيدة ، اقتربت أكثر لكن كانت العتمة طاغية على المكان في لحظة أُنيرت الشموع نفسها لأراها بوضوح مقيدة بواسطة خصلات شعر أسود ، و آخر ما أتذكره منظرها و كانت جثتها تحترق بعدها ، فتحت عيناي لأجد نفسي في حضن حبيبتي ..

استيقظت و بقيت أنظر إليها ، احتضنتها بقوة و عدت للنظر إلى وجهها .. نظرت للمكان حولنا فرأيته جميل جداً ، الأرض الخضراء تمتد أمامنا على مساحات كبيرة ، و الورود و الأشجار منتشرة بكل مكان .. ركضت أمامي بفستانها الأبيض و شعرها الذي امتد خلفها كذيل الفرس بسواده الحالك و نعومته لتنزل في ذلك النهر الصافي الذي عكس أشعه الشمس بعذوبة .

بعد مضي ثلاث سنوات أخيراً اجتمعت بحبيبتي .. لطالما عرفت أن هذا البعد الشاسع سيتحول يوماً ما إلى قرب دافئ ..

*****

تقف جنان مع مجموعة من الرجال و يقف أمامهم مختارهم ليؤدوا صلاة الجماعة على الأموات :

نجاتي يارين ، أحمد عبد القادر ، منير جادين ، حمدان ناصيف ، سايغن سويسال ، عرفات بكر .

رحلوا جميعاً بعد الانتهاء لتبقى جنان و هي تجهش بالبكاء على قبر سايغن .

*****

أما ياسين فلقد أجرت الشرطة تحقيقاً معه و مع كل رجال القرية ليفتشوا في بقايا المنزل المحترق الذي لم يبقَ منه غير كومة رماد .
كل ما وجدوه هي المذكرات التي تكلمت عن التقائه بمريم أول مرة و الأحداث التي جرت بالمنزل و كامل الحقائق المتعلقة بجرائم القتل ليتوجهوا إلى التحقيق مع جنان و عائلتها .. أما دفتر الملاحظات فآخر ما كان مكتوب فيه هو :

” يوماً ما سيتحول هذا البعد الشاسع إلى قرب دافئ “

تم إغلاق ملف قضية المنزل و الجرائم التي حدثت فيه خاصةً بعدما وجدوا جثة حفصة يوزجين محترقة بالكامل و قد تم وجود نصفها فقط و تم التعرف عليها بصعوبة ، وبالنهاية كل ما حدث بذلك المنزل يبقى غامضاً فهو
يبقى لغزاً لن يحله إلا تلك الأرواح التي ماتت بداخله ..

تمــت

تاريخ النشر : 2017-02-25

مقالات ذات صلة

34 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى