منوعات

عظماء تحت الحجر الصحي

بقلم : حسين سالم عبشل – اليمن
للتواصل : [email protected]

من رحم المعاناة يولد الأبداع
من رحم المعاناة يولد الأبداع

في عصر العلم و التكنولوجيا تتعرض البشرية إلى خطر الإبادة بفيروس كورونا المستجد ، الغريب بالأمر أن هذا الفيروس أستغل كل هذا التطور و صار ينتقل من دولة إلى أخرى عبر وسائل المواصلات الحديثة ، و هذا يفسر تضرر الدول المتحضرة المنفتحة ذات الاقتصاد القوي بشكل كبيرة مقارنةً بالدول الفقيرة المنعزلة و بهذا تنطبق المقولة ” رب ضارة نافعة ” ، و بهذا يجبر الفايروس دول العالم أجمع على الانغلاق و العزلة.

هذا الوباء لم يكن الأول من نوعه فقد تعرضت البشرية للعديد من الأوبئة التي حصدت أرواح الملايين و من أشهر تلك الأوبئة وباء الطاعون أو كما يُعرف بالموت الأسود و وباء الكوليرا.

و كما يُقال ” من رحم المعاناة يولد الأبداع ” ، و مع أنطلاق حملة ” خليك في البيت ” لتجنب انتشار عدوى كورونا يتسأل الكثير من الناس حول سبل قضاء الوقت في المنزل ؟ و هنا أود أن أوضح أن كثير من العلماء و الفنانين و الأدباء أنتجوا أشهر أعمالهم الفنية و اكتشافاتهم العلمية أثناء فترة اعتكافهم في منازلهم خلال الحجر الصحي ، و هذه نبذة مختصرة عن بعض هؤلاء العظماء الذين أسهموا في تقدم البشرية في المجال العلمي و الأدبي .

إسحاق نيوتن

blank
نيوتن .. اشتهر بقصة التفاحة التي الهمته وضع قانون الجاذبية

جميعنا نعلم من هو إسحاق نيوتن مكتشف الجاذبية و قصته مع التفاحة ، و لكن ما الذي دفع بشخص في ريعان شبابه إلى الجلوس تحت شجرة التفاح في حديقة منزله دون عمل و قد أشتهر بنشاطه و بحثه الدؤوب بين الكتب في المكتبات و الجامعات ؟.

في عام 1665 م كان نيوتن لا زال طالباً في جامعة كامبريدج و لكن ما حل بلندن من وباء الطاعون العظيم أجبر الجامعة على أغلاق أبوابها مما أضطر نيوتن إلى الانعزال في منزل أمه الأرملة في لينكولنشاير حيث عكف على قراءة ما تمكن من جمعة من كتب و قضى وقته في الملاحظة و أجراء التجارب التي قادته إلى اكتشاف قوانين الجاذبية و الحركة و علم البصريات ، و في عام 1667 م عاد نيوتن إلى الجامعة و ترقى من الزمالة إلى مرتبة الأستاذ عام 1669 م .

وليام شكسبير

blank
مع انحسار وباء الطاعون خرج شكسبير بكم هائل من الإبداع

لعل أشهر عبارة يتم ترديدها على المسارح ” أكون أو لا أكون ” المقتبسة من مسرحية هاملت للشاعر و الكاتب المسرحي و الممثل الإنجليزي وليم شكسبير ، لقد خاض شكسبير معركة الحياة و الموت مع الطاعون منذ أن أبصر النور عام 1564 م في مدينة ستراتفورد ابون آفون جنوب مقاطعة وركشير بإنجلترا حيث أهلك ذلك الوباء ربع سكان المدينة.

و تمر السنين و يتزوج شكسبير بالسيدة آن هاثاواي التي تنجب له تؤام ولد و بنت و لكن ما يلبث شكسبير أن فقد أبنه هامنت ذا 11 عام متأثراً بمرض الطاعون عام 1596 م و الذي يُعتقد أن وفاة ولده كان له دور كبير في تأليفه مسرحية هاملت .

و كما حرمه الطاعون من أبنه الوحيد ها هو الطاعون يعود مجدداً عام 1605 م ليغلق باب رزقه الوحيد حيث أُغلقت المسارح لتجنب الوباء الذي صار يفتك بـ 30 شخص أسبوعياً ، مما أفقد شكسبير عمله و لكنه ظل يكتب المسرحيات من منزله، بل إنه فتح مجال أخر للإبداع بكتابته للشعر ، و من أروع القصائد التي قام بتأليفها أثناء عزلته في المنزل قصيدة فينوس وأدونيس و التي بلغ عدد أسطرها 1250 سطر و التي مثّلت ملحمة الحب و سمو الحب عن الغرائز الحيوانية ، هذا بالإضافة إلى كتابته للكثير من المسرحيات في فترة الحجر الصحي منها الملك لير ، ماكبث ، أنطوني و كليوباترا ، و مع انحسار وباء الطاعون خرج ويليم شكسبير بكم هائل من الإبداع المسرحي و الشعري و ساعدته الأحداث ليكون المتفرد على خشبة المسرحة بعد أن توفي الكثير من كُتّاب المسرح خلال الوباء .

أنطون تشيخوف

blank
الطب هو زوجتي و الأدب عشيقتي!

كانت حياة الأديب و كاتب القصص القصيرة الروسي أنطون تشيخوف مزيجاً بين عمله كطبيب ممارس يعالج المرضى الفقراء مجاناً و بين عشقه للأدب و كتابة القصص القصيرة و المسرحيات حتى صار من أشهر الأدباء الروس من خلال كتابته لمئات القصص القصيرة .. ولا تسأل عزيزي القارئ عن كيف استطاع شيخوف المزج بين هاتين المهنتين المتضادتين ؟ فقد وصف شيخوف نفسه قائلاً ” إن الطب هو زوجتي و الأدب عشيقتي “.

و في الفترة بين عامي 1892 – 1899 م تفشى وباء الكوليرا في روسيا مما أجبر أنطون تشيخوف على الانتقال إلى منزله في قرية ميليخوفو ، و خلال فترة الحجر الصحي كتب روايتي جناح رقم 6 (ward no 6) و رواية الراهب الأسود (the black monk)
 و كانت رواياته تحكي عن معاناة الفلاحين الفقراء أثناء الوباء ، و بالرغم من ذلك لم يترك واجبه كطبيب فقد حاول تنظيم توزيع الغذاء أثناء المجاعة التي صاحبت الوباء و معالجة المرضى الفقراء ، لقد نجى تشيخوف من وباء الكوليرا ليموت بسبب مرض السل في عام 1904 م و كان عمره آنذاك 44 عام .

صموئيل داشييل هاميت

blank
أثناء الحرب العالمية الأولى أُصيب بالأنفلونزا الإسبانية

هاميت ذلك الأديب الأمريكي و الناشط السياسي صاحب الروايات البوليسية و الجريمة ، أبصر النور عام 1894 في مزرعة في ولاية ميرلاند ، و ترك الدراسة بسن 13 عام ليتسكع مع لاعبي القمار و المومسات ، لم تكن بداية حياته توحي أنه سوف يصبح كاتباً مشهوراً ، و في عام 1915 م وقع عقد عمل مع وكالة المباحث الوطنية في بينكرتون ، و في عام 1918 م أنضم هاميت إلى الجيش الأمريكي و عمل في فيلق الإسعاف أثناء الحرب العالمية الأولى حيث أُصيب بالأنفلونزا الإسبانية ثم مرض السل مما جعله يقضي معظم خدمته العسكرية نزيلاً في أحد مستشفيات واشنطن حيث تعرف على الممرضة الشابة جوزفين دلان و تزوجا في عام 1921 م ، و لكن زواجهما لم يستمر طويلاً فبعد أن أنجبت له طفلتين نصحها الطبيب أن تبعد طفلتيها عن والدهما هاميت لكي لا تصابا بعدوى السل ، و هذا دفعها إلى تركه وحيداً في منزله في ولاية سان فرانسيسكو و الانتقال إلى مكان أخر مما تسبب في انهيار زواجهما.

مع هذا ظل هاميت يرسل إلى جوزيفين بعض الأموال التي يجنيها من كتابة رواياته البوليسية ، و خلال فترة انعزاله الصحية استفاد هاميت من عمله كمخبر سري في كتابة رواياته البوليسية و التي كان من أشهرها رواية (sam spade) و الصقر المالطي (the maltease falcon) ، و في 10 يناير عام 1961 م توفي هاميت متأثراً بمرض سرطان الرئة.

الوباء يبث الروح في الفن

blank
كان للوباء اثرا كبيرا على الفن والحياة في اوروبا

و خلال فترة تفشي وباء الطاعون في أوروبا أثناء القرون الوسطى ظهرت الكثير من اللوحات و الرسوم الفنية التي تصور الطاعون كملاك الموت يحصد أرواح الأبرياء ، و من المؤكد أن من قام برسم تلك اللوحات هم فنانين كانوا تحت الحجر الصحي ، و في عصرنا الحاضر يقوم الكثير من الفنانين و المبدعين بعمل الكثير من الأعمال الفنية من أغاني و أفلام لرفع الروح المعنوية بين الناس و التوعية بضرورة الالتزام بالعادات الصحية و تجنب الخروج من المنزل بدون سبب أثناء حظر التجول في حملة أُطلق عليها ” خليك بالبيت ” .

ملاحظات هامة :

مع تفشي وباء كورونا أجد أنه من واجبي توجيه بعض النصائح كوني أعمل بمجال الطب بمهنة فني مختبر طبي .

1- نصيحة للمواطنين :

عليكم الالتزام بالإرشادات الطبية و الحجر الصحي أو حظر التجول لتجنب تفشي المرض فمن يُصاب بالمرض يصبح خطر على الجميع و أولهم أسرته و من يحب ، و يصبح عبء ثقيل على الطاقم الطبي ، و عند الاشتباه بحالة مصابة عليها الخضوع للحجر الصحي حتى لا تصبح خطراً على غيرها ، لهذا كن عظيماً باتباعك للتعليمات .

2- نصيحة لرجال الدين :

فيروس كورونا أصاب الجميع و لم يفرق بين كافر و مؤمن و قد تسبب في إغلاق دور العبادة و المراقص و الحانات ، و لهذا لا داعي لبث روح الحقد و العداوة و لنتوحد جميعاً بالدعاء إلى سبحانه و تعالى لرفع هذا البلاء عن البشرية و علينا أن نتذكر أن هناك علماء عظماء يواصلون العمل ليل نهار من أجل اكتشاف عقار أو لقاح لكبح جماح هذا الفيروس المرعب ، هؤلاء العلماء من كل الطوائف و الديانات قد توحدوا لإنقاذ البشرية و من المشين أن نجد من يدعي عليهم بالويل و الثبور بدلاً من الدعاء لهم بالتوفيق في مهمتهم الخطيرة.

3- نصيحة لرجال السياسة :

يا رجال السياسة لقد أشعلتم أوطانكم بنيران الحروب الطائفية و المناطقية و سرقتم أموال الشعوب ، إن فيروس كورونا قد قرع أبواب القصور و الوزارات و قد أُصيب به الملوك و الوزراء ، و تساوى حال الغني و الفقير ، و بعد أنتشار الوباء على طول الكرة الأرضية و عرضها و إغلاق المطارات و الموانئ فإنه لا منجى لكم من الموت إلا في تعاونكم من أجل إنقاذ شعوبكم و نبذ النعرات المناطقية و الطائفية و إيقاف الحروب فوراً .

المصادر :

Top 10 Great Accomplishments Made During Quarantine
Isaac Newton – Wikipedia
William Shakespeare – Wikipedia
Anton Chekhov – Wikipedia
Dashiell Hammett – Wikipedia

تاريخ النشر : 2020-03-29

مقالات ذات صلة

اشتراك
اشعار
guest
ضع بريدك اذا اردت استلام اشعار بالنشر

44 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
44
0
التعليق مفتوح للجميع .. رجاءا اسمعنا رأيكx
()
x

أنت تستخدم إضافة Adblock

مرحباً .. يبدوا أنّك تستخدم مانع إعلانات ، نرجوا من حضرتك إيقاف تفعيله و إعادة تحديث الصفحة لمتابعة تصفّح الموقع ، لأن الإعلانات هي المدخل المادي الوحيد الضئيل لنا ، وهو ما يساعد على استمرارنا . شكراً لتفهمك