أدب الرعب والعام

على حافّة الإختناق

بقلم : منى شكري العبود – سوريا

أتذكرين عندما كنت أهرب من قبح العالم إلى أحضانكِ، أهرع إلى وجدكِ باكية..
أتذكرين عندما كنت أهرب من قبح العالم إلى أحضانكِ، أهرع إلى وجدكِ باكية..

أتريدون أن أتحدث عن أمي؟؟
كيف لا تعلمون أنكم تطلبون المستحيل؟!
أتريدون أن أصفها لكم في ألف كلمة؟!
ألا تعلمون أن الأبجدية قد عجزت عن تكوين أحرف تصف عطائها.

أتسألونني عن أمي…؟
أمي شمس لا تغيب، أمي قمر منيب، أمي جنة في العلياء لكن الغربة لم تدع لي منها نصيب، لذا دعوني أبدأ حديثي عن صبر أمي.

كم كنت أتأمل عينيها حين تمطر بملء انهماري، نحيبٌ شقَّ حنجرة صمتها فصرخت شوقاً لأخي محمد، لينتفض الكون حولي عاصفاً فيغدو أسوداً لا ألوان فيه، في قلبها غدت الفصول عشوائية، تزهر تارة وتُقفر تِئار!، يأتي الخريف ُملتفِعاً بزهور الياسمين ، ثم يتلوه ربيعُ يلتحف بهوائه أوراق الانتظار المتهاوية، ويطرحها صفير اليأس أرضاً، لتغدو روحها في غياب محمد أرضاً بور، عفراء، صلبة، تنبجس منها ثعابين الوقت المتكفن بدقائق انتظار هرمت وتعكزت على ثوانٍ قد أبرحها الغياب أرضاً، هكذا غدت فصول أمي!، الشوق والانتظار والألم خلقوا لها قواعد منافية للطبيعة، فلتعذريني يا أمي على غياب أهديتك إياه رغماً عني!، دعوني أحدثكم عن شوقي إليها…
قد وضعتموني وسط تحدٍ أحدثكم به عن عطاء أمي، ألا أن الحروف تأبى إلا الحديث عن حنيني لأمي، قد قلبتم جمر الشوق في قلبي لأحترق على مهل، لو يعلمون يا أمي ماذا فعلوا بي؟

أنه اليوم الألف والستمائة والخمسة وأربعون من الاحتراق البطيء بنيران الشوق، شمس هذه البلاد رمادية، لا تعرف النور، لا تعلم كيف تنشر خيوط الوهج والسرور، غياب أمي قد جعلها غارقة في الحزن لا تعلم درب الحبور.

سماء كبيرة وليل مخيف، جسدي المتصلب بات خنجراً ينغرس في جوف الغربة، مرت الأيام صلبة للغاية، اتحدت أكثر لياليها مع الموت، تقيأت الصبر، غدوت ألتحف الكآبة واليأس، عانقني الموت، لكن دعاء أمي قد ألصق روحي بجسدي بعد أن أطرقته الذاكرة لوعود اللقاء.

سخرت مني سطوة الخيال حينما جعلتني أقبل يد أمي وأعانقها بقوة آلاف المرات، حينما جعلتني أشعر بدفء كفيها، حينما جعلتني أغدو رماداً في مدافئ الشوق، لذا دعوني أحدث أمي عن بقاياي التي لفظها الغياب…

لم يتبقى مني سوى القليل، بهتت روحي وغدت تهرول نحو تخوم الموت حينما سمعت صوتكِ المتعب، رغم إنكاركِ إلا أن ضحكتكِ قد وشت لي كم أنكِ متعبة، غدوت في ذاك المساء كطفل بكى بحاجة لأن تغني له أمه تهويدة النوم، كم كنت بحاجة لسماع صوتك تغنين لي وملئ شفتيكِ تلك الابتسامة الغّناء.

اجتاحتني عطاياكِ، غدوت أقبلها تارة وابتسم لها تارة أخرى، مذ كنت طفلة حتى الآن لم يكل قلبك عن تقديم المزيد، تلحفني ضجيج الشوق، وصخب الانتظار، غنى لي الأرق وعانقتني صحوة الخيال، غدوت أجوب ذاكرتي بحثاً عنكِ في واقع أدركته خيبة جعلتني غير مألوفاً لنفسي.

“العالم سيئ بما يكفي، كوني يا ابنتي الخير فيه” لازلت أرددها كل يوم، ولا زالت وصيتكِ عنواني الرئيسي الذي أتبجح به في امبراطوريات الفخر، ولازلت أعمل بها يا أمي فلتطمئني.
أتذكرين عندما كنت أروي لكِ عن خوفي من فراق يجتاحنا؟، كنتِ تسألينني ما الذي سيفرقنا!، والآن أسألكِ ما الذي سيجمعنا؟؟.

أتذكرين عندما كنت أهرب من قبح العالم إلى أحضانكِ، أهرع إلى وجدكِ باكية، أسألكِ:
– كيف يستطيع المرء الهرب من هموم قابعة في جوف رأسه؟
كنتِ تضحكين بشدة، ثم تجعلين رأسي بين كفيكِ، ثم تهزينه يميناً ويساراً قائلة بابتسامة تدب الطمأنينة في قلبي:
– ننفضه هكذا، ثم نرفع كفينا ونطرق أبواباً لا تقفل في وجوهنا
وها أنا لا زلت أنفض رأسي، وأقرع باب الرب سائلة إياه نهاية الفراق.

قد قالوا أن الانتظار يقتل اللهفة، لماذا تراني بعد كل جرعة صبر محملة بقنطار من الانتظار تزداد اللهفة؟!.
بغيابكِ ينتابني الضياع، يخيم الحزن على روحي، يجلدني الانتظار بسياط الشوق، الأرق يقض مضجعي، خيال وجهكِ يعانقني، يربت صوت دعائكِ على قلبي، أهرول نحوكِ، تغزوني دموع الحنين، لتهزمني غربة رعناء وتطرحني خلف قضبان الانتظار من جديد.

تُرى هل هناك في الغيب لقاء؟!….

تاريخ النشر : 2021-04-22

مقالات ذات صلة

6 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى