أدب الرعب والعام

علّهم يسمعون حسيسها

الحمد لله الواحد الأحد بوحدانية ذاته، وجلال قدره، وعظيم قدرته، الذي سخر لنا الأرض، ورفع فوقها السماوات بغير عماد، وأنزل الماء فأحيا به الأرض بعد الممات، وبث فيها من النعم والثمرات مسخرة للعباد. سلام تام بوجود مولانا الإمام الحاكم بأمر الله… أما بعد.

لقد ارتأيت أن أرسل إليكم، بعد أن أفرطت في الزهد، وتقدمت أعلى مراتب المجاهدة والمشاهدة، إلا أن عقلي استعصى عليه تدبير هذا الأمر، حتى نضب جسدي، ونغز الجزع كياني وجوارحي من هول ما أبصرت. فصرت أترنح ذات اليمين وذات الشمال كالشارب للعلقم، لست أدري أأنا من العاقلين أم النُّوَم؟! وإنني أعلم أنى على قدر جزيل من التقصير والهفوات، فأدعو من الله أن يصفح عنى، ويسدد خطاي، إنه مجيب الدعوات.

واعلموا يا صاحب المقام أني لما جاءني رسولكم، وأمرني أن أشد رحالي إلى المدينة المعلومة، فأتقصى ما حل بها، تملكتني الحيرة والدهشة مما تسلل إلى مسامعي، إلا أنني عزمت قضاء هذه الحاجة بإذن الله. ثم أنني باشرت الطريق صبيحة اليوم الموالي مع طلوع الفجر، وقد رافقني “الزطاط” في سفري هذا، لما له من علم غزير بالمسالك، والممالك، وقواعد أمورها. ثم أننا تجهزنا، وأخرجنا الخيام والدواب المحملة بالمؤن، وانطلقنا هائمين في الفيافي والقفار. وقد حللنا على أقوام شتى منهم الصالحون، ومنهم الطالحون، تعددت ألوانهم، وعقائدهم، وألسنتهم. وكنا لو أقمنا بمدينة، لا يطلع علينا النهار إلا ونحن في المدينة المجاورة لها، حتى نسرع إتمام المهمة. ومع طول المسير خف زادنا، ثم انقضى. فضاق بنا الحال، وتسلط علينا الضنك، حتى اندست إلينا وساوس الخناس، فأبى كل منا إكمال الترحال خشية الهلاك، والله يعلم أنه ما عزت علينا نفوسنا، بقدر ما توجسنا على أهلنا أن يغدوا بلا والي ولا تالي. لكننا استعذنا بالله من الشيطان الرجيم، ونفضنا الخاطر الملعون، ثم أكملنا المسير. وجاء يوم أن حل بالزطاط سقم شديد، فعاد مصفر الوجه، خائر الجسد، حار فيه الأطباء والحكماء، فلم تنفع معه سقاية أدوية، ولا مسح دهان، وبعد أن فكرت وغرقت بالتفكير، آثرت أن أترك الغلام يمضي في علاجه بإحدى البلدان، ثم أنني أكملت السفر وحيدا، تاركا الخل الوفي، أناجي الواحد القهار، أخوض الطريق بلا صحبة ولا جار.

وما هون على الأمر، وما هو بالهين، أن “الزطاط” فطن أنني قليل العلم، عقيم الخبرة، ليست عندي دراية لا بالطرق ولا بالمعابر، فخاف على أن أخلط الحابل بالنابل، ثم إن الغلام الصالح، شافاه الله وكساه ثوب الصحة والعافية، زودني بما أحتاجه من المعرفة، وجاء بوصف المكان المعلوم فقال: “به قبة صخرية ذهبية تسر لرؤيتها العيون”.

وتوالت بي الأيام حتى اعتدت العزلة، فأصبحت ملاذي الآمن، ومرتعي الخصب، حتى بت أظن أني ما لقيت هذا الأنس والألفة مع بني آدم قط. وأتى يوم صادفت فيه مجموعة من الغلمان يفترشون الأرض، منهمكين في الكلام، ثم أنني ألقيت السلام، وتوسدت معهم حتى استقر بي الجلوس، ولما سألتهم عن حال تلك المدينة وصحيح ما يروج، نظر إلى أحدهم في حسرة، ثم استرسل:

_ حل على المدينة ضيف سمج، قوم شرانيون منغمسون في الكفر، أحسن أصحاب الدار مثواهم، حتى عصوا وتجبروا، فعادوا كالمسخ الفاجر، يفسدون في الأرض، ويهلكون الحرث والنسل. فأما أصحاب الدار فقوم مكرمون، ما هم بتاركين لأرضهم، وإن أتى الموت رحبوا به وهم مطمئنون.

وأما آخرون فقالوا متمسخرين: “افترست الذئاب الماعز”. وإني أعلم أن الذئب لبريء من دم يوسف، وما للذئاب ذنب أن تتقلد وزر بني آدم.

واعلموا يا مولاي أني وصلت المقام بعد بضعة شهور لم أستطع عدها، وما علمت أني أدركت المبتغى، حتى أدمت النظر، فتوسمت قبة ذهبية فائقة الحسن على مرمى بصري، كما نبهني “الزطاط”. وقد فرحت بذلك فرحا شديدا، حتى اتسع صدري وانشرح. وحين صرت أمام باب المدينة سميت الله ونويت الدخول، إلا أن جنود الغزاة استوقفوني عند المدخل، ولما أخبرتهم أني رسولكم، آذنوا لي العبور لسبب مبهم. فلما دلفت المدينة، وجدتها مردومة على أعقابها، خاوية على عروشها، في حال يرثى لها، ولا أخفيكم علما أني لعنت نفسي، وشعرت بالخزي والعار، بعدما ظننت أن الغزاة أطعمهم الله من شجرة الزقوم، قد أبادوا المدينة بما حملت.

وبعدما تملكتني الغصة مما شهدت، اعتزمت الذهاب إلى القبة على أجد خيرا. فلما أقبلت عليها وولجت من بابها المهيب، وجدتها عامرة بنفر من الناس. شيوخ، وولدان، يجلسون القرفصاء، يستمعون إلى كهل فضيل يتوسط المحراب، يقعد على جانبيه فيما عرفت أنهم الكبراء، والوجهاء، وسادة البلدان المجاورة. فلما ألقيت عليهم السلام، وحكيت لهم ما كان من أمري، رحبوا بي، ثم اتخذوا لي مكانا في مجلسهم. وبعد برهة كثر فيها الكلام، عدل الشيخ من مقعده وتنحنح، وجال بعينه في محاولة صارمة لإمساك الزمام، فعاد السكون يتربع عرش المكان، ثم أن الشيخ بسمل، وحمد، ووحد، ثم خطب خطبة قصيرة، فأردف قائلا:

_ لقد خلقنا الله في أرض مباركة مكرمة، وأذاع فيها من الأنعام بأشكالها وألوانها. ثم جاء الغزاة فجعلوا عاليها سافلها، فأهلكوا العباد، وسفكوا الدماء، وأشاعوا الفساد، وإني لا ألتمس من ذوي البطش التوبة قط، فالتوبة رجوع للحق، وإني على أتم اليقين أنهم ليسوا أصحاب حق، فبقائهم واستمرارهم مرهون بتفشي الباطل والفوضى، وإني أعلم أن مجابهة البهتان لأمر ليس باليسير، ولأكثر ما يؤرق القلب والنفس، المقاومة وحيدا بلا مساندة رفيق، ولا نصرة صديق. فاللهم أنت الملجأ الوحيد، أرنا عجائب قدرتك، وارزقنا فتحا مبينا، ونصرا على القوم المتجبرين.. واعلموا أن الشجاعة غلبت الكثرة، والخوف طفلي ذميم، ما يفتئ يدخل الجسد حتى يتداعى سائر الأعضاء. فاجمعوا من العزم ما يكفي، إن سبيلنا عسير ملغم بالأهوال، لكن المبتغى صادق شريف، وصوله ليس بالمحال. يا جماعة الخير، لا مفر اليوم، عليكم أنفسكم. فاللهم غوثك.. اللهم غوثك.

ولما انتهى الشيخ، علت كفوف الحاضرين إلى السماء تطلب الغوث، وبينما هم على حالهم، اخترق الباب سهما مارقا انسل من بين الصفوف، حتى استقر في صدر الخطيب، فأرداه طريح الأرض، غارقا في دمائه، ولما احتشدنا حوله، وجدناه قد رحل لدار البقاء، فاختلطت أصوات البكاء والأنين مع صوت التكبير، ثم انطلقت هتافات خاشعة من كل صوب مرددة “الشهيد حبيب الله… الشهيد حبيب الله”. وإني لم أستطع إمساك نفسي عن الهتاف، وقد اتقدت في تلك الحمية، بعدما أبصرت من كيد العدو وعتوه.

و اعلموا يا صاحب المقام أننا أقمنا صلاة الجنازة داخل القبة، وقد علمت أن الشهيد لا يغسل و لا يكفن، ثم أننا حملنا الجثمان، وهممنا به نحو البقيع، و ما إن خفقت نعالنا بوابة القبة، حتى لمحنا جيش الغزاة يهب صوبنا، منهم المشاة، والرماة، وآخرون يحملون أسلحة لم أعرف كنهها، فأدركنا أن الوقت قد حان، ثم أننا انقسمنا إلى ثلاث فرق، فأما الأولى فأغلبها من الشيوخ والصبية، و قد آتوا الشهيد حقه بالدفن، وأما الثانية فكانت تضم الوجهاء والسادة، الذين تخيروا الفرار، فشمتوا بنا الأعداء، و قد انضممت إلى الفرقة الثالثة و كنت بقراري هذا لقوي أمين. ثم أننا انطلقنا بخطى ثابتة نحو الجنود، الذين ما لبثوا أن أشهروا رماحهم وسيوفهم، أما نحن فكنا نتأبط من الحجارة ما استطعنا، وقد كانت نعم المؤازر والعشير. واستمر بنا الحال لوقت غير معلوم، ولما شارفت حجارتي على النفاذ، استجمعت ما بقي لدي من جهد، ثم أنني أمسكت بواحدة ورشقتها بقوة، فتوسطت جبين كبيرهم، حتى خارت الدماء من رأسه، ثم أنه سقط من فرسه مغشيا عليه. ولم أدرك نفسي حتى تجمع الجنود حولي، وأمسكوا بي، واقتادوني مكبل اليدين في مقاومة من الجميع، وزجوا بي في أحد السجون، ولا أعلم ما تلا ذلك.

واعلموا أني ما أشفق على حالي البتة، وما ندمت على ما اقترفت يداي، وإني لو أمكنني، للففت الحجارة بمارج من نار، فتكون كالطير الأبابيل، علها تلذع أجسادهم الخربة، وعقولهم النخرة، فتكون خير عقاب لكل معتد أثيم.

وهذا ما كان من أمر المدينة وأمري، وهذا أقصى ما استطعت الوصول إليه قبل أسري، وبهذا أكون قد أتممت مهمتي. وإن كنت أشك أن مرسولي هذا سيتخطى غياهب السجن، فإني يا مولاي أرجوكم مليحا وخيرا، فبلغوا عني خبر المدينة لجميع الأقطار، علهم يسمعون حسيسها، فينصرون. والله إن الأمر لا يحتاج المزيد من التردد والتغافل. والله على ما أقول شهيد، والسلام.

كوثر الحماني

ـــ المغرب ـــ للتواصل مع الكاتب : [email protected]
guest
9 Comments
الاحدث
الاقدم الاكثر تصويتا
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى