قتلة و مجرمون

عندما تنزف الطفولة – 3 – : كلايتون موس (سجين الخزانة)

رغم رحابة واتساع منازلنا وغرفنا دائما ما يضيق بنا الحال بها فنمقتها . فالإنسان مزاجي وقلوق بطبعه . لذا فإننا نهوى الخروج والابتعاد عنها والتنزه والترويح عن أنفسنا . لكن ماذا لو بقيت يا عزيزي القارئ حبيس غرفتك ، أو لأقل حبيس خزانة الحمام فيها؟، ولعدة أشهر تحرم فيها الطعام النظيف والهواء النقي وضوء الشمس؟ . تخيل فقط كيف سيكون شعورك؟ ، مرعب أليس كذلك؟ . في هذه المرة من سلسلة – عندما تنزف الطفولة – سنتكلم عن إحدى القصص التي هزت المجتمع الأمريكي . بطلها طفل لم يتجاوز السادسة من عمره . كلايتون موس .. من ولاية إنديانا الأمريكية .

مأساة كلايتون موس

في خزانة حمام بعرض 2×2 متر سجن الطفل كلايتون موس لمدة تتراوح بين الثلاثة والستة أشهر . مدة نال فيها أقسى أنواع العذاب . فظاعة لا يستطيع إنسان بالغ قوي تحملها فما بالكم بطفل صغير ! .

blank
الطفل كلايتون موس

البداية كانت عندما تركته أمه صغيرا بعهدة والده وفرت إلى غير رجعة ، فقضى سنين حياته الأولى مع والده جوزيف وعاش حياة أقرب للطبيعية كأب وابن عاديين . ولأن دوام الحال من المحال، وتواجد أشباه آدميين يعيشون بيننا قدر لا مفر منه . فقد تعرف والده على امرأة تدعى كارمن لديها طفلة مراهقة من زواجها الأول . تزوج بها وعاشوا معا جميعا في مقطورة بضواحي إنديانا .

شيئا فشيئا بدأت معاملة والده تتغير معه بتحريض من زوجته كارمن . وكلايتون الصغير لم يفهم سبب القسوة والعنف التي تطاله منهما ، لدرجة ظن فيها أنه مخطئ في شيء ما . حتى جاء اليوم الذي تجرد فيه أبوه وزوجته من الإنسانية . وقررا أنه من الأنسب له أن يحبس داخل خزانة مظلمة في الحمام ! .

إقرأ أيضا : لغز ماري جين : فتاة الخزانة

وياليت الأمر توقف عند ذلك! ، فتخيل أيها القارئ الظروف التي حبس بها داخل الخزانة . لقد لف جسم كلايتون واقفا في سلك من السياج وقيد بالسلاسل والأغلال ثم أُغلقت عليه ليتركه الإثنان في العتمة والرطوبة والعفن ونقص الأكسجين !.

ظروف قاسية ومزرية يحكي عنها الطفل لاحقا :

لا يزال بإمكاني اليوم أن أشم رائحة الخزانة ، كيف كانت رائحتها . في كل مرة أجد فيها نفس الرائحة تكون قاسية علي . تخيل كيف سيكون الأمر لو كنت مقفلًا في خزانة بعرض 2 × 2 قدم ، وجسمك ملفوفًا في سلك سياج ومقيد بالسلاسل مثل حيوان لساعات وحتى أيام في كل مرة . و نادرًا ما يقدم لك طعام وعمرك 6 سنوات فقط ، وقد فعل والداك هذا لك ! “

blank
الخزانة التي حبس فيها الطفل

كانت رقبة وجلد المسكين كلايتون موس قد تمزقا بفعل الجروح التي ولدتها الأسلاك . كان يتمنى أن يذهب للحمام كبقية البشر لكنه منع من ذلك . ليجد نفسه مضطرا أن يفعلها في ملابسه . وفي قذارته بقي لفترات طويلة . أما بالنسبة للأكل فتلك قصة أخرى ، كانت كارمن ووالده جوزيف يطعمانه فضلات الطعام من حين لآخر ، وحين يطلب المزيد كانا يضحكان ويسخران منه . وبكل الغل والقسوة الموجودة في البشر يطعمانه الصلصة الحارة إكراها وسط بكاء الصبي ومقاومته . وحين يبلغ اليأس مبلغه منه ويشتد به الجوع كان يلتقط الأكياس الورقية عن أرضية الخزانة ويأكلها .

blank
السياج الذي لف فيه جسد كلايتون موس

وياليتهم اكتفوا بهذا .. كان والده يتبول – أكرمكم الله – على وجه ابنه ، وكانت زوجته تفرك براز الصغير على وجهه . وحين يحاول الصراخ وطلب النجدة يأتيان بسائل تنظيف الأواني ويسكبانه في فمه لمنعه من الحديث . يروي الفتى ما حدث تماما فيقول :

” لقد وضعوا سائل تنظيف الصحون في فمي وتركوه من غير أن يشطفوه ، كان علي فقط أن أتحمل الطعم “ .

ونتيجة لذلك أصيب كلايتون موس بطفح جلدي على مستوى رقبته ووجهه .

إقرأ أيضا : امينة وسارة : حكاية مأساة عربية في امريكا

وبما أنه طُبع على قلوب الإثنين . وبكل البشاعة والسادية التي يمكن أن تلوث أرواح البشر . مارسا على الصبي إرهابا نفسيا مقيتا . فكان كلايتون المسكين مصدر تسلية وتنمر لأبيه وزوجته ، فقد تفننا بتعذيبه بلا هوادة إذ كانا يلتقطان الصور له في أردأ حالاته ثم يتهكمان عليه .

blank
جوزيف والد كلايتون موس

ولكن .. وكما يقول المثل ( إن خِليت خِربت) فإن كلايتون وجد في ماريا ابنة زوجة والده بعض الرحمة والعطف، كانت الفتاة ذات الأربعة عشرة عاما لا تحتمل الطريقة البشعة التي يعامل بها الفتى ، فتستغل غياب والدتها وزوجها في بعض الأحيان وتخرج كلايتون من الخزانة . تحاول تنظيفه وتعقيم جراحه . ثم إطعامه ودعوته لمشاهدة التلفاز معها .

بداية النهاية

ضاقت الفتاة بالجو غير الصحي الذي تعيش فيه . فصحيح أن والدتها وزوجها لا يعنفانها ، لكنها لم تحتمل المكان التعيس والجو الكئيب وحزن وعذاب كلايتون . فقررت الفرار رغم أنها قاصر . ونفذت فعلتها بالفعل ، ووصلت إلى ولاية كنتاكي الأمريكية ، لكن تم القبض عليها بعد الارتياب فيها . وقابلت هناك الشريف تود بات .

حاول إعادتها إلى أهلها لكنها رفضت رفضا قاطعا ، أكد عليها الشريف أنها تحت السن القانوني ويجب أن تعود إليهم بما أنهم لا يسيئون إليها . وهنا لم تعد الصبية تحتمل ونطقت بالسر المروع للعائلة .

في البداية لم يصدقها أحد . خاصة عندما تم إرسال عامل إجتماعي إلى المقطورة بعد اتصال الشريف تود بقسم الخدمات الإجتماعية بولاية إنديانا من أجل التحقق . وقال العامل أنه لا شيء مريب بالعائلة وأن كلايتون على ما يرام .

إقرأ أيضا : أطفال تلاشوا في العدم -3-

ولكن انتاب الشريف تود إحساس بأنها لا تكذب . فتلك التفاصيل التي ذكرتها لا يمكن أن تكون مجرد خيالات مراهقة . ولذلك ولأنه لا سلطة على العائلة في ولاية إنديانا قرر المجيء بهم لولاية كنتاكي . فاتصل بوالدها قائلا أنه يجب عليه وزوجته الحضور لاستلام الطفلة . وبما أنه لا سبيل لترك كلايتون وحده خاصة بعد تلك الزيارة أخذوه معهم .

نسمات الحرية تهب على كلايتون موس

قرر الشريف تود أن يستفرد بكلايتون رغم اعتراضات أبيه المتكررة . ولكنه لم يأبه له وأدخل الطفل إلى مكتبه . لاحظ علامات الهزال والشحوب عليه ، أمارات سوء المعاملة كانت واضحة كذلك . أين كان عقل العامل الاجتماعي وقت رآه؟ ، كذلك فكر وهو يعطي الطفل بسكويتا وعلبة زبدة الفول السوداني .

blank
علامات الشحوب وسوء المعاملة

كان كلايتون موس يأكل ما قدمه له الرجل بشراهة كبيرة وكأنه لم يعرف طعاما قط . منظر لو كان قدر لأحدنا أن يراه لسرت قشعريرة في جسده أو لسال دمعه حزنا عليه . ففي الوقت الذي كان يجب أن يكون الوالد على الأقل حضنا دافئا وآمنا . كان الشيطان الذي وأد طفولة ابنه وأذاقه من المرّ علقما .

شيئا فشيئا بدأ الشريف تود يستدرج الفتى ليتكلم ، أخبره أن والده طلب منه أن يحدثه عن الخزانة فأجاب كلايتون بكل عفوية : هل فعل؟ . كان تود يدرك أنه ليس كذلك ولكن الضرورات تبيح المحظورات فأجاب : أجل .. وهنا بدأ الصغير يتكلم .

إقرأ أيضا : كيف إختفت هذه الطفلة 31 يوماً بدون علم أمها؟

أجاب عن كل أسئلة الشريف تود ، وشرح له كيف أنه كان يتبول على قدميه واقفا أو في كوب ما ، وكيف كان يقضي وقته في العتمة، وسط الجوع والعطش والحر والرطوبة . وكيف كان يتمنى أن يكون فقط طفلا طبيعيا كالآخرين .

blank
الشريف تود بات

بعد سماع كل تلك الفظاعات التي تحطم القلب ألقي القبض على جوزيف وزوجته كارمن . وحكم عليهما لاحقا بأربع سنوات ونصف !!، قضت منها كارمن عامين وثلاثة أشهر وأما جوزيف فواحد وعشرون شهرا قبل أن يخرجا ويختفيا عن الأنظار . لم يرهما كلايتون موس بعد ذلك الوقت أبدا . ولم يحاولا هما العودة أو الاعتذار حتى . وكان آخر كلمات سمعها من أبيه وهو يلومه رغم صغر سنه وكل ما فعله به قائلا : ” انظروا إلى ما فعلتم بي، هل أنتم سعداء الآن؟ ” .

من كلايتون موس إلى تود : شكرا لأنك كنت لطيفا” .

رسالة من كلايتون موس الطفل إلى الشريف تود بات

انتشرت قصة كلايتون موس في وسائل الإعلام الأمريكية بسرعة، فطرقت أسماع عمة والدته البيولوجية باتي . كانت تعرف كلايتون مذ كان صغيرا وعندما تزوجت وابتعدت إلى ولاية أخرى انقطعت عنها أخباره . وبعيون دامعة وقلب يحترق على مصابه قررت أن تتبناه وتتخذه لها ولدا .

blank
كافح ليعيش حياة طبيعية

كلايتون موس – قصة بقاء –

كان كلايتون يرى أن تلك السنوات الست التي عاشها مع والده فقد فيها براءته، وخسر فيها شطرا من طفولته . ولدى تبنيه من العمة باتي حاول التأقلم شيئا فشيئا وساعدته هي بإغداقه بالحب والاهتمام والحماية مع زوجها . فعادت إليه روح الطفولة وأصبح يلعب ويمرح خارجا مع الأطفال . ورغم ليالي الأرق والكوابيس التي كانت بطلتها الخزانة المغلقة لكنه قاوم ليعيش بطبيعية ويكتسب القوة مما مر به، ويحاول أن يمضي قدما .

كان كلايتون موس فتى ذكيا للغاية كما وصفته باتي، دحض خوفها وقلقها عليه من تبعات ماضيه . فقد كان ممكنا أن يكون مدمنا ، مجرما أو قاتلا كحال القتلة الذين انعكست عليهم مآسي طفولتهم وحولتهم وحوشا . لكنه قرر أن يكون ناجحا، ذو تأثير إيجابي في المجتمع، وألا يستخدم ماضيه المؤلم كذريعة لإيذاء الآخرين .

blank
كلايتون موس شابا : من رحم الألم تولد النجاحات

في عام 2011 استضافت أيقونة التلفزيون الأمريكي أوبرا وينفري كلايتون موس وعمره آنذاك 19 عاما . تحدث في اللقاء عما حدث له في صغره بعينين دامعتين ، قال أنه يحاول دفن ماضيه والإحتفاظ به داخل صندوق . نسب أيضا الفضل لنجاحه في الحياة لإرادته و لأمه باتي ، وأقر أن الشريف تود – الذي تم لم شمله معه في البرنامج – كان هو بطله وبطل كل الأمريكيين لدى سماعهم بقصته . كما علق أنه لم ير والديه منذ ذلك الوقت ولا يريد أن يفعل لأنه يملك أبوين رائعين .

أصبح كلايتون أيضا يظهر على أغلفة المجلات ، ويشارك كمحاضر في اللقاءات والندوات . فقصته من العذاب للانتصار كانت مصدر إلهام ووحي للكثير من الأمريكيين .

” إني أعامل الجميع باحترام كبير ، حتى لو لم يعطوه لي . وإذا كان بإمكاني أن أجعل شخصًا ما يبتسم يوميًا ، فقد تم تحقيق هدفي . أريد فقط أن أكون أفضل مما لا يمكن أن يكون . أريد فقط أن أكون الأفضل ، الأفضل في أن أكون شخصا عظيما .”

كلايتون موس

ملاحظة : جميع حقوق المقال محفوظة لموقع كابوس . لا يحق لأي شخص كان النقل الحرفي أو المرئي للمقال المنشور دون إذن مكتوب من إدارة الموقع . وتترتب المسائلة القانونية المنصوص عليها على كل مخالف للتنبيه المذكور .

المصدر
Clayton's Survival Story مصادر أخرى

وفاء

الجزائر - للتواصل : [email protected]

مقالات ذات صلة

اشتراك
اشعار
guest
ضع بريدك اذا اردت استلام اشعار بالنشر

45 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
45
0
التعليق مفتوح للجميع .. رجاءا اسمعنا رأيكx
()
x

أنت تستخدم إضافة Adblock

مرحباً .. يبدوا أنّك تستخدم مانع إعلانات ، نرجوا من حضرتك إيقاف تفعيله و إعادة تحديث الصفحة لمتابعة تصفّح الموقع ، لأن الإعلانات هي المدخل المادي الوحيد الضئيل لنا ، وهو ما يساعد على استمرارنا . شكراً لتفهمك