أدب الرعب والعام

عندما تُجلد الطفولة بسياط الجهل

بقلم : منى شكري العبود – سوريا

جعل له أنياباً نهشت ما تبقى من إشراق طفولتي
جعل له أنياباً نهشت ما تبقى من إشراق طفولتي

 
عندما بلغت سن الثالثة عشر أُقيم لي حفل صاخب بدوت فيه كأميرات ديزني بعد أن ألبسوني ثوب أبيض رائع ، أتظنون أنه عيد مولدي ؟ لا ، أنه حفل زفافي !.

الجميع يرقصون فرحاً و يضحكون بمرح ، يرشقوني بالمزيد من التهاني والمباركات والدعوات الشتى بالسعادة ، جلست أراقبهم بينما شفتي تبتسم ببلاهة ، زغردت النسوة لوصول العريس الذي يكبرني بعشرين عاماً ، ذاك الذي اجتثني من بين كتبي وأصدقائي وألعابي و دميتي التي كنت أروي لها قصة ما قبل النوم ، ارتعدت فرائصي و أوقد مزيج من الخجل والخوف على وجنتي جمرتين من الجحيم ، دخل صالة الزفاف متوجهاً نحوي بينما عيناه تلتهمني بنهم ، أطرقت رأسي خوفاً أن تلتقي عيناي بعينيه المفترسة فينهشهما ، أكملوا حفلهم الصاخب بمرح بينما غرقت في أعماق المشاعر المتناقضة.

خرس فرحهم فجأة ، زغردت النسوة لنقلي لمأتمي و كأنهم ينقلون جثة ، ساقتني أمي بصحبة الذي يُدعى زوجي إلى الحجرة التي خُصصت ليكون هنا مثواي الأخير ، ثم تركنا بمفردنا لتنقل لي وصايا قد سمعتها من أمها كما سمعتها أمها من جدتها :

– فلتنصتي لي جيداً يا ابنتي ، لا مفر لكِ من هذا المنزل بعد الآن ، ستغدو حياتك بين قوسين ، من دار زوجك إلى ديار الآخرة ، كوني مطيعة له يا ابنتي لتنعمي بالسعادة ، غرقت بنوبة بكاء حارة أرجوها بها ألا تتركني وحدي ، لكنها غادرت ضاحكةً ! و تركتني خلفها أقاسي مرارة قدري ، كان وحشاً كاسراً لم يأبه لبراءتي ،

بعد شهر من عقد قراني غدى في أحشائي روح تنبض ، زغردت النسوة فرحاً بينما جلست جانباً أراقبهم ببلاهة بصحبة دميتي التي أبيت التخلي عنها ، أغضب الخبر زوجي بل جعل له أنياباً نهشت ما تبقى من إشراق طفولتي ، لم يعد يتحمل فكرة وجودي ، جلدني بسياط الهجران دون رحمة ، و بدأ يبحث عن البديل ، تلك التي ستربي طفله الذي التهم به ما تبقى من طفولتي ليحولني إلى أم !.

سمعته ذات مرة يدافع عن نفسه أمام أمه قائلاً:
– أنها طفلة ، كيف ستنجب طفلاً ؟ سيصبح لدي طفلان حينها ، لم يعد بوسعي أن أتحمل أكثر من ذلك يا أمي ، لم و لن أحبها يوماً ، أنها مجرد طفلة بلهاء ، لن تصلح يوماً أن تكون زوجة ، سأطلقها ما أن تلد ، عبث و بطش بكرامتي ، لم تنصفني عائلتي بعد أن شكوت لهم أمري عدة مرات ، بل ما كان منهم سوى المزيد من الشتائم والإهانات ، ثم يحزمون أغراضي من جديد ليُعيدوني إليه منكسرةً ذليلةً ، إلى أن تملكني اليأس ! عاهدت نفسي على الخضوع أكثر لأسلم ، أذعنت لأوامره دون نقاش ، لكن ما كان منه إلا أن تمرد و زاد من حدة جبروته و سطوته ، غدى يمطرني بضرب مبرح دون سبب ،

عشق الواحدة تلو الأخرى ، إلى أن قرر الزواج أخيراً وأنا في شهري السادس من الحمل ، غزتني أشباح الغيّرة إلى أن طرحتني ولوداً في شهري السابع ، جاء بصحبة زوجته الجديدة ليرى طفله الأول ، تبسم لمرآه ثم نظر إلي ، رفرف قلبي فرحاً لنظرته ، ظننته سيعدل عن قراره الأخير، ظننته سيتفوه بكلمات الندم و يطلب مني السماح ، لكنه سرعان ما أشاح بنظره عني ، ثم همس لزوجته الجديدة بعد أن عانق كفه بكفها تلك الكلمات التي تلقفتهم أذناي ليقعوا في قلبي وقوع الجمر في الجليد.

– أنه جميل أليس كذلك ؟ غداً ستغدين أمه !.
أطلقت ضحكاتها المسمومة ، أغلقت أذناي بكفيّ الصغيرين أمنعهم من التقاط سمهم ، لكن كفيّ لم يفلحا بفعلها ، سرى السم من أذناي وصولاً لعقلي ليعلن انهياري الأخير بدموع حارة انبجست لتغرق وجنتي ، نظرت لي زوجته الجديدة بعينين انزوى بهما الحقد والغل ، رشقتني بضحكة شماتة ، ثم تفوهت تلفظ سمها لتقضي علي هذه المرة بعد أن وجهت نظرها نحو طفلي :

– سأسميه جود !.
أجبتها باستنكار:
– بل تيم ، نظرت إلى زوجي ثم أردفت برجاء عله ينصفني : أليس كذلك يا نبيل ؟.
أشاح بوجهه عني ، ثم نظر إليها بشغف أفصحت عنه عيناه قائلاً :
– لا ، بل جود.

غرقت بنوبة بكاء مزقت نياط قلبي ، لم يأبه لأمري ، قال لزوجته :
– لنذهب لا مزاج لدي لسماع بكائها الطفولي المزعج ، رماني بنظرة خاطفة ثم أشاح بنظره عني مردداً بينما يعطيني ظهره هاماً بالرحيل : ستأتي والدتي إليكِ بعد قليل ، فلتهتمي حتى حينها بشؤون الطفل ، لدي و زوجتي ليلى المزيد من العمل الذي لا يمكن تأجيله ، و رحل!.

عزمت على الرحيل بعد تفكير دام لدقائق معدودة ، لن أسمح له أن يسلبني طفلي بعد أن جردني من طفولتي و براءتي ومستقبلي و مشاعري و كل شيء ، وقفت على قدمي بجهد بالغ ، بدلت ملابس الولادة بملابسي ، حملت طفلي و خرجت مسرعة بحذر من أن يكشف أمري.

أصبحت خارج المستشفى ، ركبت في أول سيارة أجرة وجدتها ، رحلت إلى بلدة لا يعرفني فيها أحد ، وعندما وصلت وجهتي تذكرت أنني لا أملك النقود ! ، تحايلت على سائق الأجرة و هرولت هرباً منه بصحبة طفلي ، لكنه بلا ريب قد أمسك بي ، بعد تحقيق طويل رويت له تفاصيل قصتي ، وعدني أن ينصفني ، وثقت به متعلقةً بحبال أمل هشة ، برزت له فجأة أنياب حادة ، و ما كان منه إلا أن أغرقني في وحل الخطيئة والألم ، لم يكفه ذلك بل سلبني طفلي ليرميه أمام ملجئ للأيتام ، وقف بعنفوان أمام توسلاتي ضاحكاً ،

زدت من حدة نحيبي و صراخي أردد : سيظنون أنه أبن الخطيئة ، سيعيش ولدي وحيداً مهزوماً منكسراً ، فلتعده لوالده على الأقل ، فلتربيه تلك الغريبة ، وما كان من صوتي سوى الصدى ، قبل أن يقفل باب الحجرة التي حجزني بها تفوه مهدداً :سأعود بصحبة أصدقائي إياكِ أن أجدكِ على هذه الحالة ، وإلا !  و رحل بعد أن أحكم قفل الباب جيداً ، لا مفر ! لذلك في اليوم المئة وتسعون من هربي عزمت على الانتحار.

النهاية ……

تاريخ النشر : 2020-12-03

مقالات ذات صلة

23 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى