منوعات

فاجعة البحر الميت

بقلم : إياس شعيب – تيماء_تبوك

الرحلات المدرسية، هي تلك التي كنا نحلم بها و نحن صغار، إذا ما قررت المدرسة أن تعمل رحلة فإن قلوبنا تتراقص من الفرح، نفكر طوال الليل عن أين سوف تكون الرحلة؟

قد تنتهي تلك الرحلة بذكرى سعيدة تبقى في الذاكرة مدى العمر، أو تنتهي بكارثة مفجعة ليعود طلابها لمنازلهم جنائز بعد أن ودعوا أهاليهم و هم ضاحكين، ولتكون تلك الرحلة كابوس يطارد الناجين طوال حياتهم.

البلد:الأردن

مناطق الضرر: البحر الميت

بدأ في 25 أكتوبر 2018
انتهى في 27 أكتوبر 2018

السبب: منخفض جوي أدى لأمطار غزيرة وسيول وفيضانات في الأودية.

الخسائر البشرية : 21 وفاة (19 منهم أطفال)
الاصابات: 43 شخص

كلفة الاضرار: مليوني دينار أردني

المدرسة المسؤولة عن الرحلة : مدرسة فيكتوريا الخاصة.

******

blank
وادي زرقاء ماعين .. من الوجهات السياحية الجميلة في المملكة

في الأسبوع الصيفي الأخير قبل دخول التوقيت الشتوي يبدو كل شئ طبيعياً رغم تحذيرات من قدوم منخفض جوي وحالة انعدام استقرار سوف تأثر على المملكة الأدرنية خلال الأيام القادمة.

ذهب الطلاب الذين تترواح أعمارهم بين 11 – 13 سنة إلى وادي زرقاء ماعين الذي يشتهر بأنه منطقة لمحبي المغامرة وهو مجاور للبحر الميت.

حين كان الأطفال في الوادي داهمتهم سيول جارفة و سريعة جرفتهم نحو قاع الوادي ثم إلى أسفل الجسر الذي يقع فوق الوادي حتى أوصلتهم إلى البحر الميت.

شارك في عمليات الإنقاذ صنوف الدفاع المدني التي استخدمت الزوارق و طائرات الإنقاذ، وأرسلت طائرات بدون طيار لكي تقوم بالبحث عن ناجيين.
شارك أيضا فريق بحث وإنقاذ دولي مستخدما كلاب بحث وكاميرات التلفزيون.

كان السبب في الحادثة هو انهيار الجسر مما تسبب في سقوط حافلة الرحلة و غرق الطلاب، وقد أوضحت جهات حكومية أن جسر آخر يبعد عن وادي ماعين مسافة خمسة كيلو انهار بسبب عدم صلاحيته حيث أنه سقط في اليوم التالي من الحادث، اسمه جسر الاستخبارات، أما جسر وادي ماعين فلم يتأثر و لم يسقط.

****

blank
السيل القوي ادى لتضرر احد الجسور

شهادات الناجيين:

قالت إحدى المعلمات : ”كانت الرحلة من اجل السياحة و المغامرة وقد تم تنظيمها من قبل شركة خاصة وفيها 3 ادلاء سياحيين، حتى أن المعلمات المشاركات كن يعرفن تفاصيل الرحلة
بعد 4 ساعات من الرحلة بدأ الجو بالتغير والأمطار بالهطول الأمر الذي استدعى ايقاف الرحلة والعودة إلى عمّان، و دليل الشركة أبلغهم بذلك
لقد كنت من ضمن الفوج الأول الذي تحرك للعودة، وبسبب المنحدرات وسرعة السير أضاع الفوج بعضه البعض، ولذلك طلب الدليل منا التوقف حتى يصل الجميع ، الا انه لم يكد ينتهي من كلامه حتى كان السيل قادم
ان منسوب الماء والطين كان قد ارتفع فحاولوا الابتعاد عنه الا ان بعض الأطفال كانوا يسيروا في النهر فسحبهم السيل، و على حسب ما أتذكر أنه في كل 30 ثانية كانت ترتفع المياه
أن سرعة السيل كانت واضحة، لقد كان معي 13 طالب و طفلتي التي تبلغ 8 سنوات، حيث كانت أصغر طفلة بالرحلة
إن الفريق تمكن من الوصول إلى منطقة جبلية مرتفعة لكن الصخور كانت تختفي مع ارتفاع منسوب المياه، لقد بقوا على هذا الحال بين ساعتين ونصف إلى 3 ساعات حتى بدأ السيل يتوقف ويثبت مستواه
في الاثناء كنت اشاهد طلابي ينجرفون بالسيل أسفل الجبل فيما كان من برفقتي من الأطفال يستنجدون دون مجيب
 إن الأدلاء السياحيين كانوا قد اعطوا تعليمات بأن لا نحمل معنا أي شئ ولذلك لم نأخذ هواتفنا أو أي وسيلة اتصال.
 لقد كنا ننتظر ان يتوقف السيل وأصبح ارتفاع المياه يقل عند الساعة السادسة والنصف ، وعندما بدأت الدنيا تظلم رأينا شخصاً فشعرنا بالإطمئنان قليلاً، حاول ان يساعدنا حين شاهد مستوى المياه، نزع بنطاله من أجل إنقاذنا، لكنه ينجح ثم اختفى.
ثم وصل الدفاع المدني اخيرا، لقد كانوا 25 شخصا تقريبا، لقد تمكنوا من الوصول إلينا وانقذونا على أكتافهم واحد تلو الاخر ثم تم نقلنا إلى إلى المستشفى“.

أحد الطلاب الناجيين من هذه الفاجعة قال :”لقد نزلنا من الحافلة بعد أن توقفت الأمطار، خرجنا نمشي في الوادي وفجأة سمعنا صوت قوي و مخيف، وخلال ثانية كانت المياه قد غمرتنا و أخذ تجرفنا.
لقد تمسكت بصخرة كبيرة، وكنت أرى أصدقائي يمرون بجانبي وهم يصرخون طلباً للنجدة، لم يكن بمقدوري أن أفعل لهم شيئاً، حاولت الإمساك بمعلمتي لكن لم أستطع، كنت في تلك اللحظة أنطق الشاهدتين ثم اختفى أصدقائي و المعلمة عن أنظاري، حين استسلمت لقدريتم إنقاذي”.

blank
صور بعض الضحايا من الاطفال

في المحكمة أدلى الطفل أحمد بركات 14 سنة بشهادة لجميع من حضر المحاكمة:
“في تاريخ 25 أكتوبر ذهبت في رحلة الى البحر الميت بوادي زرقاء ماعين وكانت المدرسة قد أعطتني ورقة الموافقة على الرحلة قبل يوم واحد من موعدها، تم إرفاق برنامج الرحلة بالتفصيل مع ورقة الموافقة.
كانت والدتي هي التي وافقت على الرحلة، ولدى وصولنا دخلوا الوادي من تحت الجسر وليس من البوابة الرئيسية“

وأكمل الطفل:لقد كانت الرحلة قد تحركت عند الساعة 9 صباحا بحافلة واحدة وكان يرافقنا مشريفين ومعلمات، بعد الوصول بدأت رحلة المسير على الاقدام في الوادي لمدة 3 ساعات ونصف على شكل مجموعات.
وخلال سيرنا بدأ يتساقط مطر خفيف، عندها طلبوا منا العودة إلا ان الدليل السياحي كان قد رفض، بعد ذلك جاء أحد الطلاب و هو يركض و يحذرنا من الموج، و عندها بدأ إرتفاع منسوب المياه كثيرا.
 شاهدنا كهف حاولنا الدخول اليه انا وصديقي، لكني سقطت في الماء و تمكن صديقي من انقاذي، صعدنا الى جبل مرتفع وبقينا على الجبل حتى وصل الدفاع المدني في الساعة 6:30 مساءاً”.

لقد شرحت لنا المعلمة ياسمين عن الرحلة وطلبت مننا أن نحضر معنا ملابس خاصة بالرحلة”.

تم سؤال الطفل عن حالة الطقس اثناء الرحلة؟

اجاب أحمد:”لقد كان الجو طبيعياً في البداية، في طريق العودة قبل أن نصل إلى الحافلة  سمعنا صوت إعصار”.

تم سؤال أحمد عن مقصده بالاعصار؟ فقال : إنه فيضان.

لقد أدى هذا الحادث المؤلم إلى وفاة 21 شخصاً بينهم 19 طفلا و 43 مصابين.

في صباح اليوم التالي و بسبب الجسر الذي انهار تعطلت عمليات البحث التي استمرت منذ وقوع الحادث دون توقف، إضافة إلى تعطل طريق العقبة بسبب انهيار عبارة لتصريف المياه في الطريق.

أعلنت وسائل الاعلامية الأردنية يوم الجمعة 26 أكتوبر أن ضحايا البحر الميت هم 18 أردني و 3 عراقيين ، اثنان كانوا من الطلاب و أخرى فتاة في العشرين يعتقد أنها من المرافقين بالرحلة.

blank
جهود الانقاذ

ردود الفعل:

ألغى الملك عبدالله الثاني بن الحسين زيارة البحرين التي كانت مقررة في يوم الجمعة وكان سوف يلقي كلمة في مؤتمر أمني لكنه قرر متابعة تطورات الحادث مع الجهات المختصة.

حيث كتب في تويتر معلقاً على هذه الفاجعة التي ذهب فيها أطفال بعمر الورد: «أعزي نفسي وأعزي الأردن بفقدان أفراد من أهلي وأسرتي الكبيرة فمصاب كل أب وأم وأسرة هو مصابي» وأضاف كذلك:«حزني وألمي شديد و كبير و لا يوازيه إلا غضبي على كل من قصّر في اتخاذ الإجراءات التي كان من الممكن أن تمنع وقوع هذه الحادثة الأليمة».

تم إعلان حالة حداد من قبل الديوان الملكي الأردني وتم تنكيس الاعلام من صباح الجمعة 26 أكتوبر لمدة ثلاث ايام.

كما أعلنت وزارة الأوقاف و الشؤون الاسلامية بالأردن،أنها سوف تقيم صلاة الغائب بعد صلاة الجمعة على أرواح تلك الضحايا التي ذهبت ضحية السيول في جميع أرجاء المملكة الأردنية.

و في 1 نوفبر قدم كل من وزيري التعليم و السياحة، استقالتهما،نتيجة للجنة النيابة القانونية التي اجتمعت في ذلك اليوم.

****

blank

فاجعة البحر الميت من أكثر الحوادث التي أوجعت لي قلبي، كيف لرحلة مدرسية خرج فيها الأطفال لتكوين ذكرى سعيدة وعادوا منها بذكرى مؤلمة، منهم من عاد مصاباً ومنهم من عاد جنازة.

كل مرة كنت أسأل نفسي عن الذي عاشه أولائك الأطفال من رعب وهم يشاهدون اصدقاء الدراسة الذين كان يلعبون معهم في وقت الراحة وقد ابتلعهم السيل؟

كيف كان شعورهم حين عادوا إلى المدرسة بعد الحادثة و رؤية مقاعد اصدقائهم فارغة؟

هل تجاوزوا الصدمة بسرعة أم لازلت محفورة في داخل ذاكرتهم و لم ينسوها؟

لست أفهم لماذا رفض المرشد السياحي أن يأخذ الطلاب و المعلمات هواتفهم النقالة؟

لماذا أصرت المدرسة على الرحلة رغم التحذيرات الجوية؟

لكي تعرفوا مزيد من التفاصيل عن هذه الفاجعة تابعوا وثائقي النشيد الأخير.

*****

حين تقرر المدرسة أن تقوم برحلة مدرسية عليها أن تتأكد من حالة الطقس وتأخذ الطلاب إلى أماكن تتناسب مع أعمارهم و تكون تعليمية.

مثل أخذهم إلى مركز الشرطة أو محطة التلفاز أو حديقة الحيوان، المكتبة أو مزرعة أو محطة إطفاء، حوض الأسماك أو مدينة الألعاب أو دور السينما، متحف أو مستشفى أو مركز إعادة التدوير.

فهي أفضل من أخذهم إلى وادي زرقاء ماعين الذي يقع في منطقة البحر الميت، مكان خطير لا يناسب أطفالاً صغاراً، حيث تم أخذهم في وقت كانت الأرصاد تحذر من تقلبات جوية.

اللهم يارب ارحم شهداء حادثة البحر الميت و اجبر مصاب أهاليهم و اربط على قلوبهم.

إياس شعيب

السعودية

مقالات ذات صلة

اشتراك
اشعار
guest
ضع بريدك اذا اردت استلام اشعار بالنشر

16 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
16
0
التعليق مفتوح للجميع .. رجاءا اسمعنا رأيكx
()
x

أنت تستخدم إضافة Adblock

مرحباً .. يبدوا أنّك تستخدم مانع إعلانات ، نرجوا من حضرتك إيقاف تفعيله و إعادة تحديث الصفحة لمتابعة تصفّح الموقع ، لأن الإعلانات هي المدخل المادي الوحيد الضئيل لنا ، وهو ما يساعد على استمرارنا . شكراً لتفهمك