منوعات

فتيات الراديوم

 
بقلم : نور الهدى الاخضرية – الجزائر

 

ذلك الضوء الساحر تسبب في موتهن بأبشع صورة
ذلك الضوء الساحر تسبب في موتهن بأبشع صورة

 

في يوم 15 من اكتوبر عام 1927 دخل مجموعة من الرجال الى مقبرة حوالي التاسعة صباحا وبدؤوا بالبحث بين القبور حتى وصلوا الى القبر المنشود ، فنصبوا خيمة قربه وشرعوا بالحفر بعد ازالة شاهد القبر ، وبعد اخراج كمية من التراب انكشف تابوت خشبي يحمل اسم اميليا ماجيا او مولي كما كانوا ينادونها ..
لقد قيل الكثير عن هذه الفتاة قبل وفاتها وحتى بعد وفاتها ، فهي توفيت بمرض الزهري الذي يعتبر عارا للمصاب به كونه من الأمراض الجنسية. 

blank
وشرعوا بالحفر بعد ازالة شاهد القبر

بعد رفع التابوت من القبر انتظر الرجال وصول مجموعة من الخبراء العلميين ، وعند الثالثة بعد الظهر وصل الخبراء ومن بينهم الطبيب فلين وايضا مجموعة من المحققين الخاصين ، كل هؤلاء حضروا لاعادة استخراج جثة مولي ، بوجود افراد من عائلتها.
دخل الخبراء الى الخيمة مع النعش ودخلت عائلة مولي معهم ، وعلى الرغم من ان اليوم كان خريفيا باهتا الا ان النعش كان يتوهج بضوء غير طبيعي.

تم سحب لوحة الاسم من النعش وقدموها لوالد مولي للتحقق منها ، فأكد أنه اسم ابنته ، وبعد ازالة النعش كانت جثة مولي بحالة جيدة بثوبها الابيض وحذائها الاسود، اخرجوا الجثة من النعش واخذوها الى احد مكاتب الدفن لتشريحها. بدأ الاطباء عملهم بتفكيك فكها العلوي الى عدة اجزاء اما فكها السفلي فلم يكن هناك حاجة للعمل عليه فهو غير موجود اصلا فقد تمت ازالته في حياتها ، كما قام الاطباء بنشر عمودها الفقري ورأسها واضلاعها وتم احراق بعض عظامها من اجل التحليل، وبعد كل هذه العمليات وبعد الكشف بالاشعة السينية ظهرت النتائج التي ستغير الكثير من الامور .. لقد كانت النتائج تظهرالعظام تتوهج بلون ابيض في كل التحاليل. وهنا تأكد الخبراء بأن مولي لم تمت بمرض الزهري بل لسبب اخر .. ترى ما هو؟ ..

blank
اميليا ماجيا وصورة لشاهد قبرها – ماتت سنة 1922 –

في عام 1917 تم افتتاح مصنع لصناعة الساعات في مدينة اورانج في نيو جيرسي ، كان المصنع ملك شركة يو اس راديوم ، وكانت الساعات التي ينتجها المصنع ذات خصائص فريدة فهي تنير في الظلام ، ويمكن شحنها بأشعة الشمس .. لقد كانت ساعة الاحلام في ذلك الوقت واخر موضة أيضا.

وضف المصنع 70 فتاة في البداية ، ومع تزايد الطلب على الساعات تزايد عدد العاملات ليصبح حوالي 4000 فتاة. كانت الرواتب جيدة جدا ، الفتيات العاملات اعتبرن محظوظات للعمل في ذلك المصنع.

تم تدريب العاملات على كيفية تلوين عقارب الساعة والارقام باللون المضيء عن طريق فرشاة صغيرة ، كما طلب منهن تشذيب رأس الفرشاة بعد كل استعمال عن طريق اللسان لضمان الدقة في العمل ولجعل الفرشاة رفيعة الرأس ، وانصاعت الفتياة للاوامر في البداية لكنهم استفسروا عن طبيعة المادة التي يقمن بالتلوين بها ولعقها بألسنتهن ، فأكد لهن اصحاب المصنع انها مادة غير خطيرة بل مفيدة لصحتهن حتى انها كانت تستعمل لعلاج مرضى السرطان.

blank
كان عمل الفتيات يتضمن صبغ عقارب وارقام الساعة مع استعمال فمهن لتعديل رأس الفرشاة

لكن ماهي هذه المادة الغريبة؟ .. انها مادة الراديوم ، وهو عنصر كميائي مشع يرمز له بالرمز Ra ورقمه 88 ، لونه ابيض نقي تقريبا وهو من المعادن القلوية الترابية ولكنه يتأكسد بسرعة عند تعرضه للهواء ، وكان قد اكتشفه الزوجان العالمان بيار وماري كوري عام 1898 ، وقد شاع استعمال هذه المادة خاصة بعد ان استعملت في علاج السرطان ، فاستعملت ايضا في معجون الاسنان ومواد التجميل و صناعة الاطعمة والمشروبات حتى انه كان هناك مشروب يحتوي على الراديوم يسمى راديثور وكان يعتبر مشروبا صحيا ومقويا ، كما اعتبر الراديوم في حد ذاته كنوع من الفيتامينات يضاف الى كل شيء.

كل هاذا جعل معظم الفتيات يتمنين العمل في مصنع الساعات فالاجر مرتفع كما ان الفتيات العاملات اصبح يسمين بفتيات الراديوم لان هذه المادة تلتصق بثيابهن وعند خروجهن من العمل مساءا تصبح ملابسهن مضيئة ومتوهجة فكانت مصدر للمرح والفخر ايضا.

blank
الساعة تضيء من دون كهرباء او بطارية .. وتبقى مضاءة لعشرات السنين .. الساعة الى اليمين مصنوعة في الثلاثينات ومازالت تضيء بعد 80 عاما على صناعتها

لم تكن مادة الراديوم معروفة جيدا في ذلك الوقت ولم تعرف خصائصها جيدا رغم استعمالها الشائع ، ومع استمرار الفتيات في العمل في المصنع سرعان ما بدأت تظهر عليهن اعراض غريبة مثل التعب والتهاب الاسنان وسقوطها لتحدث اول وفاة عام 1922 الفتاة مولي ماجيا ذات 22 عاما والتي أتينا على ذكرناها في بداية المقال.

لقد عانت المسكينة مولي من آلام رهيبة طيلة عام كامل ، مما اضطر طبيبها إلى استئصال فكها السفلي لانه كان سيسقط لوحده لا محالة ، وعند وفاتها اعتبر موتها نتيجة لمرض الزهري ، لكن الحقيقة كانت انها كانت تعاني من التسمم بالراديوم او ما يسمى بفك الراديوم ، وهذا راجع لوضع الفتيات الفرشاة في شفاههن عند تلوين الساعات دون ان يعرفن مخاطر هذه المادة والتي تمتصها العظام فتقوم بنخر الفك والاسنان ليؤدي ذلك مع مرور الوقت الى التسمم والوفاة.

blank
الاثار الجانبية لاشعاع الراديوم مرعبة .. صورة العاملة حريس فرايد قبيل موتها .. انظر ماذا حدث لفكها السفلي

مع مرور الوقت توفيت حوالي 50 فتاة وكلهن تم دفنهن على اساس ان الوفاة كانت بسبب مرض الزهري ، لكن في عام 1925 قررت احدى العاملات وهي جريس فرايد رفع دعوى قضائية على المصنع ، لكنها امضت عامين في البحث عن محامي يقبل قضيتها لأن الجميع لم يصدق ادعائها بان هناك سبب آخر لوفاة زميلاتها.

وفي عام 1927 استطاعت التقدم بشكوى مع اربعة من زميلاتها ، وكانت الشكوى تنص على ان الشركة كانت تعلم بمخاطر الراديوم على الصحة لكنها لم تخبرهم.

بالمقابل قامت الشركة بتعين فريق كامل من المحامين ، كما ان الخبير الذي فحص احدى الفتيات المشتكيات اكد انها بصحة جيدة ولا تعاني اي امراض او اعراض وقدم تقريرا بذلك للمحكمة ، لكن تبين فيما بعد انه تلقى رشوة من الشركة.

وخلال السنوات اللاحقة شارك العديد من الاطباء في مؤامرة الشركة وانكروا العلاقة بين الراديوم ووفاة الفتيات ، كما قامت الشركة بتلطيخ سمعة الفتيات ايضا من خلال اتهامهن باخلاقهن وبأنهن منحلات مما تسبب لهن بمرض الزهري.

فيلم فتيات الراديوم – 2020 – يتناول قصة العاملات

وبعد الكثير من الصعاب والنضال من قبل الفتيات استطعن اعادة مقاضاة الشركة من جديد خاصة بعد اعادة تشريح جثة الفتاة مولي ماجيا حيث تبين أن جثتها تحتوي على مستويات عالية من الراديوم ادت لتسممها ، وأن هذا التسمم كان هو سبب الوفاة الحقيقية وليس كما قيل من قبل بأن السبب هو مرض الزهري.

مع هذه الادلة الجديدة اخذت المحاكمة منعطفا جديدا فقررت الشركة اللجوء الى تسوية مالية مع الفتيات واللواتي كن في معظمهن مريضات للغاية ، فوافقن على التسوية مع الشركة بسبب حاجتهن للمال لدفع مصاريف العلاج المكفة ، وتقرر أن تدفع الشركة 100 دولار لكل فتاة مع التكفل بمصاريف العلاج واتعاب المحاماة ، كما تقوم الشركة ايضا بدفع 600 دولار سنويا لكل فتاة حتى وفاتها، كما تم ذكر السبب الحقيقي لموت الفتيات في شهادات الوفاة.

لكن مع التوقيع على التسوية كانت هناك فتاتين فقط قد تبقيتا على قيد الحياة ولم يمضي سوى عامين حتى توفيتا.

هذه القضية عرفت بقضية فتيات الراديوم وقد تركت اثرا ايجابيا على الوعي العام الامريكي ودفعت نحو تشديد اجراءات السلامة في المصانع ورسخت في النفوس ان من حق العامل ان يقاضي رب العمل لتعويض اي ضرر يلحقه في العمل ، وبحلول الحرب العالمية الثانية شرعت الحكومة الامريكية قيودا على السلامة عند التعامل مع المواد الاشعاعية. وقد تم ايضا حظر المنتجات القائمة على مادة الراديوم ، وتم صنع اخر ساعة راديوم عام 1968 ، علما ان الاصباغ المضيئة المستعملة في بعض المنتجات كالساعات لم تنقرض لكن تم استبدال مادة الراديوم بالفسفور واحيانا التريتيوم.

blank
ماي كين .. الناجية الوحيدة .. كانت محظوظة لانه تم فصلها من العمل

احدى الفتيات وتدعى ماي كين عندما بدأت العمل في المصنع لم تستسغ طعم المادة الغريبة ورفضت وضع الفرشاة في فمها فاجبرت على تقديم استقالتها ، وقد كانت الناجية الوحيدة من الفتيات وعاشت حتى عمر 107 سنة وتوفيت عام 2014 ، ورغم انها لم تعمل سوى ايام قليلة الا انها عانت من السرطان والصداع النصفي كما قالت انها يجب ان تشكر اصحاب المصنع لأنهم اجبروها على الاستقالة فانقذوا بذلك حياتها من دون ان يعلموا.

مارأيكم بهذه القضية وكيفية تعامل القضاء معها وهل تعرفون مادة اخرى خطيرة مثل الراديوم؟ .. وهل تعلمون ايضا ان العالمة ماري كوري التي تعاونت مع زوجها في اكتشاف هذه المادة توفيت بسببها ايضا!.

مصادر :

Radium Girls – Wikipedia
The Forgotten Story Of The Radium Girls, Whose Deaths Saved Thousands Of Workers’ Lives
Mae Keane, One Of The Last ‘Radium Girls,’ Dies At 107
– موقع عربية : صحيفة مكة الالكترونية – صفحة cnn العربية – موقع العلوم للعموم

تاريخ النشر : 2020-10-03

مقالات ذات صلة

64 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى