عجائب و غرائب

فريدريك بوردان : ملك الاحتيال و الانتحال

بقلم : جمال – سوريا

للتواصل : [email protected]

من المؤكّد أنك قد سمعت عن قاتل متسلسل ، وربما أيضاً عن سارق متسلسل ، ولكن هل سمعت قبلاً بمنتحل متسلسل !
عزيزي القارئ بدون إطالة في المقدمات … أنت الآن مدعوٌّ لسبر أغوار حكاية غريبة عجيبة ، بطلها الحرباء أو هكذا ما لُقب به ” فريدريك بوردان” .. حكاية تدعوك لأن تفكر مرّتين في ذلك المدى الذي يستطيع الإنسان بلوغه ، بحال من الأحوال .. فالنبدأ :

blank
فريدريك بوردان -المتقمّص البارع-

ولد “فريديريك بوردان” في 13 يونيو 1974 ، والدته “جوسلين بوردان” ، امرأة فرنسية فقيرة ، عاشت في نانتير ، إحدى ضواحي باريس – فرنسا . تبقى هوية والد بوردان غير معروفة ، فقد أدرجته السجلات الحكومية الفرنسية بـ “X” على أنه مجهول الهوية . لكن هناك رواية تقول أنَّ والد بوردان كان مهاجرًا جزائريًا يُدعى “قيس” ، و قد كان يعمل في نفس المصنع الذي تعمل جوسلين فيه . و على ما يبدو انَّ علاقة غرامية نشأت بينهما ، لينتج عنها حملاً ربما لم يرد قيس حدوثه ، ولهذا اختفى فجأة وإلى الأبد ..

بدأ التحول في حياة فريدريك بوردان عندما بلغ العامين و نصف . قررت حينها الرعاية الاجتماعية نقل حضانته من أمه إلى جدّيه ، وكان ذلك بطلبٍ من الجدين نفسهما ، إذا لم يعودا يقتنعان بأهلية ابنتهما في تربيته ، خاصة مع علاقاتها الغرامية المتعددة .

إقرأ أيضاً : فيكتور لوستيج .. اشهر نصّاب في العالم

هناك على العادات المتزمتة في الريف الفرنسي نشأ فريدريك في بيت جدّه ، لم يكن ذلك الطفل الشقي المثير للمتاعب ، وأيضاً لم يكن الهدوء من طبعه ، يمكن القول أنه كان طفلاً طبيعياً عاديّاً كأي طفل آخر .
ببلوغه الخامسة عشرة ، انتقل فريدريك مع جديه إلى ” موشامب ” ، جنوب شرق نانت . و قد كانت حينها الأوضاع المادية في المنزل بحالة انحدار ، لذلك اضطر فريدريك الى ارتداء الثياب (البالة) و التي كانت تقدم له من قبل احدى الجمعيات الخيرية الكاثوليكية ، وهذا ما جعله يبتعد شيئاً فشيئاً عن الاحتكاك و مخالطة المجتمع ، ليجد نفسه في النهاية منبوذاً من قبل الجميع .

لا أحد يعلم- في تلك الأثناء – ما خطر بباله وما الذي انتهى لعقله ، لكنه بدأ باختلاق القصص وتصديقها أيضاً ، ولعل اول اختلاقاته كانت حول والده ، فادعى ان والده عميل استخباراتي بريطاني وان والدته توفيت بحادث سير ، مبرراً بذلك حياته في بيت جدّيه . وعلى هذا المبدأ استمر فريدريك باختلاق الاكاذيب و القصص و الإيمان بها و تصديقها وعيشها ، لدرجة لم يدع فيها فرصة لأحد بتكذيب مقولته أو حتى الشك فيها .
من هنا وبعمر السادسة عشرة فقط ، انخرط فريدريك بعالم الاكاذيب و الاحتيال ، ولا عجب أنه أودع في إصلاحية الأحداث ، بعد ازدياد مشاكله و خوضه لعدة عمليات نصب و سرقة.

blank
نتيجة لزيادة مشاكله في الاحتيال ، انتهى به المطاف في إصلاحية الأحداث.

كانت الإصلاحية من شأنها أن تقوّم الاعوجاج الحاصل في سلوك فريدريك ، وان تؤهله ليكون بالغاً بخصائل افضل مما هو عليه ، لكن هذا بطبيعة الحال ما لم يحدث ، اذ استطاع ان يخدع جميع القائمين على الاصلاحية ، عندما كان يدخل بنوبات صرع كاذبة ، وربما قد تمضي بضعة أيام يعتقد فيها الجميع أنه فاقد للذاكرة ، وفي حالات اخرى كان فريدريك يدّعي الجنون ..
المثير في ادّعائاته انها حقيقية ، أو لنقل استطاعته الرهيبة على جعلها حقيقية بالقدر الذي استطاع فيه خداع الأطبّاء أنفسهم .
كان هذا الامر الذي سمح له بمغادرة تلك الإصلاحية بوقت مبكر جداً ، وليعود إليها مرّة أخرى سريعاً .
في هذه المرة كان الجميع في الإصلاحية قد اكتشفوا امره وكانوا على دراية تامة بأفعاله وخداعه ، لكنه استطاع اللعب عليهم ثانيةً و ايهامهم بدخوله بنوبة صرع شديدة ، لينقل بعدها إلى المشفى و يهرب من هناك إلى باريس

blank
صورة لفريدريك بوردان اثناء مراهقته

بعد أن وصل فريدريك إلى باريس ، قام بابتكار وتقمّص شخصية “جيمي سيل” ، وهو مراهق بريطاني ضائع . كانت غايته من ذلك هي السفر ، من خلال إرساله إلى بريطانيا ، إذ انه لطالما اعتقد أن الحياة هناك أجمل ، وبالفعل التقى بمن صدّق روايته و اتّجه به إلى مركز الشرطة ، علّهم يعيدونه إلى أهله في بريطانيا . لكن الشرطة الفرنسية استطاعت على الفور معرفة أن فريدريك لا يستطيع التحدث بكلمتين انجليزيتين على بعضهما ، ولهذا وجد نفسه مضطرا للاعتراف بكذبته ، و العودة إلى الإصلاحية مجدداً ، لكن هذه المرة في باريس .
لكن لم يكن الامر ليختلف كثيراً ، فها هو فريدريك من خلال خداعه ، يعود للهرب من جديد .

إقرأ أيضاً : لوريس إيركا .. تعددت الهويّات و النهاية واحدة

على هذا المنوال تكررت الأحداث ، بدءاً من تقمّص شخصية وهمية ، إلى اكتشاف كذبته ، إلى احدى الإصلاحيات ، ومن ثم الهرب .
كان هدفه من كل تلك الألاعيب هو ايجاد المأوى المثالي حسب قوله ، لذلك على مدار سنتين اضافيتين ، استطاع تقمّص شخصية أكثر من 19 مراهقاً ، متنقلاً بين دور الرعاية و دور الأيتام ، ومن منزل إلى منزل آخر .
المشكلة كانت أن احتياله يكتشف مع الوقت ويعود ليطرد من جديد .

في إحدى المقابلات التي جمعت فريدريك تحت عنوان “لا شيئ مستحيل” ، ذكر حادثة جرت معه ، أثناء مروره بتصوير لأحد المسلسلات ، أنه استطاع اقناع المخرج بجودته في مجال التمثيل ، و بالفعل قدّم له دور في المسلسل ، لكنه فرَّ هارباً ..

عندما بلغ فريدريك الثامنة عشرة و أصبح شخصاً بالغاً بتعبير القانون ، قرر انه لن يستمر في فرنسا ، واتجه الى خارج الحدود أملاً في احتيال أفضل .

نيكولاس باركلي ..

blank
صورة لنيكولاس باركلي في طفولته

ولد نيكولاس باتريك باركلي في سان أنطونيو ، تكساس ، في 31 ديسمبر 1980 ، وكان لديه شقيقان أكبر منه سنا ، كاري وجيسون . وكما بوردن ، كان لدى نيكولاس باركلي أيضًا سجل جنائي للأحداث منذ سن مبكرة ، وكان سجله متعلق بالسرقة أو الكسر أو الاحتيال ، وكان معروفًا عنه أيضًا بفراره من عائلته كلما كان منزعجاً . ومع ذلك ، لم يكن ليغيب عنهم أكثر من يوم واحد.

في 13 يونيو 1994 ، ورد أن نيكولاس ذهب للعب كرة السلة مع أصدقائه في حديقة الحي ، لكنه لم يعد أبداً ، كان اخوه جيسون قد طلب منه مرافقته للمنزل في ذلك الوقت ، لكن نيكولاس اخبره بأن يذهب وحده ، لأنه يريد مقابلة صديقته .
بعد اختفاءه لأيام تم فتح تحقيق بشأن نيكولاس المفقود ، ولكن الشرطة لم يكن لديها الكثير من الأدلة و المعطيات التي قد يمكن أن تؤدي إليه ، فعند اختفاءه لم يكن لديه سوى حوالي 5 دولارات ، لذلك اعتبرت الشرطة أنه من غير المرجح استئجاره لغرفة في فندق ما ، وكذلك لم يكن له اي وجود في مستشفيات المنطقة أو المخافر الموزعة فيها .
وبعد ثلاثة أشهر من اختفاء نيكولاس ، اتصل جيسون بالشرطة مرة أخرى ، مدعياً أنه رأى شقيقه يحاول اقتحام مرآبهم . ومع ذلك ، بحلول الوقت الذي وصلت فيه الشرطة إلى مكان الحادث ، ادعى جيسون أن اخيه قد فرَّ بالفعل .

أثناء وجود فريدريك في إسبانيا في أكتوبر / تشرين الأول 1997 ، اتصل مرة أخرى بالشرطة مدعياً ​​أنه صبي صغير بحاجة إلى المساعدة . و في محاولة لإخفاء هويته ، منذ أن أصبح معروفًا في جميع أنحاء أوروبا ، ادعى بوردان أنه من الولايات المتحدة الأمريكية .

على الفور ، تم الاتصال بالمركز الوطني للأطفال المفقودين ، وبعد إخبارهم بالعثور على صبي مراهق في أوروبا بعد أن فُقد لعدد غير محدد من السنوات ، عادوا لملف نيكولاس باركلي مجدداً . ولكن بمجرد أن أُطلق على فريدريك بوردان هذا الاسم ، انقلب بين يديهم إلى شخص عادت له الذاكرة من جديد ، ولم يعد مجرد شخص يتم التعرف على هويته .. بل تقمّص دور الطفل المفقود الامريكي بكل ما اوتيت جوارحه .

blank
نيكولاس الحقيقي مع والده ووالدته .

“اجل اذكر هذا الان، كنت أمريكياً ، في عداد المفقودين لمدة ثلاث سنوات وأربعة أشهر ، لقد تعرضت لحادث و فقدت ذاكرتي ، وعندما بدأت تعود لي ، تذكرت بعض الامور عني ، منها جنسيتي الامريكية ، لكني ما زلت فاقد للكثير من ذكرياتي القديمة ، ولا ادري كيف وصلت الى اسبانيا ، وجدت نفسي مشرداً في شوارعها وحسب . “

هذا ما كان يردده فريدريك في قرارة نفسه على طول الطريق إلى السفارة ، باعترافه الشخصي في احدى المقابلات.

لاحقاً ، أدرك بوردان أنه لا يشبه نيكولاس باركلي وذلك بعد رؤية ملف قضيته وصورته ، وتوجب عليه التصرّف السريع حيال هذه المصيبة ، انما على من ؟ فهو ملك الانتحال والاحتيال بلا منازع . لذا قام بصبغ شعره باللون الأشقر ، وأعطى نفسه ثلاثة أوشام مطابقة لتلك التي كانت لدى نيكولاس باركلي ، واستعد لوصول كاري باركلي ، أخت نيكولاس الكبرى.

أثنائها ..كان فريديريك بوردان قلقًا للغاية من أن خداعه سيكشف في اللحظة التي وضعت فيها كاري باركلي عينيها عليه ، ولكن لدهشته ، كانت كلماتها الأولى له ، “كنت أعرف أنه أنت. كنت أعرف أنني سألتقيك مجدداً ” .

على الرغم من أن عينا فريدريك البنية والتي بالطبع كانت مختلفة عن عينا نيكولاس الزرقاوتان ، و أيضاً الفارق السني بين نيكولاس الأصلي و فريدريك الذي يكبره بسبع سنوات ، وعلى الرغم من لكنته الفرنسية أيضاً ، إلا أنّ كاري أكدت أن الشخص الماثل أمامها هو اخيها المفقود .

blank
فريدريك بوردان أثناء انتحاله لشخصية نيكولاس

و بعد أن ” أقسمت كاري أن فريدريك هو شقيقها ” ، حصل ذلك الاخير على جواز سفر أمريكي ورحلة طيران إلى تكساس . ومنذ أن كفلته ، لم تثر السلطات بعدها أي أسئلة.

عندما عاد فريدريك إلى تكساس وجد جميع عائلة باركلي بانتظاره ، لقد رحبوا به بشكل حميمي للغاية بصفته ابنهم و حسرة عمرهم ، ومع ذلك ، كان لا يزال تحت المراقبة ، و قد عزت عائلته ذلك إلى الإساءات التي تعرض لها بناءاً على احداث جديدة عادت لذاكرته فادعى بوردان أنه تم اختطافه و أنه خلال ذلك ، تعرض للإيذاء الجسدي والجنسي ، وأن لهجته الفرنسية كانت بسبب العيش في أوروبا لفترة طويلة ، كما أرجع بوردان التغيُّر في لون عينيه إلى التجارب التي أجريت عليه ، والتي تضمنت وضع محلول فيهما .

إقرأ أيضاً : كارنوفا الصيني .. كيف تحصّل على دستة ونصف من العشيقات !

كان خوف فريدريك أثناء حياته مع اسرة باركلي من عودة نيكولاس فجأة ، أو اكتشاف قتله من خلال اعتراف احد الاشخاص بذلك ، هاجساً لجعله يسأل عن كل شاردة وواردة تتعلق بنيكولاس ، بحجة أنه يريد الوصول الى ذكرياته المفقودة ، فاطلع على جميع تفاصيل نيكولاس ، وحفظ الاحداث المكتوبة في دفتر مذكّراته .

مكتب التحقيقات الفيدرالي يتدخّل

blank

منذ أن ادعى فريديريك بوردان أنه تم اختطافه من قبل عصابة في الولايات المتحدة ، قبل أن يتم بيعه لتجّار الجنس في إسبانيا ، تمت مقابلته من قبل عميلة مكتب التحقيقات الفيدرالي “نانسي فيشر” بعد أسابيع قليلة من وصوله إلى الولايات المتحدة ، لتدوين بعض المعلومات التي يمكن أن تفيد مكتب التحقيقات في بعض القضايا ، خاصة تلك المرتبطة بشبكات الاختطاف و تجارة ما يسمى بالرقيق الأبيض .
واثناء تلك المقابلة ، راع انتباه نانسي الجذور السوداء لشعر فريدريك تحت شعره الاشقر ، و الذي كان قد نسي ان يعيد صباغتها ، مما دفعها لوضعه في لائحة الشك .

بنفس الطريقة استطاع “تشارلي باركر” ، وهو محقق خاص ، الاشتباه بفريدريك أثناء تحقيقه في اختطاف نيكولاس باركلي . أشار باركر إلى أن آذان بوردن لا تتطابق مع آذان نيكولاس ، وبعد التأكد من أنه لا توجد طريقة يمكنها أن تغيّر لون العيون ، أخبر باركر عائلة باركلي باكتشافه . لكن استياء الأسرة من التشكيك المستمر ، وربما فرحتها بعودة ابنهم ، جعلها ترفض أي ادّعاءات من شأنها ابعاد نيكولاس عنهم .

عادت فيشر مرة اخرى بمحاولة لإقناع بيفرلي ، -والدة بوردن ونيكولاس – ، بالسماح للشرطة لأخذ عينات من الدم . و على الرغم من أنها لم تنجح في بادئ الأمر ، إلا أنّه في في فبراير 1998 ، حصلت فيشر على الموافقة اللازمة لأخذ عينات الدم وأيضاً بصمات الأصابع .

وفي 5 مارس 1998 ، تأكدت بيفرلي باركلي أن فريدريك لم يكن نيكولاس .


لذلك اتصلت بالمحقق باركر ، الذي حضر في اليوم التالي وسمع اعتراف بوردن له بهويته الحقيقية و حقيقة أنه مطلوب من قبل الإنتربول .
اتصل باركر بفيشر ، التي اتصلت بدورها بمكتب الإنتربول ، وفي غضون ساعتين ، تم اعتقال بوردان واقتياده من قبل السلطات.

هناك اعترف فريديريك بوردان وأقرَّ بتهمة الاحتيال في جواز السفر وشهادة الزور ، وحكم عليه بالسجن لمدة ست سنوات . ولكن حتى أثناء وجوده في السجن ، حاول بوردان الحفاظ على القصة التي نسخها من شخصية نيكولاس باركلي . وبدأ بسردها على كل صحفي جاء لمقابلته ، حتى بدأت المطالبات من قبل المجتمع بملاحقة المنظّمات التي تختطف الأطفال و تتاجر بهم .
بالطبع لم يكن لتلك المنظمة وجود إلا في مخيلة فريدريك ، ولكنّه كما العادة ، استطاع تحويلها إلى حقيقة ، بل و إلى بعبع خطير يراقب أي طفل ، و ينتظر فرصة سانحة لالتهامه .
تمت مهمة خداع الصحافة بنجاح ، و عندما ظنّ بوردان أنه يكتسب قاعدة جماهيرية داعمة له ، يمكنه الاستناد عليها للنجاة مرة أخرى ، تم عرض هويّته الحقيقية وسجّله المتخم في عديد البلدان التي ارتحل إليها ، وسرعان ما تهاوت صورته أمام الرأي العام ، مما اجبره ذلك اخيراً على الاعتراف بما اختلقه أمام الجميع .

إذن ما الذي حدث بالفعل لنيكولاس باركلي؟

blank

نيكولاس وجيسون في احتفال عيد الميلاد

حتى اليوم ، لا يزال اختفاء نيكولاس باركلي لغزاً غامضاً ، يمكن القول أنه تبخّر بكل ما تحمله الكلمة من معنى ، لكن لدى السلطات سبب للاشتباه في أن شقيق باركلي ، جيسون ، بأنه لم يره حقًا يحاول اقتحام المرآب بعد ثلاثة أشهر من اختفائه.
كانت هناك اشتباهات أخرى ملحوظة حول جيسون ، فعندما وصل فريديريك إلى عائلة باركلي (بصفته نيكولاس المفقود) . كانت العائلة جميعها بانتظاره ، لكن جيسون لم يكن كذلك . حيث أنه جاء أخيرًا لرؤية شقيقه -المزيف- بعد شهر ونصف من العثور عليه ، وحتى عندما جاء لزيارته ، لم تكن تصرفاته طبيعية ، فعلى الرغم من أنه عانق فريدريك أمام الجميع ، إلا أنه بدا متوتراً . وبعد أن أهدى بوردان صليباً ذهبيّاً ، غادر جيسون على عجل ولم يعد ليرى اخيه مرة أخرى . 

ولذلك بعد القبض على بوردان ، قامت عميلة مكتب التحقيقات الفيدرالي ” نانسي فيشر ” باستجواب جيسون وأصبحت تشك في أنه لعب دوراً في اختفاء شقيقه . تشتبه فيشر أيضًا في أن والدة نيكولاس باركلي ، بيفرلي دولارهايد ، قد تكون متورّطة أيضاً ، بسبب اصرارها على أن فريدريك هو ابنها بالرغم من التناقضات الجلية من الناحية الخلقية في الشخصيتين .
انما بعد أسابيع قليلة من استجواب جيسون من قبل فيشر والمحقق الخاص تشارلي باركر ، توفي بسبب جرعة زائدة من الكوكايين.
وبموت جيسون ، اختفى طرف الخيط الذي ظهر من المجهول بظهور بوردان ، و اختفى قبس الأمل في حل قضية اختفاء نيكولاس باركلي .

بعد قضاءه لخمس سنوات في السجن ، تم ترحيل فريديريك بوردان إلى فرنسا مرة اخرى في أكتوبر 2003 ، ولمّا كانت له فرصة ليبدأ حياته من جديد ، قرر فريدريك أن حياته المبنية على الاحتيال و الدجل لم تنتهي بعد .

في عام 2003 ، تظاهر بوردان بأنه شاب يبلغ من العمر 14 عاماً و اسمه “ليو بالي” . و في عام 2004 ، كان يتيمًا اسمه روبن سانشيز إسبينوزا . وفي عام 2005 ادّعى ان كان يبلغ من العمر 15 عامًا ، حيث ذهب إلى مأوى للمراهقين وكان اسمه فرانسيسكو هيرنانديز فرنانديز ! .

blank
فرانشيسكو هيرنانديز فيرنانديز أو فريدريك بوردان

يقول بوردان أنه ادعى باستمرار بأنه يبلغ من العمر 14 عامًا تقريباً .

” أن أبدو في سن صغيرة ، فهذا يعني اهتماماً أكبر ، الصغار غير البالغين دائماً يجدون معاملة افضل ، وأيضاً قدرتي على جعل صوتي يبدو أصغراً ، بالتوافق مع جسدي النّاعم ، ساعدني دائما على اتقان ما افعله ، وتصديق الناس المستمر لي . “

بحلول عام 2005 ، كان بوردان يبلغ من العمر 31 عامًا و قد أصبح أصلعاً ، مما يعني أنه أصبح من الصعب الحفاظ على هويته كمراهق صغير . و بصفته فرنانديز البالغ من العمر 15 عاماً ، كان بوردان دائمًا ما يغطي رأسه ، بالإضافة إلى الادعاء بأنه فقد عائلته في حادث سيارة . كما ادعى أن حادث السيارة ترك له ندوباً على رأسه ، ولهذا السبب لم يكن يخلع قبعة الرأس أبداً .

انتهى الأمر ” بفرانشيسكو هيرنانديز فيرنانديز” ليكون الهوية الزائفة الأخيرة لفريديريك بوردان لأنَّ بعدها تم وضعه في ملجأ “سانت فنسنت دي بول ” بالقرب من” باو” في فرنسا ، ومن ثم التحق بوردن في” كولاج جان مونيه ” ، وهي مدرسة ثانوية محلية . هناك حيث أقام صداقات متعددة ، و أعمقها كانت مع الطالب رافائيل بيسوا دي ألميدا ، وسرعان ما وجد بوردن مكانًا لنفسه بين الأطفال الآخرين .

blank
غطى رأسه لكي لا يكتشفوا صلعه ..

استمر ذلك الخداع لمدة شهر . ولكن في 8 حزيران (يونيو) 2005 ، أبلغت مديرة المدرسة أنها شاهدت عرضاً تلفزيونياً عن رجل فرنسي بالغ اشتهر بانتحال صفة الأطفال وأصرت على أن فرنانديز يشبهه تماماً .

عندما وصلت الشرطة وقيدت يديه ، أزالوا قبعته أخيراً ، وكشفوا عن رأسه الأصلع بدلاً من الندوب . في تلك اللحظة ، ورد أن صوت بوردان تحول إلى طبيعته الخشنة البالغة وقال: “أريد محامياً”.

إقرأ أيضا: أطبّاء مغتصبون ، قصة الطبيب المحتال

مرة أخرى حُكم على بوردن بالسجن لمدة ستة أشهر مشروطة ، بتهمة التزوير و الانتحال . جعلت تلك الحادثة من فريدريك ، شخصاً مشهوراً ، بصفته أكبر محتال متسلسل في تاريخ فرنسا ، وربما أوروبا ، ولكن على الرغم من أن هذه الدعاية أدت إلى نهاية مسيرته المهنية كمحتال ، إلا أنها جمعته بزوجته أيضاً ، والتي كانت قد شاهدته على شاشة التلفزيون ، وتزوجها في عام 2007 . و لديهما الان خمسة أطفال .

يدعي فريديريك بوردان طوال حياته أنه ابتكر ما يصل إلى 500 هوية مزيفة مختلفة لنفسه . وكانت أغلبها لمراهقين حقيقين ابلغ عن فقدانهم .

في عام 2012 ، أخرج بارت لايتون فيلمًا وثائقيًا بعنوان :
(Bourdin … ” The Imposter)
والذي تضمن مقابلات كل من بوردان وأفراد من عائلة نيكولاس باركلي . ومع ذلك ، يركز الفيلم بشكل عام على عائلة باركلي أكثر من التركيز على تاريخ بوردان الشخصي.

blank
فريدريك بوردان مع أطفاله

حتى عام 2021 ، كان فريدريك بوردان لا يزال بين زوجته و أطفاله ، وعندما سُئل إن كان سينطلق برحلة احتيال جديدة قال :

” افتقد حياتي القديمة فعلاً ، ربما كنت محتالاً ، لكني كنت ارسم السعادة حتى ولو كانت مزيفة على العائلات التي تلتقي بابنها بعد غياب طويل ، صحيح أن رحلتي كان مقصدها البحث عن المكان المثالي للحياة ، لكن العديد من المواقف الانسانية الجميلة ، كنت قد استطعت ان اساهم بها ، الان لدي زوجة و أطفال ، انهم كل شيء بالنسبة لي ، وطالما ان الانتحال سيبعدني عنهم ، فسأظل أبتعد عنه .. “

ملاحظة :جميع حقوق المقال محفوظة لموقع كابوس ، لا يحق لأي شخص كان النقل الحرفي او المرئي للمقال المنشور دون اذن مكتوب من ادارة الموقع ، وتترتب المسائلة القانونية المنصوص عليها على كل مخالف للتنبيه المذكور .

المصدر
grungeimdbmubiWikipediaكلمة مفتاحية : FRÉDÉRIC BOURDIN

مقالات ذات صلة

اشتراك
اشعار
guest
ضع بريدك اذا اردت استلام اشعار بالنشر
36 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
36
0
التعليق مفتوح للجميع .. رجاءا اسمعنا رأيكx
()
x