الفيلسوف

فضيلة الكذب.. شيء من الصدق عن الصدق

بقلم : وليد الشهري – المملكة العربية السعودية
للتواصل : [email protected]

الكذب في بعض الحالات، من أقدس الواجبات
الكذب في بعض الحالات، من أقدس الواجبات

الصدق قيمة أخلاقية عليا قولًا واحدًا، ولا تكاد تجد من ينبذ الصدق ويذمّه بين الكذّابين الذين يحاربون الصدق عمليًّا فضلًا عن غيرهم، لكن لو نظرنا إلى الأمر بشكل موضوعي صارم، ألن تكون الدعوة إلى الصدق المطلق في كلّ شيء وتحت أي ظرف تنطوي على مثاليّة زائفة يتعذّر تحقيقها على أرض الواقع؟! ألسنا نمارس شيئًا من الكذب حين نضطر إلى مجاملة أحدهم بشأن ذائقته السيئة – مثلًا – حفاظًا على مشاعره؟! ولو ذهبنا في الحكم على ذائقته إلى أبعد مدى ممكن من الصدق، لأصبحنا في عداد الوقحين الذي لا يكترثون بمشاعر الآخرين، وبما أنّ الوقاحة تكون صادقة في مقابل المجاملة الكاذبة، فأيّهما أفضل بالنسبة لنا؟!

هل نفضّل أن يجاملنا الناس حتى ولو أغرقونا بالأكاذيب؟! أم نفضّل أن يكونوا صادقين معنا وإن صاحب ذلك الصدق شيء من الوقاحة القاسية؟! في الحقيقة، على الرغم من أن التنظير قد يرجح بكفّة التفضيل الثاني، إلّا أنّ كثيرًا منّا – ولا أقول معظمنا – يفضّل المجاملة والمداهنة حتى وإن كان يعلم يقينًا بأنّه لا يستحقّها، فهي الخيار الأكثر قبولًا بالمقارنة مع وطأة الصدق الشديدة على النفس، فالحقيقة دائمًا ما تكون مؤلمة!

بالحديث عن الصدق، ما زلت أتذكّر تلك القصة التي تكرّرت على مسامعنا في مراحل الدراسة الأولى، والتي ينبغي أن يتعلّم منها الطالب أنّ الصدق منجاة، وهي قصة الحطّاب الذي أشار على شاب طلب منه مكانًا للاختباء عن مجموعة تطارده وتحاول قتله بالتخفّي بين أكوام الحطب، وأثناء محاولة تعقّب تلك المجموعة لطريدها المختبئ، مرّوا بالحطاب لسؤاله عمّا إذا كان قد شاهده أو يعرف مكانه، فأجابهم بصدق يتجاوز حدود الوقاحة إلى ما يبدو في ظاهره غدرًا وخيانة، حيث أخبرهم بمكان اختباء الشاب، وكل ما عليهم هو التفتيش عنه في ذلك المكان لإيجاده، إلّا أنّهم لم يصدّقوه، وظنّوا أنّه يريد تضليلهم، فتركوه وانصرفوا، ثم أخذ الشاب يعاتب الحطاب على ما فعل، فأخبره الحطاب أنّ الصدق منجاة دائمًا!

السؤال الذي يفرض نفسه هنا: ماذا لو أنّ تلك المجموعة قرّرت أن تأخذ كلام الحطّاب على محمل الجدّ، وذهبت للبحث عن طريدها بين أكوام الحطب؟! بمعنى آخر: هل كان الحطّاب متيقّنًا من أنّ صدقه في ذلك الموقف سيؤدّي قطعًا إلى النجاة؟! لا أعتقد ذلك، وإنّما يبدو أنّه جازف بقول الحقيقة كنوع من التضليل لتلك المجموعة، ولو أنّهم صدّقوا إجابته، لما كان للحكمة التي أراد الحطاب إيصالها إلى الشاب أن تتم، لأنّهما سيصبحان في عداد الأموات قبل ذلك!

ماذا لو أصبحنا عاجزين عن الكذب بأي طريقة كانت ولو على سبيل المجاملة اليسيرة، ولم يعد أمامنا سوى قول الصدق بكل وضوح كما نتحدّث به بيننا وبين أنفسنا؟! ما أتخيّله هو حالة من القطيعة بين الناس والفوضى العارمة في المجتمع، تخيّل لو أنّك أصبحتَ قادرًا على مقاطعة مديرك الذي يهتبل كلّ فرصة ممكنة للحديث عن إنجازاته ومآثره قائلًا: “لا تحاول إقناعي أنّ شخصًا ببلاهتك استطاع تحقيق كلّ ذلك!”. أو باتت لديك القدرة أن تصارح جارك بقولك: “ما أروع ذاك الشعور الذي سينتابني حين أعلم بانتقالك من هذا الحي”. أو تقول لابنك الصغير الذي جاء يطلب رأيك في رسوماته التي يعتقد أنّها إحدى معجزات عصره: ” لا تحضرني الكلمات التي تضاهي بشاعة رسوماتك يا بني”.

ما أريد قوله، هو أنّ الصدق مهم وضروري، لكنّنا لا نكون صادقين حين نزعم بأنّنا نتحرّى الصدق طوال الوقت، وطالما أتيح المجال لشيء من “الكذب الأبيض” الذي لا يترتّب عليه إضرارًا أو استغلالًا أو تضليلًا لأحد، ولأهداف نبيلة كالحفاظ على مشاعر الآخرين، ودون مبالغة، فلا إشكال في هذا، مع الحرص على قول الحقيقة بألطف أسلوب قدر الإمكان، خصوصًا فيما لا يحتمل الاكتفاء بالمجاملة فقط، فيكون مدعاة إلى الغرور الفارغ والتقاعس والتكاسل عن التطوير والتحسين. حتى أنّ الإسلام قد أباح الكذب في بعض المواطن والحالات تفاديًا للتداعيات السيئة التي قد تقع بسبب الصدق أحيانًا. علمًا بأنّ ما سبق لا يشمل من كان الكذب عادةً له على كل حال، فهو يكذب بسبب ودون سبب، بل يستخدم الكذب أحيانًا للوقيعة بين الناس أو تبرير أفعاله السيئة، وإن رضي عن الآخر امتدحه بما ليس فيه، وإن سخط عليه ذمّه بما ليس فيه، وقد يصل الحال ببعضهم إلى الكذب المَرَضي، وهو اضطراب نفسي يُعرَف بـ (mythomania) أو “هوس الكذب”. وعلى كل حال، إن كنّا ننشد الصدق المطلق التام في كل شيء، فينبغي أن نكون كذلك مع أنفسنا أوّلًا.

في الختام..
أتّفق مع لابيش إذ يقول: “الكذب في بعض الحالات، من أقدس الواجبات”. ولا يكاد يوجد من اتّخذ الصدق عادةً له في كلّ أمر وتحت أي ظرف ومع كلّ أحد، ومن زعم أنّه كذلك فإنّ زعمه ذاك هو كذبةٌ إضافيّة لا غير، ولن نجانب الصواب إذا قلنا أنّ الكذب أحيانًا قد يمثّل كفّة الخير في موازين الأخلاق، ولا يبقى للصدق إلّا كفّة الشرّ.. هذا هو الصدق.. دمتم بخير.

تاريخ النشر : 2021-07-06

وليد الشهري

السعودية

مقالات ذات صلة

32 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى