غرائب العشق والغرام

فيكتور نوير : قصة التمثال الذي تتحرش به نساء باريس!

بقلم : اياد العطار
[email protected]

في العادة ، إذا حدثت واقعة تحرش في مكان عام وأمام جمع من الناس ، خصوصا إذا تم تصويرها والتقطتها عدسات الكاميرات ، فمن المؤكد أننا سنسمع عنها ، ولعلها تتحول إلى قضية رأي عام ، وتجد طريقها إلى الصفحات الرئيسية للمواقع وصفحات التواصل الاجتماعي وشاشات التلفاز وتغدو موضوعا دسما للجدل وشعارات حقوق الإنسان والدفاع عن الحريات الخ ..

لكن في باريس ، هناك شاب يتعرض للتحرش الجنسي يوميا بلا هوادة ، وقد تعرض عبر السنين للتحرش آلاف .. لا بل ربما عشرات آلاف المرات ، من قبل نساء من جميع الأعمار والمشارب، ومن دون أن يسمع عنه أحد ولا ينبري مناضلو الحرية والمساواة وحقوق الإنسان للدفاع عنه وحمايته ، وحتى الشرطة لا تهتم لأمره .. ولا هو أصلا قادر على الشكوى أو الذب عن نفسه!

فمن يكون هذا المسكين يا ترى؟

أسمه فيكتور نوير ، أجزم أنك لم تسمع عنه ، ولا حتى أنا! لأنه عندما كان حيا لم يكن سوى نكرة ، مجرد صحفي متدرب مغمور أتى إلى باريس حالما بالمجد والشهرة .. وقد حصل عليها فعلا ، لكن في القبر!

عام 1870 كانت باريس ، وفرنسا بأسرها ، تغلي ، كانت هناك نقمة شعبية تراكمت عبر سنوات من حكم نابليون الثالث الذي توج إمبراطورا لفرنسا عام 1852. وقد دأبت صحف المعارضة ، خصوصا تلك المؤيدة لإقامة جمهورية فرنسية جديدة ، على انتقاد الإمبراطور وحاشيته وطبقة النبلاء ، وكان أحد هؤلاء النبلاء رجل يدعى الأمير بيير بونابرت ، أبن عم الإمبراطور ، كان ثوريا في السابق لكن ما أن توج أبن عمه إمبراطورا حتى بدل جلده وأصبح ملكيا للنخاع ، فنبذه الثوريون والجمهوريون على الفور.

بيير هذا لا يذكره الناس بسبب تقلباته السياسية ولكن لكونه قاتل بطل قصتنا .. فيكتور نوير .. فدعونا نعرف القصة على عجالة ..

ذات يوم ، استشاط الأمير بيير غضبا بسبب مقال ينتقد الملكية منشور في إحدى صحف المعارضة ، كان غاضبا لدرجة أنه دعا صاحب الجريدة إلى مبارزة علانية ، الأمر الذي أثار غضب صاحب جريدة أخرى فانبرى هو لمنازلة الأمير ،  وطبقا لأعراف ذلك الزمان كان يجب الاتفاق أولا على مكان وزمان المبارزة ونوع الأسلحة المستخدمة ، فكان كل واحد من أطراف المبارزة يرسل رجلين من أصحابه أو أتباعه للاتفاق على هذه الأمور مع رجلين من أتباع الرجل الآخر ، وقد أرسل صاحب الجريدة اثنان من الصحفيين المتدربين لديه من اجل الاتفاق على شروط المبارزة ، أحد هذين الصحفيين الذين ذهبا إلى منزل الأمير كان شابا في الثانية والعشرين من عمره يدعى فيكتور نوير.

blank
مات قتيلا بطلق ناري وهو في سن 22 عاما

الآراء متضاربة حول ما جرى خلال اللقاء ، لكن يبدو أن شجارا نشب بين الأمير و نوير ، مما حدا بالأمير إلى أن يخرج مسدسه ويطلق النار على نوير ليريده قتيلا في الحال.

هذه الواقعة أثارت سخطا شعبيا عارما ، فقد تحولت بنظر الناس إلى مواجهة بين الملكية والجمهورية ، حتى أن مائة ألف إنسان شاركوا في تشييع جنازة نوير.

لاحقا تمت تبرئة الأمير على أساس أن نوير هو من أستفزه أولا ، الأمر الذي أثار حنق الناس أكثر .. لكن هذا الغضب الجماهيري لم يدم طويلا ، فالملكية انهارت عندما زحفت جحافل بروسيا الفتية لتدك أركان فرنسا الإمبراطورية وتحتل باريس عام 1870 ، لينتهي بذلك حكم الإمبراطور نابليون الثالث ويبدأ عهد الجمهورية الفرنسية الثالثة.

فيكتور نوير دفن أولا في مقبرة نويي سور سين ، ولاحقا تم نقل رفاته ، عام 1891 ، إلى مقبرة بير لاشيز ، أكبر مقبرة في باريس وفرنسا بأسرها ، بل وأشهر مقبرة في العالم حيث يضم أديمها رفات بعض أعظم وأشهر الشخصيات في تاريخ فرنسا وأوروبا ، ويبلغ عدد زوارها 3.5 مليون سائح سنويا.

إعادة دفن نوير كان سببا في شهرته ، ليس كضحية للإرهاب السياسي أو مناضل من أجل الحرية .. بل كرمز للخصوبة والجنس!!.

لكن كيف حدث هذا ، ولماذا؟ ..

إليكم السبب ..

blank
قام النحات بصنع تمثال بالحجم الطبيعي يجسد لحظة موته

عند إعادة دفن نوير في مقبرة بير لاشيز ، تطوع احد أشهر نحاتي ذلك العصر لعمل تمثال من البرونز بالحجم الطبيعي لفيكتور نوير ، وقد تم نصب هذا التمثال فوق قبر نوير ، وهو يصور لحظة إصابة نوير بالرصاصة القاتلة وسقوطه أرضا مضرجا بدمائه ..

الغريب في هذا التمثال ، والذي كان سببا في شهرته ، هو تفصيل صغير جذب انتباه الجميع ، ولا يعلم أحد هل تعمد النحات في إبراز هذا التفصيل أم أنه حدث سهوا و عرضا .. وهذا التفصيل يتمثل في بروز واضح في أعلى بنطال فيكتور نوير كأنه تجسيم للعضو الذكري.

هذا البروز كان سببا للشهرة الواسعة والأسطورة الغريبة التي حضي بها التمثال حتى أنه أصبح محجا لنساء باريس!

تقول الأسطورة ،  بأن وضع وردة مقلوبة في قبعة نوير ثم مسح عضوه الذكري باليد سيزيد من خصوبة المرأة ويجعلها تتمتع بحياة جنسية رائعة ، وإذا أرادت الحصول على حبيب أو زوج وسيم فعليها تقبيل شفتي التمثال ، أما إذا أرادت أن تنجب طفلا فعليها أن تدعك فردة حذائه اليمنى ، وإذا كانت ترغب في إنجاب توأم فيجب عليها أن تدعك فردة حذائه اليسرى! ..

blank
من كثر تعرضه للتقبيل واللمس صارت بعض اجزائه تلمع!

قد يظن المرء بأن من الجنون أن يصدق أحد هذه الأسطورة ، خصوصا في بلد متطور ومتعلم مثل فرنسا ، لكن نظرة سريعة إلى تمثال نوير ستجعل الإنسان يغير رأيه فورا.. فالتمثال مغطى بالصدأ بالكامل ما عدا المناطق أو الأجزاء التي تقول الأسطورة أنها خارقة مما يدل على أنها مسحت ودعكت دون توقف على مر السنين.

لا بل وأزيدكم من الشعر بيت ، فقبل عدة سنوات أعترض البعض على هذه الأسطورة ورأوا فيها انتهاكا لحرمة الرجل الميت فقررت إدارة المقبرة وضع سياج حول التمثال لمنع الوصول إليه ، هذه الخطوة أثارت انتقادات حادة من النساء والمنظمات النسوية في فرنسا إلى درجة أن إدارة المقبرة تراجعت عن قرارها ورفعت السياج.

ختاما ..

قد يظن المرء أن هذه الأمور لا تحدث في أوروبا والعالم المتطور ، أي التعلق بتمثال أو قبر لطلب أمنية أو تحقيق معجزة ، لكن لا تستغرب عزيزي القارئ فثنائية اليأس والرجاء تدفع الناس لفعل أشياء مجنونة ، كتلك الطبيبة المثقفة التي أعرفها والتي لجأت إلى مشعوذ من أجل تحقيق أمر تافه لا يستحق حتى أن أذكره ، وذلك الصديق المثقف الذي يؤمن بالأبراج .. وغيرهم كثير .. إن الأمل قد يدفعنا أحيانا للقيام بأمور غبية ومتهورة ، ولا أرى شخصيا بأسا في ذلك ، فذلك أفضل بكثير من أن تمضي الحياة بلا أمل. ..

المصدر
Victor NoirThe bizarre fame of Victor Noir

مقالات ذات صلة

اشتراك
اشعار
guest
ضع بريدك اذا اردت استلام اشعار بالنشر
39 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
39
0
التعليق مفتوح للجميع .. رجاءا اسمعنا رأيكx
()
x