تجارب ومواقف غريبة

في السكن الجامعي .. قصة أغرب من الخيال

بقلم : جمال الحفني – مصر

هناك شبح بالشقة من يقلد اصواتنا و يفتعل المشاكل
هناك شبح بالشقة من يقلد اصواتنا و يفتعل المشاكل

 
قد يبدو لك ما ستقرأه الأن غريباً بعض الشيء و لا يصح تواجده سوى في القصص الخيالية ، و لا يمكن تزيينه من الأعلى بعبارة ( قصة حقيقية )  ، و لكن هذا ما حدث بالفعل ، و لكم مطلق الحرية في التصديق من عدمه .
 
بينما نحن جلوس نتبادل أطراف الحديث إذ ساقتنا الكلمات إلى عجائب الأخبار و نوادر القصص ، طبعاً بعضكم قد عرفها فهي قصص الأشباح والعفاريت كما يسمونها ، كل واحد منا أخرج من جعبته ما يتذكره من قصص و حكايات سمعها من قبل ، سواءً قصها عليه والده أو جده أو ربما صديقه حتى ، و هيمنت تلك القصص على الجلسة برمتها ،

و ما إن ينتهي أحدنا حتى يبدأ الأخر بقصة جديدة ، فسيطر علينا التشويق و المتعة أكثر من ذي قبل ، و عند كل قصة نصمت جميعاً و نسلم للقاص مخيلتنا ليعبث بها كيف شاء ، و يرسم فيها ما يريد من أحداث ومغامرات ، و الحقيقة  أن جميعنا بلا استثناء لم يعرف الكذب عن أحد منا ، فكانت أي نادرة تُقال نصدقها تماماً و لا نشك في صحتها قيد أنملة ، ملخص ما حدث كي لا أطيل عليكم فيشعر أحدكم بالملل والرتابة و يترك القراءة ، اعتدل ممدوح في جلسته و هو أكبرنا سناً و أكثرنا سفراً و ترحالاً و ذلك لطبيعة عمله ، ثم أشار لكريم و هو أول من يجلس على يمينه و قال :

 
– حسناً ، بعد كل هذا ، هل تؤمن بوجودهم ؟.
 
ارتبك صديقنا لذلك السؤال المباغت و قال بعد أن حك في رأسه قليلاً :
 
– نعم ، أؤمن بوجودهم ، و لكن قديماً ، أما الأن فلا أظنهم متواجدين مثل ذي قبل ، فكما ترى العمران والإضاءة …..
 
قاطعه ممدوح و قال ” أريد إجابة فقط نعم أو لا “.
فأجاب صيقنا بعد برهة من التفكير ” نعم “
 
بعدها أشار ممدوح بإصبعه لصديقنا التالي بدون أن ينطق فالسؤال معروف سلفاً وهو فقط ينتظر إجابته والتي كانت نعم ، أكمل الدائرة فأشار للتالي والتالي حتى وصل إلي ، فقلت على الفور : بالتأكيد هم حولنا ، و هكذا حتى انتهى منا جميعاً و كانت أغلبية الإجابات بنعم أؤمن.

حينها ظهرت ابتسامة صغيرة على طرف شفتي ممدوح و سرعان ما وأدها ثم قال :
– حسناً ، سأخبركم بقصة حدثت معي شخصياً أنا و رفيقي في السكن ، و ذلك عندما كنا في السنة الثالثة من الجامعة ، أي من حوالي خمس سنوات ، استأجرت أنا و صديقي إسماعيل شقة صغيرة و قررنا ألا نشرك معنا أحد ، على الرغم من سعرها الغير مناسب للقسمة على شخصين فقط ، و لكن في المقابل سننعم بالهدوء والسكينة و خاصةً أثناء المذاكرة ،

الشقة بسيطة جداً و مكونة من غرفتين فقط ، تفصل بينهما صالة كبيرة إذا ما قورنت بالغرفة ، الأثاث متواضع جداً ، و في كل غرفة يوجد سريران ، سكن كل منا في واحدة و ملأ بها أمتعته و كانت الأمور تمشي علي ما يرام أثناء أيامنا الأولى ، بعدها بدأ شيء غريب يحدث معنا ، فكنت عندما أتجهز للذهاب للجامعة لا أجد إسماعيل قد استيقظ بعد ، و هذه ليست من خصاله فهو يتسم بالنشاط دائماً و هذه ليست من خصاله ، فكنت أقرع باب حجرته لعله متعب من المذاكرة و لم يفلح منبه الهاتف في إيقاظه ، و كنت أسمعه يرد و يقول ” أنا مرهق اليوم و لن أذهب للجامعة ، أتركني لأنام قليلاً و أذهب أنت “.

كل هذا يبدو عادياً ، أما غير العادي فهو عندما أذهب للجامعة كنت أراه هناك طبيعي جداً و لا تظهر على عينيه أثار النوم حتى ، متى استيقظ و أرتدى ملابسه و وصل للجامعة قبلي ؟ لا أدري !.

 
تكرر ذلك الأمر معي عدة مرات حتى فاض بي الكيل و قررت أخيراً مواجهته ، و لماذا عندما أطرق باب حجرته فيخبرني بأنه لن يذهب معي و عندما أصل أجده أمامي ، هل يبغض مرافقتي للجامعة ؟ و إن كان الأمر كذلك فلماذا سكن معي من البداية ، أم أن هناك سر ما يخفيه عني و يجعله يذهب بمفرده كل يوم ؟ سألته و ليتني لم أفعل ! لأنه أنهال علي بكم لا مثيل له من التوبيخ وفاض به الكيل هو الأخر و قال : بأنه كان يطرق باب حجرتي لعدة أيام ليوقظني لصلاة الفجر فأخبره بأني متعب ولا أستطيع ، و عندما يذهب للمسجد يجدني هناك ! حينها و فقط تيقنت بوجود شيء ما يسكن معنا و هو السبب الرئيسي فيما يحدث .
 
أخبرت إسماعيل أنا أيضاً بما حدث معي و كيف أنني أحاول إيقاظه كل صباح للذهاب للجامعة سوياً فيأتيني صوته من خلف الباب ليخبرني بأنه لن يذهب ، ثم أجده قد سبقني إلى هناك ، ففوجئ مثلي هو الأخر و لاذ كل منا بالصمت يفكر فيما حدث و ماذا سيفعل ؟.
 
أسرع كريم يقول ، بعد أن أنهى ممدوح كلماته :
 
– بالطبع تركتم الشقة ، ليس هناك حل غيره ؟.
– لا ، لم نتركها ، بل أكملنا فيها عامنا الدراسي بالكامل .
 
بصراحة و صدق جملة ممدوح الأخيرة جعلت أفواهنا جميعا تتدلى على أخرها من أثر الذهول و الصدمة بين مصدق ومكذب ! وللأسف لم يكن الكذب من صفات ممدوح .
 
حاولت أنا إعادة الأمور إلى مسارها فقد بلغ بي التشويق حده و سألت ممدوح بلهفة عما حدث بعد ذلك ؟ فقال مبتسماً :
 
– لا شيء ، و لحسن الحظ أن إسماعيل لا يعرف الخوف مثلي ، فتأقلمنا على الوضع و أصبح الموضوع لذيذاً بعض الشيء ، و حاولت بعدها التحدث مع من يسكن معنا عدة مرات دون جدوى ، و كنت أنتظر ذهاب إسماعيل للجامعة و أنا ماكث في غرفتي متأكد تماماً أنه خرج و أسمع صوت إغلاق الباب فأخرج محاولاً التمثيل بأني استيقظت للتو ثم أطرق حجرته فيأتي صوت ذلك الشيء من خلف الباب ، و أثناء حديثه وتقليده نبرة إسماعيل أفتح الباب مسرعاً علّني أراه فيصمت قبل أن ينهى كلماته ولا أرى شيئاً ، ضحك إسماعيل ضحكات عالية و تابع ، إلى أن زارنا أحد أصدقاء الجامعة و هو من سكان البلدة كان يتسكع بالقرب إلى أن سرقه الوقت ولم يجد وسيلة مواصلات تعيده فقرر أن يقضي ليلته معنا .
 
نسيت أن أخبركم بخصوص اليوم الذي يسبق زيارة صديقنا ، فقد ذهبت أنا وإسماعيل لزيارة صاحب الشقة ، كنا نعرف عنوان منزله بعد أن ذهبنا مع سمسار الشقق في المرة الأولى لنتفق على كل ما يخص الإيجار .
 
استقبلنا الرجل استقبالاً حسناً و إن كانت نظرات الشك واضحة جلية على قسمات وجهه ، و بعد الكثير من السلامات والسؤال عن مجريات الأمور وغيرها إلى أن قررت أنا فتح الموضوع الذي جئنا من أجله ، فقلت :
 
– بصراحه لقد جئناك لأمر هام يخص الشقة ، حقاً لا أعرف من أين أبدأ ، ظهرت علامات الشك على وجه الرجل أكثر من ذي قبل و إن امتزج بها بعض القلق و قال أخيراً :
 
– خير إن شاء الله .
– قبل كل شيء نحن لن نترك الشقة و نكابد عناء البحث عن واحدة أخرى من جديد ، حدثت معنا أشياء غريبة أثناء هذه الفترة القليلة التي قضيناها فيها و نريد أن نجد عندك تفسيراً لها .
 
ظهرت بعض علامات الطمأنينة على وجه الرجل بعد سماع جملتي الأولى و راح يقول :
 
– بصراحة يا بني أنا لا أعرف تحديداً ماذا يوجد هناك ، و لكني أصدقك القول بوجود أمور غريبة و هذا كان سبباً أساسياً لتركي لها أنا وأسرتي ، صدقني لو كان الأمر عائداً لي فقط لما تركتها واستأجرت الشقة التي أنا بها الأن ، و لكني فعلت ذلك بعد إلحاح أطفالي فقد عانوا مما كان يحدث معهم و رفضوا البقاء فيها .
 
بعد كلمات الرجل الأخيرة أغلقنا الباب حول هذا الموضوع و تطرقنا لأمور أخرى كالدراسة وبعض الأمور السياسية وغيرها ثم غادرنا متجهين إلى شقتنا .
 
في اليوم التالي كما أخبرتكم زارنا صديق كان يتسكع بالقرب من منطقتنا فسرقه الوقت و قرر أن يقضي ليلته معنا ، عرضنا عليه أن يبيت مع أحدنا في غرفته و لكنه رفض ذلك معللاً بأن لديه مكالمة هاتفية ستستغرق منه بعض الوقت و سيبيت ليلته في الصالة على الكنبة مشاهداً التلفاز ، وهذا ما حدث ، ذهب كل منا إلى غرفته لينام فلم نعتد السهر على الرغم من أنها ليلة الجمعة و لسنا مقيدين في الغد بمحاضرات أو مواعيد أو خلافه ،  و لكن هذا ما كان .
 
في اليوم التالي استيقظنا أنا وإسماعيل متأخراً بعد أن أخذ كل منا غايته من النوم ، حاولنا إيقاظ صديقنا حتى لا تفوته صلاة الجمعة فباءت كل محاولاتنا بالفشل إذ يبدو أنه ظل مستيقظاً حتى وقت متأخر بالأمس ، فتركناه وذهبنا نحن ، أنهينا صلاة الجمعة وعدنا للمنزل ، فتح إسماعيل الباب فوجدنا صديقنا هذا جالساً على الكنبة بيده سيجارة و كوب من الشاي ، و ما إن راّنا حتى رمى كل شيء بيده و سقط على الأرض وهو يزحف للوراء و نظرات الرعب تكسو وجهه و هو ينقل نظراته بيني وبين إسماعيل ويقول بصوت متهدج :
 
– كيف .. كيف هذا ؟ لقد استيقظت أثناء الخطبة و طرقت حجرة كل منكما وقلتم أنكم متعبون ولن تذهبوا للصلاة فأصابني الكسل أنا أيضاً ولم أذهب ، و من حينها وأنا لم أبرح مكاني هذا .. من .. من أنتما ؟.
 
نظرت أنا وإسماعيل لبعضنا البعض وابتسمنا .
 

تاريخ النشر : 2021-08-17

مقالات ذات صلة

37 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى