أدب الرعب والعام

في منفى حياتي

بقلم : تقي الدين – الجزائر
للتواصل : [email protected]

سيظل ذلك الرجل عالقاً في ذهني فقد كان أول حب فتح قلبي عيناه عليه
سيظل ذلك الرجل عالقاً في ذهني فقد كان أول حب فتح قلبي عيناه عليه

على طاولة بلاستيكية صغيرة انبثقت من الكرسي الأرجواني أمامها وضعت حسناء شريف كمبيوتراً محمولاً صغير و هي تتحرك بشيء من الامتعاض في محاولة للتخلص من ألم الظهر الذي سببه لها كرسي الحافلة القديم ، بخفة ضغطت على إحدى أزرار لوحة المفاتيح فظهرت على الشاشة صفحة بيضاء تأملتها للحظة و هي تغطي عينيها العسليتين بنظارات مربعة الإطار قبل أن تسترسل في الطباعة :

ها أنا ذا ذاهبة للرجل الذي رأيت فيه عالمي ، أو هكذا تخيلت ، فإن كانت حياتي محيطاً أزرقاً سأكون أنا تلك السفينة الجميلة التي لا تتحرك إلا بحضور قبطانها ، فقد كتبت سطور حياتي بريشة أولئك الذين لن يعيشوها ربما قبل ميلادي حتى و دفن الكتاب الذي وثق تلك السطور في مقبرة آمال مكفهرة ، منذ صغري كنت دوماً متيقنة كل اليقين أن الحياة لن تعتقني من قيودها الصدأة إلا بعد أن أترك أثراً فيها ، فالموت كان بالنسبة لي بداية إرث طويل تتناقله الأجيال على أحصنة الزمن و لم يكن سر ذلك الاعتقاد جمالي الأخاذ – على حد قول من رأوني – بيد أن ذلك سيكون سبباً وجيهاً لفتاة سطحية أخرى ، و لم يكن حتى التفاؤل الذي سكن أركان قلبي بل كان شعوراً فريدا بالحرية ،

شعور أنني قادرة على رسم ملامح دربي بنفسي ، بريشتي الخاصة على لوحة القدر التي سأضرب فوقها ألوانا تمتزج بسلاسة لتعطيني في النهاية عملاً فنياً أكون فيه الأنا التي لطالما أردت أن أكونها ، لكن كان للمستقبل رأي آخر ، فأعوام عمري بين منازل قريتنا الصغيرة تلاشت أمامي كما تتلاشى أوراق الشجر اليابسة أيام أكتوبر و وجدت نفسي في عامي العشرين  أحدق بحزن لشهادة تخرجي من الثانوية و قد أضحت بالنسبة لي مجرد ورقة أعود لها لأشم عبق زمن جميل راح و لن يعود و أقول بحزن في قرارة نفسي :

– كم تمنيت لو عرفت أنني في الماضي الجميل قبل أن أغادره .

فتقاليد مجتمعنا الصغير تحرم ذهاب الفتاة للجامعة و تحكم عليها حكماً جائراً بالزواج من رجل يختار لها دون أن تراه ، و قد قيل لي من قبل أمي التي ورثت عنها روح التفاؤل الذي انعكس على الابتسامة التي لا تفارق محياها أنني سأزف لأثرى رجل في القرية في محاولة منها لجعل سجني يبدو قفصاً ذهبياً ، و هناك أدركت أن أيامي الوردية ستتحول عما قريب لأيام رمادية تعيسة شبيهة إلى حد كبير بطقس ذلك اليوم الذي حضر فيه ” هو ” ،

للوهلة الأولى ظننت أنه زوجي الموعود ، لكن الملابس البسيطة على جسده الهزيل حكت قصة مخالفة و يدا أبي اللتان كانتا تومآن بحركات مختلفة من تحت برنوسه الأبيض الشبيه بتلك اللحية الضخمة التي غطت ملامحه الحادة أظهرت لي أنه أصم ، لكني لم أعطي ذلك اهتماماً أكبر من اهتمامي بهوية هذا الشاب الغريب الذي لم يشبه في تفاصيله سكان القرية ، فقد كان أشعث الشعر ، كثيف الحاجبين ، أسود العينين و عريض الفك ، و بدا كأن أمي قد قرأت الفضول في بريق عيني و أنا أحدق له ، فقالت مبتسمة :

– هذا جبران ، ابن عمك صلاح الدين من المدينة و قد دعاه والدك ليقضي بضعة أيام معنا .
لم أكن حقاً قريبة من عائلتي فاجتماعاتهم الصاخبة بأحاديثها الخاوية المتداخلة لم تستهويني ، لذا لم أكن أملك و لو سراب فكرة عنه و ما كان لي من حل آخر في تلك اللحظة غير أن أصافح يده و أقول بسذاجة :

– مرحباً .

بصوت عال جعله يضحك قبل أن يرفع يده راداً التحية و مذكراً إياي بأنه فاقد لنعمة السمع ، تذكير لم يغادر بالي قط في الأيام القليلة اللاحقة التي كنت أحادثه فيها بين الحين و الآخر عن طريق كتابة الجمل على شاشة هاتفي ، فيرد هو بدوره بكتابة جمل على شاشة هاتفه و هكذا تسلقت سياج شخصيته و رأيت من خجله الكثير ، فقد كان يتحاشى النظر إلي و يتهرب حتى من الحديث معي أحياناً ، لكنني كنت قد وجدت فيه كل الصفات التي أحملها في زوايا روحي من أمل يجعله بشوشاً رغم حالته و كبرياء يجعله صامداً في مواجهة رياح الحياة العاتية ،

و قد حكى لي في احدى جلساتنا القصيرة عن ذلك الحلم الذي طالما أردت أن أعيش مغامراته و أن أغرق حتى النخاع في تحدياته قبل أن أنبثق منتصرة ، أخبرني عن الجامعة و عن أعداد الطلبة الهائل و الحافلات و الأساتذة و فن التعرف على الوجوه الجديدة ، ذلك الفن الذي لم أتقنه قط ، ذلك الفن الذي لويت مفاهيمه بحكم حاجتي لروح أنفس لها عن همي و حزني و ضغطي و أبشرها بفرحي و نجاحي و بالخطأ وجدت نفسي غارقة في دوامة حب شاب ذنبه الوحيد أنه أتى في وقت احتجت فيه لسند و لم أجد غيره .

 
بخفة نظرت حسينة للساعة السوداء على رسغها قبل أن ترفع عينيها محدقة عبر النافذة للطريق التي كانت تختفي خلفها ثم عادت للكتابة مجدداً :

و مثل منظر الطريق من نافذة حافلة مرت تلك الأيام الحلوة معه مجدداً بسرعة لم الحظها و في قلبي سر ينهشه ببطء ، وددت الاعتراف له و كتبت العشرات من تلك الرسائل التي نمحوها بعد أن نقرأ سذاجتنا بين حروفها ، و بين مطرقة ألمي و سندان أملي جاء يوم رحيله ، قلبي كان ينبض بقوة و التنفس أضحى صعباً علي فخيوط حبي له كانت تخنقني بعنف جعلني أذرف بضع دموع ساخنة سرت بها تجاه أمي التي كانت واقفة وقفتها الأبدية بين الزهور المزركشة لحديقتنا الخلفية التي كانت بمثابة أبنة أخرى لها و قلت دون تفكير :
– أنا أحب جبران و لا أريد الزواج من رجل غيره.

بظل صدمة على أفق وجهها سارت تجاهي و احتضنتني بقوة و هي تقول :

– إن موعد زفاف جبران ليس بعيد كثيراً عن موعد زفافك ، فقد خطب زميلة له في الجامعة منذ وقت طويل .

مثل الزجاج المحطم تبعثرت أحلام اليقظة التي بنيتها معه مثلها مثل الخيالات الأخرى التي شيدت عالماً موازياً في رأسي ، لكن مع ذلك الانكسار سطعت شمس اليقظة على جبال ضميري و أدركت أن الموقف هذا ما هو إلا مجرد خسارة من خسائر أخرى ستكون إن بقيت مكتوفة الأيدي ، و الله يشهد أنني قاومت مقاومة الشهيد دفاعاً عن وطنه فترجيت و صرخت و وقفت نداً للند أمام الجميع لكن سطوة المجتمع بعاداته كانت أكبر من سطوتي و خوفي من تلطيخ سمعة أبي وقف أمامي كشبح ضخم بظل أسود ، و أنا التي تربيت على تقديسه و احترامه فلم يبقى لي من حل غير البكاء ، بكاء رافقني كصديق حتى يوم زفافي و أنا أرتدي تنورة العروس البيضاء و الموسيقى الصاخبة التي طالما كرهتها تصم أذناي ،

كان ذلك اليوم أشبه بحداد على رفات حياتي التي ألقيت بها من سفح جبل الأحلام فتلاشى أمام عيني كل ذلك التخطيط ليوم مثل هذا اليوم و تناثرت تلك الرؤيا التي رأيت فيها نفسي أسير خارجة من منزلي رفقة الرجل الذي أحبه ، فيدي كان يمسكها شخص لم أرى فيه شيئاً سوى ملامح فارغة ، فراغ زواجنا الذي لم يدم سوى عامين ، و قد توقعت أن يكون أقصر من ذلك فلا أحد تجرأ أن يطلق سهم الحقيقة تجاه قلبي و يخبرني أن ذلك لن يكون زواجاً بل مجرد شراء رجل ثري لوجه جميل يفرغ فيه نزواته ثم يرميه .

 
عبر خدها شقت دمعة صافية طريقها فمسحتها لتنظر من تحتها لذلك الموقف الصغير الذي توقفت الحافلة أمامه و قد وقف عنده جبران و على ذراعه فتاة صغيرة تداعب شعره ، مطولاً حدقت له عبر النافذة دون أن يلاحظها ثم أشاحت بنظرها بعيداً حتى تحركت الحافلة مجدداً لتواصل كتابتها :

بعد عام من طلاقي سمع جبران بالخبر و قرر أن يعزمني لغداء لطيف مع زوجته لعلنا نكون أصدقاء على حد قوله ، لكن قلبي ما زال ينبض بشيء من الحب له و أخشى عليه من نفسي لكنني قوية ، لن أكذب حين أقول أنني تمنيت لو استطعت أن أريه مدى قوتي التي وطئت بها الخطوة الأولى في طريق أحلامي بعد استفاقتي من تلك الكبوة ، تمنيت لو استطعت أن أقول له أنني سأتمم دراستي و أني خرجت و رأيت ذلك العالم الذي حدثني عنه ،

سيظل ذلك الرجل عالقاً في ذهني فقد كان أول حب فتح قلبي عيناه عليه ، لكن الوقت كفيل بأن يداوي جراحا لن تكون للغير سوى تجربة في الحياة ، فأنا مجرد فتاة أخرى راحت ضحية المجتمع القاسي الذي ترعرعت فيه ، أنا مجرد أميرة في المنفى تبحث عن قطع من مستقبلها الذي عبث به ، ستأخذني رياح القدر لطرق مختلفة لكنني الآن مستعدة ، مستعدة لتلقي لكمات الخوف و الفشل و الخيبة ، فمن أطلال معاناتي ولدت أنا التي لن تتوقف أمام أي عقبة حتى تنحت اسمها بأحرف من دموع و عرق و جهد لا من ذهب بين سطور الزمن .

 
النهاية ……

تاريخ النشر : 2021-04-23

تقي الدين

الجزائر

مقالات ذات صلة

27 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى