تجارب ومواقف غريبة

قاعة السينما المسكونة

بقلم : محمد الشريف العلاوي – الجزائر
للتواصل : [email protected];fr

كانت ملامحه قوية جداً ، أما الأهم فقد كانت بؤبؤ عينه كعيني القطط.
كانت ملامحه قوية جداً ، أما الأهم فقد كانت بؤبؤ عينه كعيني القطط.

لكم كانت تغمرنا السعادة عندما تقول لنا معلمتنا في الصف الابتدائي بأن نأتي بخمسة دنانير لكي نتفرج فيلم أكشن صيني أو أمريكي عشية الخميس ، و طبعاً كان المدير والحارس والمعلمين يحولون قاعة المطعم إلى قاعة عرض سينمائي ثم يأتي عمي “ب ل” الله يرحمه حاملاً شاشة العرض وهي عبارة عن أزار أبيض و آلة العرض السينمائي وشريط الفيلم ، ثم كنا ندخل القاعة ويأخذ كل طفل مكانه وهو يرتعش ، كنا نحب أن نشاهد أفلام بروس لي أو جاكي شان ، و عندما نفرغ من التفرج نخرج إلى ساحة المدرسة ونقوم بعدها بتقليد البطلين ، الله يرحم أيام زمان

كان عمي “ب ل” يعمل طيلة حياته في قاعات السينما التابعة للبلدية و عندما بلغ السن القانوني للتقاعد توقف عن العمل ، وكنت ألتقي به أحياناً في وسط المدينة فأسلم عليه وكنت أحب أن أنتهز الفرصة لأتحدث معه كونه كان دائماً بشوشاً وطيباً إلى درجة كبيرة.
و أذكر ذات يوم قبيل الزوال وكنت في عطلة فالتقيت به بحذاء قاعة السينما والحفلات ، فسلمت عليه وفرح بي أيما فرح ، و أخذنا نثرثر في مواضيع شتى غير أني لست ادري كيف جرنا الحديث السلس إلى القصص الغريبة ، فسألته إن كان قد مر بحادثة غريبة ؟ فابتسم ابتسامة باهتة ثم قال : لا أنسى أبداً ذاك المساء المخيف ،

كان الجو بارداً وممطراً ، وكنت في قاعة السينما وتحديداً في الغرفة الصغيرة التي تقع في أقصى القاعة ، وكنت أجهز الشريط لأضعه في الالة ، وسرعان ما مر الوقت سريعاً ولم أشعر به ، ونظرت إلى الساعة فقد تأخر صديقي الذي يعمل قابضاً للتذاكر ، فنزلت بتأفف لأعمل مكانه و فتحت الباب الكبير ودخلت كشك بيع التذاكر وأخذت في الانتظار.
و بدأ الناس يتوافدون على القاعة ، فكنت أبيع التذكرة تلو الأخرى حتى وصلت إلى بيع اثنتان وستون تذكرة ، وبينما كنت مطأطئ رأسي أدون في سجل الكشك عدد التذاكر بالتسلسل سمعت صوتاً قوياً جذبني لتوي .
” أريد تذكرة من فضلك ؟ “.
وكانت دهشتي كبيرة جداً وشعرت ببرودة تسري في جسمي وتوقف شعر رأسي ،
كان رجلاً طويلاً يرتدي معطفاً رمادي وكانت ملامحه قوية جداً ، أما الأهم فقد كانت بؤبؤ عينه كعيني القطط.

وناولني قطعة النقود من فئة خمسة دنانير فأعطيته التذكرة بسرعة فأخذها ثم دخل إلى القاعة.
بقيت شارد الذهن لبضع دقائق حتى دخل علي صديقي وهو بالكاد يلتقط أنفاسه ، فقال ” أنا أسف جداً ، لقد تأخرت “.
فقلت بدون اكتراث ” لا بأس عليك “.
ثم خطر ببالي فكرة فقلت له ” أسمع ، أدخل إلى القاعة وقم بعد المتفرجين”.
فقال ” لم يحن بعد عرض الفيلم”.
فقلت ” أعرف ، ولكن نفذ ما طلبته منك “.
فدخل القاعة ثم عاد بعد برهة من الزمن فقال ” هناك أثنان وستون”.
فقلت مستغرباً ” لا ، هناك ثلاث وستون”
فقال” بل اثنان وستون ، لقد أخطأت في بيع التذكر.

فقلت ” إن كنت قد أخطأت فأنا عندي مبلغ ما بعته من التذاكر ثلاثة وستون ، و لتتأكد أكثر أنظر و راجع دفتر أعداد التذكر التسلسلي ، لقد وصل إلى رقم ثلاث وستون”.
فقال صديقي بعدما تأكد من الحساب ” هذا شيء عجيب ، أذن ما سر هذا ؟.
فسردت عليه ما حدث بالتفصيل و وضعت القطعة النقدية على الطاولة و قلت ” هذا ما اعطانيه ذلك الرجل المخيف “.

فتهلل وجه صديقي و قال ” أرجوك أريد أن استبدلها بقطعة أخرى ” فأخرج من جيبه قطعة من نفس الفئة.
فقلت ” لا مانع لدي ”

وناولته إيها ،ثم دخلت القاعة من باب خلفي و صعدت السلالم ببطء ودخلت غرفة العرض ، فأطفأت الأنوار وقمت بتشغيل الفلم ، فارتفعت أصوات بعض الشباب المشاغبين وتعال صفير بعضهم الأخر ، ثم جلست على كرسي طويل وكنت أتحاشى أن أنظر إلى الأسفل خوفاً أن يقع بصري على ذلك الرجل المخيف ، أما عن نظرات عينيه وشكلهما فكانت لا تفارق مخيلتي ، و أنتهى الفلم وعدت إلى البيت لأخذ قسطاً من الراحة على أن أزاول العمل ليلاً.

فقلت له ” قصة غريبة عمي “.
فابتسم المسكين وقال ” الأغرب يا ولدي ما حدث بعدها لصديقي في العمل “.

أما عن ما حدث لصديقه بالتفصيل فسأرويه لكم في الجزء الثاني.

تحياتي للجميع.
 

تاريخ النشر : 2020-06-17

مقالات ذات صلة

19 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى