قتلة و مجرمون

قضيه اختفاء محمد عبد الرشيد

بقلم : هدوء(اسماء) – بريطانيا

قصتنا اليوم مختلفه عن القضايا الاخرى انا شخصيا تأثرت بها وقررت مشاركتها معكم لانها باعتقادي تجسيداً لمعنى الظلم والعجز بحق المفقود او القتيل وعائلته..

تبدأ احداث قصتنا في يوم التاسع من ديسمبر سنه 2001، أجتمعت عائلة عبد الهادي معاً لتناول وجبة الأفطار لانه كان شهر رمضان حينها. لقد بدا يوما سعيدا يسوده الفرح ولكنه لم ينته كذلك. بعد تناول الطعام اعتذر الأبن محمد وقال انه سوف يغادر وانه لا يستطيع امضاء وقت اكثر معهم لأنه على موعد مع صديق له اسمه “زاڤيي” وسيمضي الليلة بمنزله.

خرج محمد من المنزل بعدما اخبر عائلته انه سيعود في اليوم التالي ، ولكن للأسف كانت هذه اخر مره يرون فيها محمد ..

blank
المدينة التي عاشت فيها اسرة محمد حيث وقعت حادثة الاختفاء

عند خروجه من منزله كانت بأنتظاره فتاة تدعى ميلودي كان على علاقة بها ، قالت ميلودي انه يومها كان سعيداً جداً لرؤيته عائلته والجلوس برفقتهم ، بعدها اوصلته الى منزل زاڤيي حيث وعدها انه سوف يتصل بها في اليوم الموالي وكانت هذه ايضاً اخر مرة ترى فيها محمد.

وفي اليوم التالي انتظرت ميلودي اتصال محمد لكنه لم يتصل بها فقررت الاتصال بأخته والسؤال عنه فأخبرتها اخته انه ربما فرغت بطارية هاتفه وأن عليها أن لا تقلق لانها – أي الأخت – سترى أخاها عند الساعة الخامسة ، ولكن عند حلول هذا الوقت لم يتصل محمد بأخته ولم يرد على اتصالاتها المتكررة .. ولم يكن هذا أمرا معتادا بالنسبة له فهو من عادته ان لا يتأخر عن مواعيده.

فكرت الأخت انه ربما حصلت له حادثه او اصيب بمكروه ، حينها اتصلت بميلودي واخبرتها ان تأخذها الى المكان الذي اوصلت محمد إليه البارحة ، حيث يبعد منزل صديقه سبع دقائق فقط عن منزل العائله وهذه لم تكن اول مرة يمضي فيها محمد الليله مع صديقه هذا.

عند وصول الاخت الى منزل الصديق سألته عن مكان وجود أخيها وان كان يعرف اين ذهب فأخبرها انه غادر لاحقا في ذلك المساء قائلا ان لديه موعد ما ، وقال أنه أراد مرافقته لكن زوجته رفضت فقد كان عليهم الاعتناء بأبنهم. كما اخبرها ان محمد ترك اغراضه بمنزله ، وهذا ما اقلق اخت محمد اكثر لأنها وجدت كل شيء يخصه .. اوراقه الشخصيه وملابسه وشاحن هاتفه ايضاً ..

الأخت أخبرت زاڤيي ان يخبر اخيها في حال عودته ان يتصل بها فورا.

في اليوم التالي ، ومع عدم اتصال محمد أو العثور على أثر له ، توجهت اخته الى مركز الشرطه للأبلاغ عن شخص مفقود واخبرتهم عن حاجتها للمساعدة لانه لم يسبق لاخاها الاختفاء بهذا الشكل من قبل ، لكنها انصدمت من رد الشرطي الذي قال انه لا يمكنه مساعدتها لان اخاها شخص راشد ربما يكون قد ذهب بمحض ارادته الى مكان ما.
ومن هنا بدأت رحلة البحث عن محمد..

قبل أن نخوض في تفاصيل القضية أكثر لنتكلم قليلاً عن “محمد” ، فقد ولد في الجزائر في شهر مايو سنة 1974 في قريه صغيرة اسمها السبعة شيوخ تقع في الشمال الشرقي لولاية تيلمسان الجزائرية.
عاش محمد في منزل جدته مع والدته واخوته بحكم ان ابيه كان يعمل بفرنسا ولكن بعدها قرر الوالد لم شمل عائلته و اخذهم معه الى هناك .
وصلوا يوم 11 يناير 1980 في بوجولي واستقرو في شقتهم التي ضمت عائلة مكونة من تسعة اشخاص ، وبدأ الاب يعمل بجد لتأمين احتياجات عائلته والام تعمل عاملة نظافة ، اما محمد فالكل كان يشهد بحسن اخلاقه وسلوكه وبعدها بفترة بدأ يعمل في المعمل الذي يعمل به والده ، اما اكثر شخص مقرب من محمد فهي اخته رشيدة التي ابلغت عن اختفائه والتي كانت تعمل مساعدة ممرض ، كما انها اكثر شخص اخذ على عاتقه عملية البحث عن محمد منذ لحضه اختفاءه واخذت توزع منشورات عن اختفاءه في جميع انحاء بوجولي ومناطق اخرى وفي كل مرة يأتيهم اتصال او معلومة بشأن الاختفاء يعودون خالي الوفاض وخائبي الامل حيث تكون المعلومه كاذبة او لا تساعدهم بشيء ..

ضلت الامور على هذه الحالة حتى سنه 2002 في شهر اغسطس وصلت الى والد محمد برقية تتضمن مخالفة على محمد من شرطة النقل مسجلة في يوم الرابع من يونيو 2002 ، وكان مبلغ الغرامة واحد وسبعون يورو.
اتصل الوالد بأبنته رشيدة فرحا بهذا الخبر ، صحيح انها مخالفة لكنها تدل على ان محمد لازال على قيد الحياة.
اخذت رشيده هذه المخالفه مع صورة محمد لتريها لمراقبي التذاكر لتصدم انه لم يتعرف احد على محمد ولم يره احد ، فهذه المدينة كبيرة وبها الكثير من المسافرين وربما المراقبين لم يتذكروه ، لكن بقي لدى العائلة بصيص امل انه ربما لازال على قيد الحياة ولم يعرف احد مكانه.

مرت فترة طويلة ولا يوجد اي خبر والعائله تحقق في خبر اختفاءه بنفسها لان الشرطة لم تأخذ عملية اختفاءه على محمل الجد. الى أن حلت سنة 2008 وذهب والدا محمد كالعادة الى مركز الشرطة للسؤال عن اي شيء جديد او معلومه جديدة تخص أبنهم المختفي.

blank
استمرت العائلة .. خصوصا اخته رشيدة في البحث عنه

هذه المرة استقبلتهم شرطية جديدة في مركز الاستقبال حيث تأثرت كثيراً بقضيه محمد واتصلت بزميل لها في العمل والذي بدوره تكلم مع الوالدين واستغرب جداً من القضية فكيف يختفي شخص كل هذه السنوات دون اي اثر بسيط او معلومة عنه ، فأخذ على عاتقه هذه القضيه والبحث عن محمد في حين ان كل هذه السنوات كانت العائلة تبحث لوحدها دون اهتمام الشرطة غير مدركين للاجراءات القانونية التي يجب أن تتبع في قضيه اختفاء شخص ما.
هذا الشرطي هو من أفهم العائلة بالفرق بين الابلاغ عن شخص مفقود وبين فتح محضر اختفاء ، وهذا كان سببا في تغيير مجرى البحث حيث بدأت الشرطة الآن بمراجعة سجلات الهواتف والحسابات البنكيه الخاصة بمحمد ، وهنا اكتشف المحققون ان الحساب البنكي لمحمد جامد من سنه 2001 ، أي سنة اختفاءه ولا توجد اي وثيقة عن تحركات محمد ما عدا تلك المخالفه التي استلمها والده ، وقد اعطت الشرطة فرضية ان هناك شخص ما انتحل شخصية محمد واخذ اسمه ونسبه وعنوانه واعطاه للمراقب في محطه القطارات.
ثم ظهر خيط آخر في القضية حين قال شخص انه رأى محمد ، وهذا الشخص هي فتاة سبق وان درست مع محمد في المدرسة الابتدائية وكانت تعيش في وقت ما بالقرب من منزل العائلة وقالت انها قابلت محمد عدة مرات بأزقة المدينة وانه شعره كان ابيض ويدفع عربه اطفال بها توأم وعندما تكلمت معه طلب منها ان لا تخبر احد انها رأته.
وبدأ الآن الجميع يعتقد انه ربما محمد اراد حياة جديدة بعيدة عن جميع معارفه دون ان يعرف احد مكانه.

وانتقلت العائلة للبحث في المكان الذي اخبرتهم عنه الفتاة على امل ان يجدوا شيء يدلهم الى مكان محمد ، وقد سألوا العديد من الناس هناك ومنهم من قال انهم لم يروا هذا الشخص مطلقا ومنهم من قال انه قد صادفه بعض المرات.
تم استجواب تلك الفتاه واخذ اقوالها لكن لم يتم التوصل إلى شيء جديد وعاد التحقيق سريعا الى نقطة الصفر.

وفجأة ذات يوم تلقت رشيدة اتصال من الشرطة يخبرها المحقق انهم سوف يقفلون ملف القضيه بسبب ما قالته تلك الشاهدة والمخالفة التي صدرت بحق محمد مما اقنعهم بأنه حي ويعيش بهوية جديدة ولا يريد ان يتعرف عليه احد ، وعليه لا توجد قضية اختفاء قسري وانما بمحض ارادته.

انصدمت العائلة لهذا الكلام واصبحت خيبة املهم اكبر وعادوا لاكمال القضيه بمفردهم مع عدم اقتناعهم باغلاق القضيه.

وبقي الحال كما هو الى سنه 2015 بشهر مارس ، هنا تغير كل شي ، حيث استقبل رجال الدرك بمكان ريفي اسمه بيوجو يقع شمال مدينه ليون فتاه اسمها “آن” قالت انها تحتفظ بسر مظلم ولا تستطع ان تخبئه اكثر وشرحت للمحققين انها قد انفصلت عن شخص اسمه “كريستوف” وانه قد وقعت جريمة وسط عائله كريستوف في السنوات الماضية، فذات ليلة عندما كانت برفقة العائلة سمعت عن هذه الجريمة ولما سألت كريستوف اكد لها هذه المعلومة وهي أن والد كريستوف قام بانهاء حياة شخص ما يعرف ابنه ، وان قام بهذه الجريمة بحضور الابن كريستوف.

آن قالت ان الجريمة حصلت مع بداية الالفية الجديدة واعطت جميع المعلومات التي بدورها اكدت لرجال الدرك ان هذه المعلومات لا يمكن اختلاقها بهذه الدقة ، وقد قارنوا المعلومات التي اعطتها آن بسجلاتهم عن الاشخاص المفقودين فتطابقت مع قضية شخص من اصل مغاربي وتم فتح تحقيق بالقضية والاتصال بعائله محمد واروهم صورا لعائله كريستوف ان كانو لهم معرفه بهم ، وقد استطاعت رشيدة التعرف عليهم فهم كانوا يسكنون غير بعيدين عنهم وقد سبق لمحمد ان قضى ليلتين في منزلهم من قبل ، كان الاب اسمه باتريك ، ولديه أبن اسمه جيروم يبلغ 22 سنة وقت القضية وأبن آخر كريستوف 15 سنة ، وقد تم وصف الاب بانه شخص صارم مع زوجته وابناءه ، وجيروم كان يتعاطى الممنوعات ، بينما كريستوف كان شخص هادئ يخاف والده من شدة صرامته.

عند استجواب الاب وابناءه اعترف احد الابناء بكل شيء بسرعة شديدة ودون مقاومة ، بدا وكأنه كان يحمل ثقلا لا يستطيع تحمله وقد اثقل كاهله ، ويمكننا التخمين بسرعه ان الابن الذي اعترف هو كريستوف.
قال انه في ليله اختفاء محمد أرسل الاب باتريك أبنه جيروم للبحث عن محمد وجلبه إلى بيتهم مع التاكيد على ان لايعرف احد انه معهم في البيت . واخبر كريستوف ان يخبأ سكين داخل الاريكة..
عندما أتى محمد تكلموا في البداية عن جهاز موسيقى كان من المفترض ان يرجعه محمد الى العائلة ، حيث اتهم باتريك محمد انه سارق وهذا ما اغضب الاخير فوقف واخبر باتريك لماذا تتهمني بشيء لم اقم به . وهذا ما اكدته صديقة كريستوف في ان الجريمة لا يمكن ان تكون بسبب جهاز موسيقى بل هي قضية مخدرات ..
لكن لا يمكن التأكد من الحديث الذي دار بينهم او ماتكلموا به فعلا ان كان بسبب المخدرات او بسبب الجهاز فقط او شيء اخر ..
وسرعان ما اشتد النقاش بين محمد وباتريك فقام باتريك بضرب محمد الى ان اسقطه على الاريكة ثم قال كريستوف ان والده قام بخنق محمد ثم طلب منه اعطاءه السكين الذي خبأه داخل الاريكة ، وقال كريستوف انه كان حينها مراهق فقط ولم يكن يعرف ما سوف يقدم عليه والده عندما اخذ السكين ، بدأ باتريك بتوجيه طعنات لمحمد وعندما فارق الحياة بدأ الاب وابناءه بالتفكير بطريقة للتخلص من الجثه ، أولا تم اخفاء الجسد في الشقة لفتره ثم نقلوه الى منزل الجدة واخفوه داخل القبو وبقي هناك حيث يمكنكم التخيل معي لمده سبع او ثمان سنوات .. اخيرا قرر الاب وابناءه نقل ما تبقى من بقايا الجسد الى مكان اخر حيث قرروا دفنه في غابة صغيره لا تبعد كثيرا عن منزل عائله محمد.

انصدمت عائلة محمد من هذا الخبر المفجع وتبخر حلمهم بأن يجدوا أبنهم يوماً ما على قيد الحياة ، ولكن من جهة اخرى كان هذا مصدر راحة لهم لانهم عرفوا مصير ابنهم المجهول وعلى الاقل سوف يستطيعون دفن ما تبقى من رفاته ليرقد بسلام.

وهنا اصبح همهم الوحيد هو معاقبة من تسبب لهم بهذه الفاجعة وتحقيق العدالة خصوصا بعدما مرت 15 سنة على قضية اختفاءه ..
لكن هنا عزيزي القارى بدأت معضلة اخرى مع عائله محمد ، حيث ان القضايا مثل هذه يطبق عليها قانون التقادم بعد مرور فقط عشر سنوات ، اي بعد مرور هذه المدة الزمنية لا يمكنك رفع قضية قانونية إلا إذا كانت لديك شكاية مسبقة لا تتعدى العشر سنوات ، ومن حسن الحظ انه اذا عدنا الى الوراء نذكر الشرطي الذي نصحهم بفتح محضر اختفاء سنه 2008 اي انه اذا حسبنا هذه المدة الى 2015 تكون لم تتعدى عشر سنوات ..
لكن لايمكننا ان نفرح بعد لأنه للاسف وقع امر غير متوقع وهو انه لم يستطع المحققون العثور على هذه الشكاية ، وكأنما لم يتم تقديمها مطلقا ، وهذا ما وضع العائلة في مواجهة حامية مع السلطات .. وهذا ما يجعلنا نتساءل هل هناك من يعمل بصف المجرمين وساعدهم باخفاء امر الشكوى؟.

في 29 مارس سنه 2018 أصدرت المحكمة قرارها النهائي وبالفعل كان حكماً غير عادل وكان سببه انه لم يثبت ان العائلة قدمت شكوى سنة 2008 لأن المحضر كان مفقود ..

blank
العدالة الفرنسية لم تنصف العائلة

كانت صدمة كبيرة للعائلة ، فقد نال المجرمين البراءة رغم اعترافهم بالجرم ..

لم تتوقف عائلة محمد عن المطالبه بحقه. في سنه 2019 وصلت هذه القضية الى محكمة النقض ، وهي اعلى سلطة قضائية ووظيفتها مراقبة صحه القرارات والاحكام القضائية

وفي يوم 12 نوفمبر 2019 اصدرت هذه المحكمة حكما يؤيد الحكم السابق وعلى نفس الحيثيات القائمة على عدم وجود شكوى.

بقى امل العائلة الوحيد هو مناشدة حقوق الانسان لمساعدتهم برفع هذا القرار والنظر في القضية مرة اخرى.

في النهاية لا يسعني القول سوى انها فعلا قضيه تسبب الغضب عندما يسمع عنها احد حيث يوجد قتيل ومسرح جريمة وادلة واشخاص اعترفوا بالجريمة لكن ببساطه لا يتم القبض عليهم أو المساس بهم لسبب لا يستوعبه العقل ..

وانتم ما هو رأيكم اعزائي؟

هدوء (اسماء)

بريطانيا

مقالات ذات صلة

32 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى