اساطير وخرافات

“لالة خلالة خضرا” قصة من التراث الشعبي

بقلم : Sokina Zar – المغرب

قصة قديمة من التراث الامازيغي
قصة قديمة من التراث الامازيغي

ما أجمل أيام الطفولة!
فيها كنا نجتمع كل مساء ونلتف حول جدتي وكلنا آذان صاغية وننتظر منها ان تحكي لنا قصة من قصصها الجميلة والمشوقة وربما نسمع القصة نفسها مرارا وتكرارا دون ان نمل من سماعها وكنا كل مرة نسمعها وكانها اول مرة!
وربما نحن من نختار ما نريد منها ان تحكي لنا “جدتي! ٱحكي لنا قصة لالة خلالة خضرا”

وتبدأ بالسرد الى ان يغلبنا النعاس!

وها قد كبرنا لكن أبدا لا ننسى تلك الايام الجميلة او بالأحرى الليالي اللطيفة مع جدتي وقصصها وجئت اليوم لأسرد احدى هذه القصص مع لمسة مني ومحاولة ترجمتها من الدارجة الى الفصحى ارجو ان تستمتعوا بها كما عشنا معها ايام الطفولة

قصة “لالة خلالة خضرا” قصة من الثراث الشعبي الأمازيغي
ولالة تعني السيدة والخلالة نوع من الحلي تتزين به النساء ويوضع على الحايك والإزار الذي تتغطى به المرأة ويستر من رأسها الى أخمص اقدامها
ومن هنا جاء اسم بطلة القصة خلالة خضرا

blank
الخلالة حلية مثلثة الشكل ترتديها المرأة الامازيغية اما الحايك فهو اللباس التقليدي للمرأة في الدول المغاربية يشبه العباءة في الشرق لكنه ابيض اللون

كانت فتاة جميلة رقيقة بروح بريئة ومرحة ومحط إعجاب الجميع ومثيرة لغيرة كل فتيات القرية!
كانت فتاة يتيمة فلا أبا يعطف ولا أم تحنو فبعد ان ماتت امها وتركتها صبية صغيرة تزوج والدها وبعد سنوات فارق الحياة ايضا فبقيت مع زوجة ابيها وكان عندها اخ اكبر منها كانت تعتبره الدرع الحامي لها خاصة امام بطش زوجة ابيها التي كانت تمقتهم كل المقت وخاصة انها لم ترزق بأولاد .. وكانت تعامل خلالة معاملة الخدم فعندما يغيب اخوها في عمله في الرعي تعاملها بقسوة وعندما تهددها خلالة بأنها ستخبر أخاها تقول لها العجوز مهددة: سأعمل له ولك سحرا واجعلكما مجنونان!!

فكانت المسكينة تخاف منها ومن أن تؤذيها فتصبر وعندما يعود الاخ ويسألها عن حالها تقول إن كل شيء على ما يرام؛ مرت أيام وأيام وجاء اليوم الذي ستتغير فيه حياة بطلتنا حين كانت بجانب الوادي مع فتيات القرية وفيهن من تسقي الماء ومن تغسل الثياب ومن جاءت فقط لتغيير الجو ورؤية صديقاتها … كانت لالة خلالة تجلس بقرب الضفة تغسل شعرها الطويل المنسدل امام انظار الفتيات والغيرة تملأ قلوبهن فكل واحدة تتمنى شعرا مثل شعرها.

وبينما هي على هذا الحال اذا بها ترى شيئا يلمع من اسفل الماء فإذا به شيء أشبه بالجرة فسحبته فاذا بها تتفاجأ بجرة من نحاس فقالت : “يا فرحتاه وجدت جرة من نحاس ستفرح زوجة ابي بها لانها غالية الثمن”.
فأخذت الجرة وذهبت وٱحتطبت بعض الحطب وجعلت الجرة في الوسط ولفت الحبل وكانت مندهشة بثقلها وكانت تتفلت بسببها الحزمة في كل مرة فتعيد جمعها حتى وصلت الى البيت فأعطت زوجة ابيها الجرة وفرحت بها كثيرا واخذتها الى غرفتها فوضعتها في ركن هناك
وحين جاء المساء وهي جالسة مقابل الجرة اذا بها تتفاجأ من شيء كالدخان يخرج منها فصرخت مفزوعة فإذا بالدخان يتشكل حتى اصبح كالوحش جسده جسد انسي لكن شكله مرعب جلده يكسوه الشعر الكثيف وانيابه بارزتان مع اعين حمر كالجمر!

قالت وهي مرعوبة : من انت وما تريد؟
قال : انا الغول واني قد رأيت فتاتكم تلك وفتنت بها واختبأت هنا كي تحضرني معها وإني اريد اخذها فلا أؤذيها ولا أؤذيكم”.
ففكرت زوجة الاب قليلا وأجابت نعم أعطيكها لكن اذهب حتى يأتي وقت الرعي الوفير عند حلول الربيع حيث يغيب اخوها كثيرا وتعال وخذها لكن اريد ذهبا في مقابلها وزن هذه الجرة!
فأومأ برأسه موافقا ثم تبخر واختفى كانه لم يكن واختفت الجرة معه!
فتحسرت على الجرة قليلا ثم رسمت بعدها ابتسامة ماكرة بعد ان تذكرت انها ستاخذ ذهبا مكانها..

ومرت ايام وايام .. ومر فصل الشتاء بخير فائض من مطر ولحقه الربيع البهيج
وانطلق فارس (وهو أخو خلالة ) الى الرعي بعد ان اعد عدته وزاده ليبقى اياما وليالي في الغابات والمراعي
فعرفت العجوز ان هذا هو الوقت الذي اتفقت عليه هي والغول وفي ليلة مقمرة ظهر لها كما ظهر في المرة السابقة على شكل دخان ثم ظهر على هيئته المخيفة لكن العجوز ولطبعها القاسي لم تكن تتأثر كثيرا بالمظهر المخيف والمفزع والذي ان رآه شخص آخر ربما يغمى عليه!

وبعد أن ٱستلمت الذهب الذي احضره اخبرته بأن الفتاة نائمة في حجرتها فأذهب وخذها وانا سأخبر أخاها لاحقا بأنها ماتت ودفنتها!
قال لها : ذاك أفضل حتى اذا بحث عنها لن يجدها .. وإن وجدها فإنه يموت ولن يأخذها لأنه أصبحت ملكي الآن!

ٱستيقظت خلالة لتجد نفسها في مكان آخر فصاحت فزعة عندما ظهر الغول أمامها بهيئته المخيفة فقال لها : إنك من اليوم ملكي وهذا بيتك إلى أن تموتي لن تهربي إلى أي مكان وان حاولت سيكون مصيرك الموت .. هنا ستطبخين طعامي وتهتمي بي وتحكين رأسي وتسردي لي القصص إلى أن يطيب نومي!

صدمت المسكينة بما حدث لها وكيف انقلبت حياتها وأخذت تتمنى في نفسها أن تكون في كابوس وتستيقظ منه .. لكن هيهات هيهات!
وبقيت تدعو وتبكي بأن يأتي أخاها وينفذها مما هي فيه متماسكة بحبل من الأمل!

ومرت ايام وايام وعاد فارس الى القرية ليصدم بخبر وفاة أخته بعد كلام العجوز: ” يا بني اصبر فاختك ماتت بعد ان لدغتها أفعى وقد دفنتها”.

وكانت قد دفنت قطة في قبر وأشارت الى مكانه فذهب المسكين وظل يبكي ويبكي إلى أن مرت بجانبه فتاتان فأخذتا يتغامزن ويضحكن فصاح بهما : “علام تضحكن؟!
فاجابته الاولى : انه يحزننا حالك يا فارس وانت تبكي عند قبر حيوان ميت!
فغضب لكلامها لانه ظنه مسبة لاخته :ماذا قلت؟
فردت الأخرى: لا يا فارس أنها تقصد بانك فعلا تبكي على قبر قطة ميتة مدفونة هنا فزوجة ابيك يشاع أنها باعت اختك للغول وصنعت هذا القبر واوهمتك أنها ميتة كي لا تبحث عنها
فارس:ماذا تقولين؟ هذا لا يصدق!
الفتاة: إن كنت لا تصدقني فاحفر القبر فستجد عظام قطة

فلما حفر وجد أن كلامها صحيح فانطلق إلى زوجة أبيه فاعترفت له وأخبرته أنها نادمة وترجته أن لا يذهب فسيقتله الغول
فلم يبالي لكلامها وذهب عازما البحث عن أخته وارجاعها فأعطاه أحدهم حصانا وانطلق
ولما نال منه التعب نزل ليستريح فإذا به يرى كوخا وسط الغابة يخرج منه دخان دليلا على أنه مسكون فتردد بالذهاب اولا إلا أنه اخيرا تشجع واقترب ونادى : “هل من احد هنا” فأجابته عجوز أن ٱدخل؛ فدخل فوجد عجوزا جالسة إلى كرسي وقد اكل منها الزمن قالت : “مرحبا بمن ترك أرضه وراح يجول بحثا عن المفقود”

صدم لكلامها وهم بأن يخرج فاوقفته قائلة : ” لا تجزع فاني ادلك على مكان المفقود”
قال لها : وما المفقود؟
قالت: أختك!
قال: وكيف عرفت؟!
قالت : لا يهم كيف عرفت المهم اني اعرف مكانها
قال: وأين؟!
ضحكت ثم قالت: لا تسأل أين هي ، بل ٱسأل كيف ستصل إليها؟
قال: سأبذل ما بوسعي لأجدها!
قالت: فاذهب فقم باصطياد ارنب واذبحه واحفظ دمه في إناء ثم تعال

فذهب ففعل ما طلبت وعاد فقالت اختك في جحر الغول ولكي تصله ستمر من ثلاث وديان الاول واد ماء ساخن سترمي فيه هذا (وأعطته ملحا في كيس) وتقول ابرد إلى أن يمر من ينقذ لالة خلالة خضرا وسيبرد
والثاني واد السكاكين ارمي فيه بالارنب وقل أهدأ إلى أن يمر منقذ لالة خلالة خضرا فسيهدأ
والثالث وادي الملح صب فيه الدم وردد نفس الكلام كي يخمد ولا يبتلعك

قال :وبعدها ماذا افعل؟
قالت: بعد العبور ستجد البيت لكن لا تقترب ليلا لأن الغول ينشط ليلا وينام نهارا

فانطلق فارس وكله عزم على أن يجد أخته وينفذها وعبر الوديان متبعا ارشادات العجوز إلى أن وصل وانتظر إلى أن حل نهار اليوم الموالي فاقترب فدق برفق فطلت أخته عليه : يا أخي اهرب كي لا يقتلك
قال رافضا: اني لا أذهب حتى ترافقيني واني أنا من سيقتله!

فتذكر حينها كلام العجوز : “تذكر بأن الغول تقل طاقته ويضعف في النهار فإن أردت قتله فلن تقدر إلا أن استعملت الحيلة وهي الهرب مع اختك”
وقبل أن تكمل العجوز كلامها قاطعها: لكنه سيرجع باحثا عنا ولن نرتاح منه!
تبسمت وقالت : “دعني اكمل كلامي يا فتى انك ستهرب بعد أن يراكما ثم دعه يمر من الوديان وانت ستفعل الترياق لتمر انت واختك بسلام وتتركاه هو يعلق فيهم إلى أن يموت”

وحين اخبر أخته بكلام العجوز سرت لذلك لكن لا يزال الخوف يمتلكها خاصة وأنها تعرف الغول جيدا
فطمأنها أخوها ودعاها للركوب فلما استوت انطلقا وقبل ذلك طلبت إلى القطة أن توقظ الغول وتخبره بأن خلالة هربت مع أخيها

انتفض الوحش من مكانه بعد أن همست القطة في أذنه ثلاثا أن ٱلحق بخلالة واخيها فقد هربا!
فلحقهما فإذا بهم يعبرون وادي السكاكين فأستعملا ارنبا كان قد اصطاده فارس وتمتم: يا وادي السكاكين اسكن حتى تمر لالة خلالة خضرا.
فيسكن فلما عبرا قال : احمل يا وادي السكاكين ليمر الغول
فلما عبر الغول تعرض لجراح كثيرة وأصبح ينزف دما أسودا !

فلما وصلا إلى وادي الملح رددا نفس العبارة إلى أن عبرا بسلام فلما مر الغول أخذ يتخبط وسطه والملح يموج ويتحرك ويدخل مع جراحه ما جعله يبكي ويصرخ من الالم!

فلما وصلا إلى وادي الماء الساخن رددا نفس الكلام وعبرا بسلام ولما مر الغول وجده ساخنا فبقي يتخبط فيه وقد خارت قواه إلى أن مات وارتاح العالم من شره!

وعاد فارس واخته إلى الدياروعاشوا سعداء
وذهبت حكايتي من واد إلى واد وبقيت مع الناس “الجواد” اي أصحاب الجود والكرم وهذه عبارة تختم بها القصص الشعبية

في القصة اضفت الكثير من التعديلات دون الخروج عن المغزى الأساسي منها حذفت اجزاء واضفت أخرى كي استطيع سردها بالفصحى ولا تصبح طويلة ومملة فيها ينتصر الخير على الشر بالنهاية
أتمنى أن تكونوا قد استمتعتم بها وإلى قصة أخرى إن شاء الله.

تاريخ النشر : 2021-07-27

Sokina Zar

المغرب

مقالات ذات صلة

15 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى