تجارب ومواقف غريبة

مدافن مسكونة

بقلم : عطعوط – اليمن

فُتح باب من جوف الكهف و خرج منه شاب أمرد طويل السيقان ، جسمه أصفر كأنه يرتدي ملابس لاصقة بجسمه شفافة
فُتح باب من جوف الكهف و خرج منه شاب أمرد طويل السيقان ، جسمه أصفر كأنه يرتدي ملابس لاصقة بجسمه شفافة

 
هذه المدافن تقع على مسافة اثنين كيلو متر من التجمعات السكانية ، عددها ثلاثة مدافن ، منحوتة في صخر أسود هش نوعاً ما ، في ثلاثة كهوف تحت جبل صخر صم حيد شاهق ، حجم فم المدفن يزيد عن قطر جسم الإنسان بقليل ، عمقها أربعة متر بعرض دائري ثلاثة امتار ، مطلية بالقضاض الأبيض ، يشبه الإسمنت و أشد صلابة منه ، محكمة المطابق بالأغطية من الصخر ، باب المدفن يقع في أرضية الكهف ، والكهف له باب كباب البيت مغلق ،
كانت هذه المدافن تستخدم لدفن محصول الغلات الزراعية الزائدة إلى وقت الحاجة ، ويتم فتحها في أوقات محددة.

و كان يجتمع الناس إلى باب المدافن عند فتحها لغرض الحصول على حبوب قِرضة للموسم القادم ، فكان يحدث أن يموت الشخص الذي ينزل المدفن من شدة حرارته ، هذه المدافن مستمدة من مدافن الفراعنة بمصر ، هذه المدافن يُسمع داخلها ضجه في الليل والنهار ، طنين نحاس ، قرع أجراس ، فتح و غلق أبواب ، في الوقت الحاضر أبوابها مفتوحة يدخلها بعض الزوار والسواح ، تمر بالقرب منها طريق كانت راجلة ، و مؤخراً تم شق طريق سيارة بنفس المسار تؤدي إلى القرى المجاورة.
 
يقول أحد المسافرين الذي أضطر إلى دخول أحد المدافن والمبيت فيه و كان في الثلاثين من عمره : أنه أثناء مروره مشياً على الأقدام ، ولم تكن حين ذلك قد شُقت طريق سيارة ، كان الجو ظلام و الوقت متأخر من الليل ، وكان المصباح الذي يستنير به قد انطفأ في منتصف الطريق ، فاستمر ماشياً على الشفق و بياض طرق الأقدام في الطريق ، وعندما وصله جوار المدافن  شعر بقشعريرة شديدة في جسمه فشعر بالخوف ، وكان من شدة الخوف يحس بأن شعر رأسه قد استقام كالمسامير و رفع العمامة من فوقه.

فكان يضع يده على العمامة و يضغطها على رأسه كي تستقر ، قال : حينها توقفت عن المشي واستقمت واقف و جسمي ينتفض رعشة ، مباشرةً مشيت نحو أحد المدافن كي أدخل لأبات فيه إلى الصباح ، فأنا أعرف أنها نظيفة و أبوابها قوية و محكمة ، وقد شاهدت أحداها مفتوح عند عبوري قبل سبعة أيام من جوارها صباحاً ، فوصلت باب المدفن بصعوبة لوعورة المكان و خفقان أرجلي من الخوف ، وجدت الباب مفتوح فدخلت وكنت أخاف أن اسقط في فتحة باب المدفن الموجودة بأرضية الكهف ، فأغلقت الباب وانحنيت وحبوت ، فتحسست فوهة المدفن فوجدتها مغطاه ، فانزويت إلى زاوية من زوايا الكهف و تمددت وتغطيت باللحاف الذي كان على كتفي و وضعت أغراضي جواري ،

سمعت صرير فئران فشممت رائحة غريبة لم أشم مثلها طيلة حياتي ، فجأة انفتح باب الكهف من تلقاء نفسه ، لمحت شبه شخصين واقفين باب الكهف ثم اختفيا ولم أسمع وقع أقدام ، قمت فأغلقت الباب إلا أنه ليس له ترباس من الداخل ، تحسست فوجدت قبضة حديد على الباب ، فأخذت طرف اللحاف و ربطته في القبضة ثم أوصلت طرف اللحاف الأخر و ربطته في قبضة غطاء فوهة المدفن و شديت ، ثم عدت لموضعي ، أشتد صرير الفئران و حدثت عملية مطاردة بينهن في أرجاء الكهف ، فسمعت حديث يدور بين اثنين خارج الباب :

 
قال الأول : هل أنت من أغلق الباب ؟.
رد الثاني : لا ، بل أنا من فتحه.
قال :  أشم رائحة أدمي .
رد : علينا الذهاب … ثم ساد الصمت.
وصمتت الفئران كذلك.
قلت في نفسي هؤلاء سرق يريدوا أن يسرقوا المدفن.

ساد الهدوء فنعست وبقيت ما بين اليقظة والمنام ، فإذا بضوء يعم الكهف ملون أزرق و أصفر و أحمر ، متداخلة شديدة الإضاءة ، كنت أغمض عيني من شدتها ، فرأيت في الجانب الأخر من الكهف أمرأة جالسة شبه عارية تمشط شعرها ، فجلست القرفصاء أنظر إليها ، أستمرت في مشط شعرها كأنها لم تكن تراني  و كأن الألوان المضيئة تفصل بيني وبينها.

ارتعبت و نويت الهروب من الكهف ، تحركت نحو اللحاف لفتح الباب فلم أجد للباب أثر ولا اللحاف ، تحول الكهف إلى مقصورة بدون باب ! نظرت في قاع الكهف فلم أجد فوهة المدفن ، جلست في موضعي ، فُتح باب من جوف الكهف و خرج منه شاب أمرد طويل السيقان ، جسمه أصفر كأنه يرتدي ملابس لاصقة بجسمه شفافة ، جلس بجوارها ، كانا يتبادلان الحديث دون أن أسمع كلامهما ، فقط لاحظت حركت شفتيهما.

اشتد الحديث و غضب الأمرد فأمسك بشعر رأسها و اعتصره إلى خلفها محاولاً جرها وإدخالها ، فرجمت المشط من يدها باتجاهي فوقع على صدري فترك حرق مكوى لا زال أثرة إلى الأن.

فصحت من شدة الحرق و أُغمي علي ، فأيقظتني أشعة الشمس الصباح فوجدت نفسي خارج الكهف وباب الكهف مقفل بقفل ولحافي و أغراضي جواري و كأني لم أدخل الكهف.

فنظرت إلى صدري فإذا بأثر الحرق و أسنان المشط مرسومة على صدري مكاوي ، فوضعت إصبعي على المكوى فألمني جداً والثوب محترق.

أخذت أغراضي و لحافي و واصلت المسير ، فلاحظت أن خطواتي أصبحت متباعدة جداً ، فبخطوة واحدة كنت أقطع مسافة كبيرة و كنت أحس جسمي خفيف جداً و كان شيء أخر يحملني إلى جانب قدماي ، فوصلت البيت بسرعة حيث قطعت مسافة الساعتين في ربع ساعة و أقل.

دخلت و وضعت الأغراض و سألتني زوجتي : أين بت ؟ فقلت : باب المدافن ، فتشت الأغراض ، وهنا كانت المفاجأة ! لا وجود للأغراض التي اشتريتها من السوق ، لا تمر و لا كبريت و لا حلوى و لا فلفل أحمر و لا صابون ، كلما كان موجود ثلاثة أحجار بثلاثة الوان ، أزرق و أصفر و أحمر.

أخذتهن زوجتي بيدها وقالت : هذه هي ما أحضرته لنا من السوق ؟  فالقت بها من يدها على الأرض فارتطمت بالحصير وقرعت نار شديدة بثلاثة ألوان التهمت فراش الغرفة دون أن تخلف رماد !.

فرت زوجتي هاربة من البيت و بقيت واقف مذهول ! انطفأت النار و تدحرجت إلى أمام قدماي الثلاث الأحجار ، انحنيت و أخذت الزرقاء فكانت باردة كالثلج ، ناعمة الملمس ، ثقيلة الوزن ، بحجم البرتقالة.
أخذت الصفراء فلذعت أصابعي حرارتها ، فألقيتها من يدي.
ثم أخذت الحمراء فكانت معتدلة.
لمست الزرقاء بالصفراء فقرعت نار.

خرجت من البيت إلى زوجتي الواقفة خارج البيت حاملاً بيدي الحجرتين الزرقاء والحمراء .
فقلت : هذه أحجار الكبريت أحضرتها لك كي تشعلي بها التنور بدلاً عن الكبريت ، وقمت بقرع الأحجار أمامها و أشعلت الحطب في التنور. صدقت زوجتي ما أخبرتها به فأخذتها و وضعتها في النافذة .

بعد الظهر ذهبت زوجتي لجمع الحطب ولم تعد فذهبت بعد المغرب للبحث عنها فلم أجدها.
عدت إلى البيت وبحثت عن الأحجار فلم أجدها ، و في الصباح وجدنا جثة زوجتي محترقة متفحمة في المكان الذي كانت تجمع الحطب منه ، بعدها عشت مشلول عن الحركة كما تراني الأن.

سألته : هل لك أولاد ؟.
قال : لم أكن قد خلفت و أيضاً لم استطيع أن أتزوج بعد موت زوجتي كوني مشلول عن الحركة ، إلا أني باستمرار أحلم بأن لي زوجات أنام معهن و أضاجعهن و هن معروفات لدي ، هن نفسهن لا يتغيرن في كل الأحلام ، ثلاث  و كل واحدة لديها ولد تنسبه إلي ، وعندما أكون معهن أشعر بأني سليم الأعضاء و قادر على الحركة.
وعندما يشتد بي الغضب يغشاني النعاس فأنام و أحلم ،  وعندما استيقظ أجد نفسي مرتاح المزاج.

– هل الذي كانت تمشط في الكهف هي أحد زوجاتك الذي تحلم بهن ؟.
– لا ، لم أراها مرة أخرى.
– هل تراهن جهرة في اليقظة ؟.
– أراهن في المنام فقط .
– لا تسألني مرة أخرى ، أشعر بضيق ، و لا تبوح لأحد بما أخبرتك ، كن حذر.
…..

هذه تحذيراته الأخيرة لي قبل أن يتوفاه الله ، رحمة الله تغشاه. .
جنازته كانت خفيفة جداً كأن لم يكن عليها جسد ، وعند حفر قبره كان هشاش يفتح تجاويف فراغ بسهولة وسرعة تم حفره ، و نبتت على قبره شجرة غريبة ذو رائحة طيبة لم يُوجد بالمنطقة شجرة شبيهه بها ،  كما أنها لا تُثمر ولا تُزهر و لا تأكلها الحيوانات ، لها أوراق خماسية و ساق يتخلله عروق كعروق ساعد اليد ، تراها دائمة الخضرة بدون أن يسقيها أحد قطرة ماء ، بعد أن مات قررت أن أزور المدافن بنفسي واطلع على حقيقتها.

وصلت قبل الظهر بمفردي فوجدت أبوابها مفتوحة ، فدخلت الباب الأول الذي قال المسافر أنه بات فيه ، فشممت رائحة نفاثة تشبه النشادر ، القيت بحجر صغيرة إلى المدفن فأحدثت طنين داخله وهو مظلم لا يُرى قعره ولا جوانبه ، فرأيت هيئتها كما وصفها لي المسافر ، شعرت بخفة ملحوظة للهواء داخل الكهف كأنه خف وزني فلم أشعر بثقل جسدي على مفاصلي وأقدامي ، وشبه انعدام للسمع ،

صرخت بصوتي  فلم يحدث صدى ، لكن بعد عدة ثواني سمعت طنين عميق يأتي من قعر المدفن ، نويت الخروج  و قبل أن اخرج سمعت مواء قط من زاوية الكهف ، التفت فشاهدت قط أسود برأس كبير وعيون هلالية ، و بسرعة سقط القط في فوهة المدفن ، فأسرعت بالخروج و لم أدخل بقية المدافن ، فهناك مثل بلدي يقول ، بالدجنة قبل السيل.

السؤال:

هل ما يحدث داخل المدافن له ارتباط بمن قضوا نحبهم فماتوا عند نزولهم المدافن لإخراج الحب ؟.
 
 

تاريخ النشر : 2020-10-16

مقالات ذات صلة

35 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى