أدب الرعب والعام

مدرك الوهم

الباب الضيق، إذا ما أتممت عبوره انطلقت في مساحة تبلغ من المدى ما تستطيع إليها سبيلا. الباب الضيق، تلك المغارات المتتالية التي ينسل منها ركاب الرحلة وهم يتمسكون بمقاعدهم وصوت الدعاء قد يتعالى في لحظات من الخوف المتناقض مع الأفكار المحملة عن طبيعة هذه المغامرة ونحن هنالك : نتعاقب في الثقوب المتتالية كخط زمني يجردنا مما كنا فيه. نتكاثر في سبيل البهجة : هلو ! هلو ! و الحياة تنساب بين فكي صخور أزلية، يتمايلون من كل جانب وقد يلمسون بعض التفاصيل الحادة بأيديهم رغم إلحاح قائد المركبة تجنب ذلك لأن سرعة الاحتكاك قد تدمي ! يلمسون الشهوة في فواصل الاستقطاع من الحديث الدائم، ملاك من الصخر و الرائحة الرطبة و النزوات المتتالية، اوركسترا من العتمة الباهتة وقد أمست تضاء بأصوات همس الحصى الصغيرة وهي تخاطب سقف المعدن. ومضات من التردد، انعزال سينمائي عن الواقع وتجرد لحظي من استلهام الهدف الرئيسي من التواجد هنا وسط مظاهر تبسط مفاهيم الانتشاء.

أخاطب نفسي في كل مرة.. ” كلها أيام و ستمضي ” وقد نحط الرحال في أراضٍ اُكتشفت أو لم تكتشف بعد، لينتشر هذا الجمع الفسيح من مجاعاتهم الفكرية نحو أقطارهم وآرائهم التي توسدت المنطق واللامنطق خلال هذه المسافة، ولكن ما الذي سيحدث حقا إن نفوت المحطة الأولى للعبور؟ أعني أن نمسي عقدة كونية في سبر أغوار هذا العالم، نتكرر و نوارث غصتنا و هروبنا كي نخلق في ذات كل منا ” عربته الخاصة”وهي تشدنا في حبال من التدرجات الفعلية الواهية نحو منحدرات الواقع! أو قد تقذفنا القاطرة بالفعل في المحطة القادمة لكنها ستحمل هذه التفاصيل التي نصنعها اليوم لهاربين آخرين لكي تجمع الأضداد في ذات المساحة الزمنية منشأة نوعا من التصادم. ألم ننشأ على التصادم؟ أن نقلب المرء رأسا على عقب ثم نضغط بكل الأصابع على حنجرته كي يكف التسلل نحو دهاليز أفكاره ثم نستشرد استنتاجا بين دخان السجائر المتعبق من هفوات التفكير: أن خلف هذا الوجه صديق ما تلبس في قناعات الزمن الواهي ، بل إنه – و نقسم بالرب – في جنازته الموسمية كيف كان ذا قوة وروح طيبة خلف حدود صمته كي يستحق وقد اختنق للمرة من رماد أفعالنا حياة أخرى فوق حياته!

أعني.. قبل مدة قصيرة و بينما دفعتنا تلك الغريزة لأن تكتشف العالم من منظور سريالي بحت في إعلان صريح عن نوايانا، اندفعنا نحو إحدى الغابات التي اعتدنا على زيارتها، و كانت فكرة الرحلة من الأساس وليدة إشارة لا شعورية انتابتني أثناء إحدى نوبات التفكير، أشعلنا النار نحن الثلاثة : أنا، وليد، وحسين، حيث ارتأينا أن تتوسط تلك الغابة بعيدا عن ثلة أخرى من المغامرين المنتظمين في متاهة روتينهم. تلك الغابة ذات السفح المائل التي لطالما اعتدنا على المكوث بها.

حسن، كان قصة ثلاثية الأبعاد، شكل هندسي ما من إسقاطات متتالية حرفت ” هندسيته”. لم يأتِ في لحظة ما بصورة عادية، لطالما تجلى في لحظة تفكك الأشياء عن مسمياتها و هذا ما جعله يعاشر من اللحظة ما ينعم به فئة تحاكي فئة أخرى تتقلب في نقمتها.

أما وليد، فهو الشارد. لعبة الظل و الضوء في كأس من الخوف المعتق، حل وسطي مع الرماد الذي يستنزف من خلايانا كل طاقة إن فسر الطاقة بمعنى ” الإنهاك” و إن لم يستطع ذلك، أغرقنا في إيماءاته المستمرة بحتمية تكوننا من فراغ.

_ وأين نحن الآن؟

_ في الفراغ! ومن يرضى بالفراغ مرتعا ولو لحظيا فلن يخرج منه!

قد يبدو حديث وليد نوعا ما منطقيا وفق مفاهيم المنطق الخاصة به، و لكن يطغى عليه جانب من استحالة القدرة على التفسير، فلو رجعنا إلى بداية البداية فإن لحظة ما خلقت كي تشكل معبرا يقود من الخارج إلى الداخل، و يقع على عاتقي أن أبحث عن هذا الأثر، الأثر الذي لا يبدو لي متاهة فلا تعد كذلك لأننا بالفعل نعرف ماهية الاتجاه الصحيح ، ولا ” ديجافو” وإلا بالفعل عرفنا أين تقف، فما هو؟

في الطريق إلى هنا، و بينما كننا ننسل في المغارات المتتالية صودفنا أنا و حسن بفتى ما يرسم على زاوية المغارة اسمه، ما جعله وجبة دسمة من العتاب المستمر من قائد الرحلة الذي وصفه المتخلف، ذات الوصف الذي قابله حسن الاعتراض في اقتباسه لأدونيس:

_ لم يكن الشخص منا في ذات يوم متخلف، لأن تحليله لذاته متخلف.

إذا ألم تكن رحلتنا في الأصل إلى هنا طريقة متخلفة بعض الشيء؟ أعني إذ استطعنا أن نحلل أنفسنا بطريقة منطقية، فمن الواجب على شخص منا يعاني الأمرين في تقبل غربته أن يحفظ طريق العودة إلى المنزل جيدا، ووليد لن يجد نفسه أخيرا في ظل حسين الذي لم يستطع ان يكتشف جوهره لحد اللحظة.

الآن يبدوا الأمر منطقيا، فكل منا يعاني في درجة ما من ” تخلفه” لكننا نجتمع على وجهة واحدة : انعدام الوجهة!

قبل سنتين، في اللحظة التي بدأنا بها فقدان القدرة على البكاء، و شهدنا مراسم الاغتيال البطيئة على ما تبقى من شواهدنا، ثم استقبلنا تلك المحاولات المتتالية لاغتيال الضحك بصدر رحب، فلا عاطفة تقع في منتصف الطريق توجه اللكمة التالية كي نستوعب هول الموقف، ولا نحن كذلك، و إذ نملك الوقت الكافي لاستجداء مناورة تفينا من أهوالها، نخوض حربا من حروب عدة، حربي أنا و كل الحروب الهوجاء، لحظة عفوية من استشعار الانقسام الداخلي الختامي، فأرقص، المرحلة الأولى من الحياة : ومضات من النشوة، الحزن و هستيريا مستنشقي الوحدة من نوافذ التفكير أفيون عتيق، و أنا من بين هذا أقفز وأغرق كي أعاتب الموج الخيال ليقذفني إلى بحر تغلبه اليابسة، هل يسمى ذلك بحرا؟

باحة الجامعة “خانة الذكريات”، حينما كنا نحمل الكتب و غيرها في حقائب مليئة بالفخر و رائحة الأمهات ثم نمضي، معركة في المنتصف، حوار أدبي بحت بين من يبرأ المتنبي من جبنه و من يستظهر عليه بما لا نستطيع الحديث عنه من الشعر، ” والله أكله و الله أكله أكل” ويتطاير في الجو فتى في بنطال” وليد فاز” بشعره البرتقالي و نظارته التي تلخص ماهية الموقف الذي وضع نفسه به : حزن ثم فرح، تراتب مستمر لدائرة مغلقة.

الصيف الحار في الشمال، مرحلة لحظية من استشعار الطفل النائم في ذواتنا وهو ينطلق للحياة بين الخوف والحذر، الشعر الأشقر المنمق و ” الشورت ” الذي يعافر في رمال الشاطئ، استشفاء من الوقت و الألم الذي مازال يسببه لنا العدو في اقتصار مساحة قسرية لنسبة الهواء داخل أضلعنا، لاحتلال يستطيع بدوره تبسيط تلك المشاعر من الخوف و الحذر، يغتال بنا مظاهر التعود أو يجدد مفاهيمها كي لا نعتاد على الأمر كاختلاق طريق من الموت و الحياة في خط واحد، ذات الطريق الذي لا يقبل القسمة على اثنين و إن بدأ رمزيا ذات تفرعات لا نهائية… كمتاهة!

وقد أشار و إذ أسير بينهما بالجنون، فما الذي يدفع المرء لمصاحبة تلك الاختلافات المتجلية في جوهر الشخصية، ولكنني وأكاد أن أقسم أن كل واحد منهم قد يلمس الآخر في اللحظة من الهفوة المستحدثة لأرى أمواجا كهربائية و خيالات تشكلت في هيئة جسد واحد ذا فكر يجابه به الكوكب وهو يضع قدم على قدم! ورغم ذلك، فإني لأقدم نواياي قربانا للحظة عفوية ترجع تلك الروح المفقودة بين صداقتنا التي تبلغ من العمر ما يزيذ عن العقد من الزمن، حينما كان الاثنان يمتطيان سريا من أحلامن تحارب المنطق واللامنطق في سبيل انتزاع استحقاقية التأقلم مع الزمن.

ليلا وبعد أن أطفأنا النار، وبعد أن بلغنا من العمر ” الوقيتي ” خمس دقائق في اتخاذ مسرب السفح المائل كطريق للعودة، شعرنا جميعا – في لحظة نادرة – أننا لم نصل إلى حينما يجب. هنا على امتداد أصابعي من المفترض أن تقبع شجرة، ومن مترين إلى ثلاث من موضع قدم وليد . سرب من الأشجار المتآزرة، وبالتدرج انطمست معالم الطريق وحلت بنا حالة أشبه بما آمن به وليد ” الفراغ ” وأصبح يسوغنا من الإيمان ما نكاد أن نلتزم به أو نعتزل، ليبادله وليد الحديث وقد بدا أكثر احتقانا :

_ الإيمان لا يحتاج إلى تعليل ! إيماني المحدود في بعض المفاهيم يجعلني في قوقعة فكرية ذات تكييف عالي للغاية! أوف، وكيف لنا أن نجابه ضرائب اللهيب الكوني و مآثر الاحتراق الذاتي إلا بالانعزال! وصولك عزيزي الفضولي إلى هذه النقطة تراجيديا تستحق من مجابهتها في لحظة ما بالهدوء، و لأني أستسيغ ما أفعله لا ما أكتبه، اسمح لي باستكمال نهج اعتزالي بصمت، صديقي العزيز!

_ إننا في حالة يرثى لها!

_ألم تتذوق الخيبة من قبل؟

_وكيف طعمها؟

_ مرة حتى تستسيغها!

و الغريب في الأمر، أن في متاهتنا الفكرة و الجغرافية حد فاصل يشبه علينا إذ ما تجاوزناه، جعل من ” المألوف” أو ” المعرف” جديدا تماما، حالة أشبه بما استطاع به وليد وصفه :

فراغ! إننا نعيش في دائرة مستمرة من النسيان القصري، و تذكرنا بأننا نسينا من يقودنا إلى ذات البداية، فالكل لخروجنا من هذه المتاهة هو خداع الذاكرة باعتياد النسيان.

_ إشرح أكثر! وقد بدا حسن أكثر تقبلا للفكرة.

_ أعني إننا عندما أطفأنا النار واتجهنا بذات المسرب الذي اتينا منه، من المنطق في هذه الحالة بأن الطريق إلى القرية يقع على يميني، بينما الاتجاه لليسرى سيقودنا إلى ذات الطريق لموقعنا الحالي، و لكن و لأننا بطريقة ما اعتمدنا في طريقنا على الشجرة فخيل لنا بأنها القرية، أي منطقيا جعلنا القرية في منزلة الشجرة، و حين وصولنا إليها جعلنا تلك البقعة هي قريتنا الخاصة وانعدمت الذاكرة الجغرافية من مخيلاتنا لكي يبدو ذلك المكان على غير عادته، كلوحة فنية خلعت من أطرها!

منتصف آب، بينما اشتدت حرارة الطقس للدرجة التي خلقت ” نكبة مصغرة” دافعة من استطاع من سكان الضواحي الغربية نحو مياه المحيط الباردة، تلقفت ذلك الفتى وهو يرسم متاهة على الرمل و قد بدت جميع الطرق مغلقة بصورة واضحة :

_ اسمح لي، يبدو أنه طريق مسدود، مسدود، مسدود يا ولدي!

تعاجز قليلا عن رفع نفسه و قد امتلأ جانبه الأيمن ببعض الرمل، ناظر الأفق البعيد، استنشق بعضا من الهواء المالح ثم باشر مجددا بحفر ما استطاع من الأخاديد غير آبه في رأيي.

إن أردت وصف القطاع في تلك اللحظة فهي الصورة الفوتوغرافية الأشبه بمتاهة الصبي، وقد يبدو من المألوف اعتياد عدم ألفته فذكرنا لمصطلح المتاهة هو وهم آخر يفقد إدراكه بين الفينة والأخرى حينما يغتابنا الظن في تذكره.

ذلك الفتى سيطل علينا بعد بضع سنين يبارز باسم المتنبي واجهته الأدبية في باحة الجامعة، لكن هل هو أديب؟ لا والله ما له من معرفة الأدب بشيء، لكنه وعلى غرار كل من عاش هنا اكتسب اللغة بين أزقة الشوارع وخلف عربات الكعك بالبيض، وذلك أدب إن أردت مقارنته بأقرانه فهو ذا نكهة خالصة. سألته ذات مرة إذ جمعت بيننا مادة ” الفلسفة” كمساق مشترك عن ماهية تلك الكتابات التي تدفعه فجأة للانعزال عن محيطه والانغماس في كوكبه الخاص.

_ محمد! هذا عصير الحياة، نتذوقها من أجل لحظة، لحظة واحدة، نشوة لحظية لا تريد تدمير هذا الجسد بل معرفة الخواء الذي في داخله، الجسد ؟ لا لا لا ليس جسدي ! أنا ورقة يا محمد ورقة أخط عليها ما استطعت من الخوف، الخوف من نفسي ولنفسي وعلى نفسي لأني أرغب في النسيان كوني محدودا، من كوني لا أرى جيدا ثم أرى كثيرا، لأجل ذلك خسرتها، خسرناها جميعا، امرأة ؟ اللعنة على النساء. الوطن يا محمد ! تلك الأخاديد الرملية التي تدعوك لأسر العالم، لا الاستمتاع ” لما تبقى لكم

تفهمني؟

هززت برأسي موافقا قبل أن أتركه ينسج ما استطاع من حبال أفكاره ” كلما كنت فارغا أكثر , عرفت نفسك بصورة أوضح ” في تلك اللحظة أيقنت حقا طبيعة الشخص الذي يقع خلف حدوده “البرتقالية “

أما حسن، فقد أقسم أنه رأى سيلا من ينصب من أعلى الجبل فوق أرض حرثت للتو، و شعر بأن قوة كونية قد تملكته ليستقبل هذه الرسالة لوحده، و ما إن بلغ من التمحيص في ديدن تفكيره عشر دقائق حتى نصب نفسه آلها وأمر الجميع بالطاعة، وسمى “الحوش” وما تملك من بعض خشبات مملكة لا يسوغها ما يسوغ لممالك عظمى.

سألت وليد – والذي لا يقل جنونا عنه – عن وضعه الصحي، فأجاب :

_ إنه مألوف يعيش في زمن غير مألوف.

قبل أن يصر على السرد من بضع كلمات كتبها في دفتر رواياته:

” جاء كجذع خشبي من مأساة محطمة، جزموا بأنه كان عائما في طقس غائم فلا يساق إلى الموت سوى مرتحلي الاتجاهات الغريبة، جاء كجذع خشبي، و حينما حط الرحال على ضفة ليست له، أدرك أن الخطوات الأولى من المواقف زائلة مهما تدرجت به البلادة إلى حد الهدوء المستفز في وجه تلك العواصف الهوجاء، أو اشرأب من ارتجالاته المتتالية في سبيل استجداء قدرة كونية تدفعه نحو التغيير، أن يدرك في نوبة متكررة من فقدان الإدراك : إنه لا شيء سوى جذع خشبي! “

_ ولماذا سميته بالجذع الخشبي؟

_ لأنه عائم! ولا يدري بأنه كذلك قبل أن يصل إلى اليابسة.

_و أين اليابسة ؟

_ في الأرض.

_ وأين الأرض؟

_أخبرني يا محمد أين الأرض ؟

إنها هنا، بين هنا و هناك.

-أقصر، أقصر من ذلك بكثير.

في اللحظة التي تهت بها بين ” هناك ” وهنا ” اختفى المكان المتذكر ” طريق العودة ” و قادنا إلى مكان جديد يظهر اندماجا ما بين القرية و الشجرة. أي أنني حينما أردت استحضار هوية المكان الذي اختفى للتو , استحضرت موقعا أخر ما لبث أن ظهر من دلف الذاكرة السحيقة، في الحالة الأولى الأليف تم تغريبه، وفي الثانية الغريب تم استئلافه، وكلما أوغلت في البحث عن حل، توغلت أكثر و أكثر في هذه المتاهة.

عندما غلبنا التفكير وركب على ظهورنا التعب ترجل حسن لحظات انفراده متسائلا:

_ ما الفرق بين المتاهة و الإنسان؟

_ها؟

_ الإنسان يدرك بكون ليس بمتاهة، ولا بزاوية صخرية مسدودة أو باب خروج. البشرية تعرف بنفسها بهذا ” المبدأ ” ليست أنها مختلفة، بل تدرك ذلك، على عكس المتاهة التي لا تدرك بوجودها.

_ إذا؟

_ إذا ما أوجه التشابه بيننا وبين المتاهة ؟

_ أننا ندرك أوجه اختلافنا؟

قبل أن يغرق في نوبة ضحك هستيرية :

_بالطبع لا، إننا مع المتاهة و عدد لا محدود من الكائنات نشكل معا هوية ذاتية واعية، أي أننا نميل لمعرفة الأشياء من عدم قدرتها على الإدراك، والميل يرمي إلى أي فعل يضمن اتجاها للحركة، كالميل عن الشيء أي تركه أو الميل اتجاهه فهو ليس بحركة جامدة كميل المتاهة إلى الالتفاف من حولنا مثل الأفعى، والتناقض بيننا يظهر تناقضا بين الميول.

_ إذا؟

_ هذه المتاهة تميل إلى جعلنا مأسورين، ونحن نميل بدورنا إلى الخروج و التحرر، فالمسألة مسألة توازن لا يتحقق سوى بكبح جماح ميل، و الانتصار لميل آخر ” قبل أن يغرق في قيلولة مستحدثة “

_ تفسيري الوحيد لما يحدث مع حسن أن ” أفعى ” ما قامت بعضه.

_ ماهي الأفعى؟

_ هنا تقبع المشكلة، أنت تفكر في الداخل وأنا أفكر في الخارج لأكفر بعضا من الداخل. لم يكن السؤال حقا عن ماهية الأفعى، ماهي الأفعى؟ أنت تبحث عن طريق، عن شاخصة تكسبك ما استطعت من معنى الهرب؟ إذ ما أردت النظر من منظور زاوية الهارب، فمنذ متى توسدنا الراحة في جنبات هذا العالم الفسيح، و إذ أردت أن تكون الملاحق، فما الذي تلاحقه؟ وهم على وهم، حلقة مفرغة من الكر والفر في سبيل تحقيق المهمة.

_وماهي المهمة ؟

_ما , ما , ما , المهمة أن تبقى صامتا ليعتريك ذلك السكون الكوني، ومن هنا تستطيع الهرب، و عليك أن تسأل نفسك في لحظتها، من أنا؟

قبل أن يختفي بدوره.

أفعى ثم متاهة، لطالما ظننت أن الأمر يعتمد في محوره على الإدراك، منذ الطفولة كنت أفقد موهبة إدراكي بين الفينة و الأخرى. في إحدى الليالي وبينما كنت أحاول النوم وقد ظهرت السماء غاضبة من شيء لم أعلمه لحد اللحظة وقد أصابت الأرض بوابل من المطر الغزير اختلط بصوت اشتباكات على الضفة الأخرى من الحي. شعرت بشيء ما يحاول لبس جبيني، كنت أرتجف لدرجة الإحساس بحركة الدماء في كل زاوية مخيفية في جسدي الضئيل، وفي كل نهاية عصبية طاقة استثنائية – على عكس العادة لم تجمدني في مكاني. شعرت بالطاقة وهي تدفعني للقفز من نافذة الغرفة باتجاه منطقة الاشتباك. أحسست بأن الموت سيستغرق ثانيتين لخطفي، أما بتفجر في الأوعية الدموية أو خلف ستائر من رصاص الاحتلال.. وبت أركض مثل المجنون مستنزفا جزءا من الطاقة بينما شعرت بهبوب نسائم من هبات البارود باتجاهي. في كل ثانية شعرت أن الرائحة تملأ رئتي، تتواكب مع نهاياتي العصبية وهي تكبر في مخيلتي شيئا فشيئا، أحمق أحمق ! بت أصرخ، من أين لك أن تدرك ماهية رائحة البارود؟ لحظات حتى تأتي تلك الأفعى التي تبلغ من الطول ما يزيد عما أستطيع سرده، وهي تتحرك بطريقة التوائية باتجاهي. ربما شعرت في تلك اللحظة لحقيقة ما قرأت في أحد الأيام أن ” نوبة الهلع ” هي نوبة عادية نجملها قدر الإمكان لنركبها خطيئتنا في الهروب. وما أن شعرت في أحقية استحداث هذه النوبة حتى انقضت على الأفعى قبل أن أستيقظ في اليوم الثاني مستلقيا في سرير المستشفى و منعقدا بجميع أنواع المحاليل. في هذه اللحظة آمنت بفقداني جزءا كبير من قدرتي على الإدراك لأنني و للمرة الأولى عرفت من أنا، و هو بحد ذاته في فن التكوين أمر هائل!

حاولت أن أسترق النظر قليلا لكي أجد كل من حسن ووليد، ولكن على ما يبدو أنهما قررا البحث عن طريق يقودهم إلى وجهتهم على انفراد.

في الأمس عرفت من أنا : الفتى الخائف من مظاهر الحياة خلف الحدود الوهمية، أما اليوم فإني بقيت على ما عهدت نفسي عليه ” خائف ” لكن من عدم اكتشاف ذاتي إلى حد اللحظة.

أتمالك أنفاسي قليلا، من الواضح أيها السيدات والسادة أننا في حال وصولنا إلى هنا، وهنا تعني موقع الشجرة، أن القرية تقع على يميني، بينما الطريق الدائري الذي يلتف إلى نفس ذات المنطقة أي منطقة وقوفي الآن على يساري. و بمجرد ما استدرت إلى الوراء، أي الغرب ورائي و الشرق أمامي، انقلبت الخارطة لكي تصبح الميمنة ميسرة، فإذا أين تقع القرية؟ في الحقيقة فإن القرية تقع في كل الأماكن ! أمامي و خلفي و على بعد خطوة من كل شخص منا، وتحديد مكانها بصورة حتمية يترتب عليها معرفة موقعي الحالي، فإن فقدت نفسي جغرافيا .. فقدتها بالدور.

جغرافيا ! أنا أقف عند الشجرة، شجرتي، ويدفعني لتملكها ياء الملكية على غرار قريتي و أضرحة رفقتي وقد توسطتهما شجرة ما لم تعد شجرتي. وهواجسي الليلة عن تهيؤات و عتابات مستمرة عن ماهية التعرف عن ذاتي و البحث عن المألوف في اللامألوف. أن استند إلى حدود وليد الرملية، أو أتمسك قدر الإمكان في حسن كجذع خشبة؟

الياء التي لن يستطيع العدو بالطبع القبض عليها أو تغيير ملامحها فهي “يائي ” و حينما أسير في اتجاه مجهول فهو حتميا غير مجهول لكون ” اتجاهي ” ورغم ما أستطيع سرده فإن الحديث لم يشكل خارطة أدفع بها هواجسي عني، هواجسي إن كانت الياء تعني إدراكي لأغرق أكثر في هذه المتاهة.

فهل كان كل هذا، ذلك المزيج من الخوف والرعب النفسي والتأملات اللانهائية والتي أجزم أني لو قرأتها مرة أخرى فلن أستطيع فهمها، تلك الأحاديث وتلك التفاصيل التي صنعت هذه المتاهة، لم تكن أكثر من مقاومة الجانب الآخر، الضفة الأخرى، أي أن ما استطعت صناعته من محاولات ” إدراكي ” لم تكن إلا محاولة لدفن الخوف حيا من تفاصيل لا نمتلك الشجاعة الكافية لمجابتها بالفعل!

Mohammed Alostath

الأردن
guest
13 Comments
الاحدث
الاقدم الاكثر تصويتا
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى