أدب الرعب والعام

مذكرات مدير دار للأيتام

بقلم : عبدالله نجدة – لبنان

قلبي سيبقى هنا ، في هذا المكان ، حيثُ ينتمي
قلبي سيبقى هنا ، في هذا المكان ، حيثُ ينتمي

لم أكن أظنّ يوماً أن الفراق سيكون صعباً بهذه الصورة ، مزيج قاتل من الحزن والحنين ، تجوّلت في المكان ، تفقّدت الزوايا ، كدت أسمع ضحكاتهم تصدح في أرجاء الصالة حيث كانوا يجتمعون للهو أو لمشاهدة برامج التلفزيون ، مباريات المونديال كانت في أوجّها ، لكن في هذه الصالة وكأن المونديال لم يكن ، صمت مُطلق ، يُقال بأن السكّان هم من يجعل من المدينة مدينة ، أمامي تنتشر غُرف نومهم ، أكاد أرى الوسائد تتطاير مابين السرائر ، لهو ما قبل النوم كان لا بدّ منه عندهم ، على شمالي المطبخ ، مكانهم المقدّس إلى حيث كانوا ” يحجّون” ظهر كلّ يوم ليسألوا عن نوع الطعام المخصص للغذاء ، في زاوية الصالة تقع غرفتي الزجاجية ، من خلال زجاجها كنت أراقبهم وأُشرف عليهم ، كانوا يكبرون وأحلامهم كانت تكبر معهم ، كان مستقبل ومصير كلّ واحد منهم يهمّني جداً . 

دخلت إلى مكتبي حاملاً صندوقاً فارغاً لكي أضع فيه أغراضي ، لم أنتق الكثير منها ، الأغراض التي كانت مهمّة بالنسبة لي لم تعد كذلك ، كُنت كمن يقف أمام تابوتٍ لشخص ميّت ، بعد رحيلهم لم يعد لغرضٍ من أهميّة ، هناك شيء لن يسعه صندوق ، شيء كبِر كحبّي لهم ، إنه قلبي ، قلبي سيبقى هنا ، في هذا المكان ، حيثُ ينتمي. شعرت بضعفٍ في رُكبتي ، جلستُ في كُرسي للمرّة الأخيرة ، وبدأ شريط الذكريات يمرّ مِن أمامي وكأن البداية كانت البارحة . 

* * * *

بدأت القصّة عندما مررت في شارع كنت قد مررت فيه عشرات المرّات من قبل ، لكن فقط في هذه المرّة رأيت صديقاً قديماً إنقطعت أخباره عنّي منذ خمسة عشرة عاماً ، إستخدمت الفرامل من أجل التوقف الفجائي ثمّ ركنتُ السيّارة إلى جانب الطريق ، قائد السيّارة التي كانت خلفي كان غاضباً ، لكنّي تبسّمت له ، لكي لا يفسِد غضبه فرحة لقائي بصديقي القديم

سألت صديقي : ماذا تفعل أمام هذا المبنى ؟ أجاب : أنا أعمل هُنا ، وأضاف : لندخل ونتابع حديثنا في الداخل
دخلنا وجلسنا في مكتبه ، دخلت إلى المكتب سيّدة لطيفة وسألتني قائلة : أتشرب القهوة أم
الشاي ؟ أجبتها شاي

قلت لصديقي : ما أهدأ هذا المكان ، أجاب مبتسماً : ما أهدأ !! ألنزلاء الآن في المدرسة ، عندما يأتون سوف تسمع ضجيجاً لم تسمعه من قبل ، ثمّ أضاف : ماذا تفعل هذا المساء ؟ أجبته : لاشيء محدّد ، قال : إذن لما لا تأتي وتسهر معي وتستمتع بضجيجهم المميّز ؟ وافقت على الدعوة بدون أيّ تردّد ، أردت أن أتعرّف عن قرب إلى هذا العالم الجديد ، عالم لم أحتكّ به من قبل . 

أتيت إلى السهرة ، جلسنا في الغرفة الزجاجيّة ، في الجهة المقابلة للغرفة كانت تجلس السيّدة المُشرفة تُراقبهم ، تتعامل معهم بعاطفة الأمومة ، تتدخّل لتُصلِح أيّ أمرٍ بينهم قبل أن يتحوّل إلى شجّار ، صديقي لم يكن يتدخّل إلاّ عندما يستدعي الأمر تدخله ، كان يقول لي : لا أريد أن أكون دائماً حازماً معهم فيكرهوني . 

من وراء الزجاج حفظت أسماءهم التي كان يردّدها على مسمعي ، بدأت أشعر بأنّي أعرفهم ، سهراتي في هذا المكان تكرّرت ، ومع الوقت درست شخصيّة كلّ واحدٍ منهم ، ألمُشرفة كانت نادراً ما تغادر كرسيها ، كُنت أراها كقطعة أثاث جميلة لا تتحرّك إلاّ لتُرحِّب بي ولتعُدّ الشاي وتضعه أمامنا في بداية كلّ سهرة . 

مرّت أشهر ، بعدها قال لي صديقي : ألعمل الذي كنت أنتظره في الخارج حصلتُ عليه ، أتتني الموافقة وسأسافر قريباً . كُنت قد تعوّدت على ضجيج المكان وتناقضاته ، كُنت قد أحببته ، لاحظ إرتباكي فقال لي : ألمركز بحاجة إلى مدير جديد وأستطيع تزكيتك لتحصل على هذه الوظيفة إن كنت ترغب فيها ، أجبته : أرغب بها ولكن ليس كوظيفة بل سأعمل مُتطوعاً ، والمعاش يحتاجه المركز أكثر منّي . 

بعد أسبوعين أصبحت المدير الجديد للمركز ، تعلّقت بنزلائه ، درست نفسيّاتهم ومشاكلهم ، كُنت الأبّ الروحي لهم
لن أسرد أسماء لكي لا تتقاطع مع أسماء حقيقيّة في مكان ما ، سأرمز لكلّ شخصٍ بحرف . 

أبدأ مع ( أ ) كان لطيفاً يسامح من يمزح معه ، كان نهماً محباً للطعام ، حتّى كنت أتخيّله كمكنسة كهربائية للطعام ، كان أيّ نزيل لا يُريد إتمام وجبته من الطعام يُعطيه ما تبقّى وهو كان يأكل الباقي بكلّ سرور ، ذات يومٍ أتى إلى الدار رجل وزوجته ، عرّف الرجل عن نفسه بأنه عمّ الفتى ( أ ) وبأنه قدم من السفر ليأخذه معه ،

كنت سعيداً من أجله ، وحزيناً لفراقه ، أعطيته رقم هاتفي ، وعنواني الألكتروني لكي يتواصل معي ، ودّعتهم حتّى الباب الخارجي ، كان شعوري كشعور والد يودّع إبنه من أجل دراسة طويلة في الخارج . مرّت شهور لكنّه لم يتّصل ، كُنت أحبّ أن أعرف أخباره لكنّه رمى بكلّ شيء وراءه ، أتمنّى له السعادة . 

(ب) ذات مساء طرقت باب الدار سيّدة تجرُّّ بيدها ولداً ، قالت وبصورة هستيرية : خذوا عنّي هذه المصيبة ، لا أريده ، تركته وركضت وهي تقول : لا تبحثوا عنّي ، لن تجدوني . بدأت أتكلّم مع المُشرفة قائلاً : يا لها من إمرأة قاسية ، تتخلّى عن إبنها ، أجابتني : لا نعلم ظروفها أو السبب في ما فعلته ، على كلّ حال سيكشف لنا الزمن سرّ فعلتها . كان في الثانية عشرة من عمره ، كان متمرداً ، بنيته الضعيفة لم تكن تساعده في إفتعال المشاكل ومع ذلك كان يفتعلها ، كان يُضرب قليلاً ثمّ تتدخل المشرِفة ، كانت تتلكأ في تدخلها قصداً علّه يرتدع عن أفعاله ، لكنه لم يرتدع . 

عندما أتى زوجان لتبنّي ولداً ، إختاروه هو ، كنت مستغرِباً لإختيارهم هذا ، لكن الحُزن الكامِن في عينيه قد أثّر بهما . أعطيته رقم هاتفي وعنوان بريدي الألكترونيّ ، لكنه كمن سبقه لم يتّصل
بعد سنتين علمت بالصدفة بأنهما كانا كريمان جداً معه ، أرادا إرضائه بشتى الوسائل ، لكنه وبسبب كرمهما هذا وقع في براثن مروّجي مخدرات وبدأ يتعاطاها ، إختلف معهما وفرّ إلى الشارع ، عمل في مركز للتسلية وأقام فيه ، إلى أن أخبر أحدهم الشرطة بشأنه فأدخلوه من جديد إلى دار للأيتام حيث الحراسة مشدّدة لمنع المشاكل ومنع الهرب . 

( ت) كان أذكاهم لذلك كانوا يغارون منه ، كان يتدخل في أيّ نقاش علمي ، كان عادةً يعلم الإجابة لذلك أسموه أينشتاين بقصد السُخرية ، أنهى الثانوية بنجاح ، إنتسب إلى الجامعة ، ولأنه أتمّ الثامنة عشرة من عمره إنتقل للعيش في شقّة مُشتركة مع مجموعة من الطلاب ، في هذا العُمر يتلقّى الطالب فقط معونات مالية والقليل من الإرشادات من الإدارة العُليا للدار . أيضاً لم أعد أراه أو أسمع صوته . 

( ث) كان يشبه هاري بوتر ، لذلك لقّبوه بهذا الإسم ، ذكي ، لا يخلو من بعض العُقد ، عصبيّ أحياناً ، لكن عصبيّته لم تكن لتتعدّى رفعه لصوته ، لم يكن من مُفتعلي أو محبّي المشاكل ، ناجح دراسياً . 

( ف) جميل الوجه ، بهي الطلعة ، يُشبه أيّ ولد من أولاد الأرستقراطيين ، لو شاهدته في الشارع لما شككت للحظة بأنه يتيم ينتمي إلى دار للرعاية ، صلِب ، لا يتنازل عن حقّه بسهولة ، لكنّه فاشل دراسياً للأسف . 

هناك في الصالة مجموعة كانت تنتشر في الزوايا ، يستخدمون الواتس آب للدردشة مع صديقاتهم ، يبتسمون حيناً ، يحزنون أحياناً ، أحدهم كان ( ج ) كان يجلس باضطراب ، يرسل رسائل نصيّة ثمّ يغيّر مكانه ، يفكّر بينه وبين نفسه : قد يكون الأرسال سيّء في هذه الزاوية ، لم يترك زاوية إلاّ وجربها ، جلس على الكرسي إلى جانب غرفتي ، ثمّ على الكرسي التي أمامها ، يكتب ويكتب ، يُشيح بوجهه إلى الزاوية المُقفلة حتّى لا يرى أحد ألدمعة التي على وشك أن تنزل من عينه .

خرجت من الغرفة وقلت له : للصراحة أشعر بالأسف لأجلك ، دعها وشأنها ، لا شيء يستاهل دموعك التي أراها على وشك النزول من عينيك ، نظر إليّ باستغراب كيف حلّلت كلّ هذا من دون أن أسمع أو أرى أي كلمة من حديثه؟ ، نظر بحزن ولم يتكلّم ، سألني أحد الموجودين وكان مِن مْن يعرفونه قائلاً : من هي ؟ قلت : صديقته ، أجاب : كيف عرفت ؟ أجبت : هناك برنامج على تلفوني أستطيع بواسطته أن أرى ما يكتب ، ( بالطبع كنت أمزح ) أجاب : وماذا يكتب ؟ قلت : هي بدأت الحوار قائلة : لقد إنتهى كلّ شيء بيننا ، أجابها : لماذا ؟ قالت لقد حذروني منك ، أنت تكلّم أكثر من فتاة في ذات الوقت ، أجابها هذا كذب لا أكلّم غيركِ ، قالت : والفتاة التي كانت معك في محل الآيس كريم ؟ أجاب : هذه إبنة خالتي ، قالت : إبنة خالتك مع هذا الضحك والتدافع ؟ أجاب : إنها من عمري وقد عشنا معاً كأشقاء ( هنا بدأ جمهور المستمعين يكبر وينصت إلى القصّة ، حتّى هو أعجبه الحوار ، وضع هاتفه جانباً وأخذ يستمع بشغف ) قالت : لماذا لم تجب على رسائلي بعد الظهر : أجاب : لقد كنت نائماً والهاتف مغلق ، قالت : لقد كنت أرى العلامة التي تُشير إلى وصول الرسائل ، أجاب : هذه العلامة تُشير إلى وصولها إلى هاتفي وإن كان مُقفلاً ، قالت : أكاذيب ، أكاذيب ، لقد سئمت من الأكاذيب ، أجاب : لم أكذب عليكِ ولو مرّة واحدة ، يجب أن تثقي بي ، أنا أثق بكِ ، قالت : لم أعد أثق بأحد .

( هُنا قلت للجميع : طبعاً هذا حوار أنا ألّفته وكُنت أستطيع أن أتابع حتّى الصباح ، لمن لا يعلم ، أنا أؤلف قصصاً ، تستطيعون متابعتي على الفيسبوك ) بعدها سألت الشاب بعد أن إفترق الحشد وكنت أعرف طباعه لأنه من أكثر النزلاء لطافة وهدوأً : كم عمرك ؟ 15 ، 16 ؟ أجاب : ستة عشر ، قلت : الذي حدث معك الآن سيحدث وسيحدث من جديد ، علاقتك معها لن توصلكما إلى خاتمة ، أجاب : هي تحبّني ولكن أهلها يريدون إبعادها عنّي ويبدو أنهما قد نجحا بالأمر ، قلت : أهلها لديهما منطق ، هل ستبقى على حبّها بعد 15 سنة ؟ أجاب : ولماذا 15 سنة ؟ قلت : 3 ثانوي ، 3 جامعي ، 3 تفتيش عن عمل ، 6 بدل المجوهرات والعرس ،، ثمّ يبقى الكثير من أجل الفرش وثمن الشقّة ، عليك أن تصل إلى شيء ما أولاً ثم تبدأ بالحب ، ألحبّ هو للضعفاء ، خرافة يغذّيها الحرمان ، كلام جميل منمّق ، ليس أكثر ألحبّ الحقيقي هو مجرّد سخافة ، كذبة تُصنع بواسطة فيلم أو قصيدة ، هذا المفهوم ليس له وجود ، في الحقيقة لا نجد حباً يُشبه الأفلام أو القصص ، كلّ شخص بائس أو يائس يبحث عن شيء غير موجود ليبرّر يأسه ، لكن الواقع شيء آخر .

قال : أريد أن أكتب لها قصائد حبّ ، هل تعلّمني كيف أكتب ؟ أجبته : هذا شيء لا يستطع أحد أن يعلّمه لغيره ، لا أتمنّى لك أن تكتب قصائد حب ّ أبداً ، قال ولماذا ؟ أجبته : عندما تحب لدرجة ألإشتعال وتحترق ، وقبل أن تصبح مجرّد رماد ، يغمرك الحزن ، تأسرك الكآبة ، فتكتب شعراً يعبّر عن ما مررت به ، لا زلت صغيراً ، أدخل إلى فرع الألعاب في هاتفك ، ألعب مع أترابك ، أطلق النار ألكترونياً عليهم اجمع عدداً جيداً من النقاط ، إستمتع باللهو ، تحرّر من قيود الحب وانطلق خفيفاً حُراً كالهواء . 

(ش) كان سطحياً ، لا يحترم أحد ، شعلة من الغباء ، يحبّ المشاكل ، يظنّ نفسه أذكى من غيره ، لم يبق له الكثير من الوقت في الدار لأنه إقترب من الثامنة عشرة وعليه أن ينتقل إلى مكان آخر ليتعلّم مهنة ما ، أرجو أن لا تكون خطرة لكي لا يُصاب بعاهة دائمة .

(خ) لطيفاً ، رقيقاً ، مؤدباً ، لكنه فاشل دراسيّاً ، مُصاب بمرض السرِقة ، كان يسرق بصورة مكشوفة أشياء لا قيمة لها من أصدقائه فيقع دائماً في ورطة.  

( ع ) كان طموحاً يتكلّم دائماً عن تجارته المستقبليّة ، كان أحد أقرباءه قد وعده بمساعدته
عند بلوغه الثامنة عشرة ، عندما بلغها أسّس له فرناً للمعجنات ، فشِل في إدارته وإنتهى بائعاً في أحد المحال . 

( غ ) كان دميماً لكنه كان يظن بأنه وسيم ، تطلّق أهله وتخلّوا عنه ، وضعوه في الدار ، كان حاقداً على الجميع ومن دون أي سبب ، ربّما دمامته وتخلّي أهله عنه كانا السبب في ذلك . 

ألباقين كانوا هامشيين ، لم يتركوا وراءهم أيّ أثر يُذكر ، ذهبت إلى الغرفة الزجاجية ، جلست وراء مكتبي الصغير ، بدأت أتخيّلهم يجولون في الصالة ، فِكرة عدم عودتهم كانت قاسية وفوق الأحتمال ، مع ذلك كنت أراهم كالأشباح يدخلون في نفق ، واحد وراء الآخر ولا يخرجون منه ، كدت أمدّ يدي لألتقطهم ، لأمنع ذوبانهم في العدم ، إستسلمت للواقع وجلست مُسمراً في كرسيّ . لا أدري كم مرّ من الوقت قبل أن أسمع الباب يُفتح ، قفز قلبي من بين أضلعي ، ها أحدهم قد أتى ، لقد كانت المُشرفة ، أتت لتجمع أغراضها كما كنت أفعل ، قالت : أنت هنا ؟ لماذا لم تُضيء الصالة؟ أجبتها : ألضوء الخافت يكفيني لقد ذهبوا من كُنّا نشعل الأنوار من أجلِهم . جلسَت على الكرسي المقابل ، ألكرسي الذي كنت أجلس عليه في بداية زياراتي قبل أن أصبح مديراً ، قالت : من يدري ، قد يعود التمويل للدار ويُعاد فتحها ، أجبتها : ألمشكلة لم تكن فقط في التمويل بل في تناقص الطلاب ، نصفهم غادر لبلوغه السنّ القانوني ، قُسم منهم وُجِد من تبنّاه ، من بقي ومن دون تمويل كاف ، كان لا بدّ من ضمّه إلى دار أكبر ، ومع ذلك لن أخوض هذه التجربة من جديد . 

جَمَعت بعض أغراضها ، تصرّفت تماماً كما تصرّفتُ أنا تركت معظمهم وراءها ، عند الوداع يرخص ثمن الأشياء ، وقفت لكي نخرج ، قلت لها : أشعر بضعف مفاجيء في ركبتي ، هل أستطيع أن أتكيء على ذراعك ؟ أجابت : طبعاً ،وأضافت ممازحة : أرى أن بوباي لم يأكل السبانخ اليوم ، أجبتها : ألفراق يحطّم حتّى الأقوياء . خرجنا وصفعت الباب وراءنا ، شعرت وكأن صدى الإقفال قد سمعه جميع سكان المدينة. 

قبل أن أودّعها قلت لها : أظنّ بأنهم سيتصلون بكِ ، إن إتصل أحدهم أُعلميني بأخباره ، وأرسلي له سلامي ، لقد أعطيتهم رقمي ولكن قد يتصلوا بكِ أولاً لأنهم يعرفونكِ أكثر . 

مرّ وقت ، كنت أنظر فيه دائماً إلى هاتفي المحمول ، أفرح عندما أجد إتصالاً لم أجب عليه ، أعيد الإتصال ، يأتي صوت من بعيد ليقول لي : آسف بالخطأ ، بريدي الألكتروني الذي لم أفتحه في السابق بدأت أفتحه كلّ يوم لأجد إشارة : صفر رسائل ، بدأت بتحديث الواتس آب واضعاً الملامة على النسخة القديمة ، ألنتيجة : صفر رسائل منهم ، ألوقت يمُرّ ، ما زلت أنتظر شيئاً منهم ، لكنهم لم يتصلوا بالمرشدة ولم يتصلوا بي أحياناً أسرح بأفكاري أراهم يريدون الإتصال بي لكنهم أضاعوا رقم هاتفي ، ثم أعود إلى الواقع ، من المستحيل أن يفقد أكثر من ستين شخصاً غادروا الدار خلال عامين رقم هاتفي

إتصلت بالمرشدة علّني أسمع منها شيئاً عنهم ، كانت حزينة كمن فقدت أولادها ، لم يتصل أحد بها
لو عاد بي الزمن للوراء هل كنت لأقبل بأن أتطوّع من جديد ؟ سؤال لم أتمكن من إجابة نفسي عليه  . 

تمّت … 

تاريخ النشر : 2020-10-08

مقالات ذات صلة

25 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى