ألغاز تاريخية

مشروع إم كي ألترا

بقلم : تقي الدين – الجزائر
للتواصل : [email protected]

التحكم بعقول الناس هي غاية وحلم معظم الانظمة
التحكم بعقول الناس هي غاية وحلم معظم الانظمة

الحرب الباردة ، ذلك الصراع الخفي الذي شطر العالم نصفين بسكين حاد أمسك قبضته كل من الولايات المتحدة و الإتحاد السوفياتي ، و بما أن الهدف كان قطع كعكة السلطة فإن الدولتان قد لجئتا لأساليب يمكن وصفها بالمتطرفة إن لم نقل أكثر من ذلك..
مشروع أم كي ألترا التابع لوكالة المخابرات الأمريكية كان أحد تلك الأساليب فقد كان الهدف الأساسي منه هو ” التحكم بالعقول ” ، رغم أنه أعتبر فشلا ذريعا من قبل رئيس جهاز المخابرات بنفسه إلا أن الطرق المستعملة فيه و الإلحاح الغريب للوصول للنتائج رغم إستحالة الأمر جعلتا منه أحد أغرب القضايا التي خرجت من أروقة جهاز إستخبارات على الإطلاق .

البداية

blank
الحرب الباردة كانت صراع استخدمت فيه كل الوسائل النظيفة والقذرة

جذور المشروع تعود للعام 1945 ، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية و تفوق الحلفاء بدأت القوات الأمريكية بإعتقال أطباء الموت النازيين و إبقائهم أسرى تمهيدا لنقلهم للولايات المتحدة الأمريكية للعمل على مشروع تطوير أسلحة بيولوجية بحكم خبرتهم و قد بلغ عدد الأطباء حوالي ستة عشر ألف طبيب ، رغم رفض الرئيس هاري ترومان لفكرة توظيف أشخاص يحملون معتقدات النازية إلا أن جهاز المخابرات خالف أوامره و قام بإتلاف دلائل تخص بضع أطباء متهمين بجرائم حرب بنية إدخلاهم للبلاد لإستئناف عملهم .

قبل سنتين فقط من حرب الفيتنام و تحديدا عام 1953 أعطى آلان دولس مدير المخابرات الأمريكية آنذاك الضوء الأخضر لرئيس المشروع سيدني غوتليب من أجل تصنيع عقاقير أو مخدرات ” التحكم بالعقل ” ، متأثرا بالشائعات التي حامت حول إستعمال السوفيات و الصينيين و الكوريين لتقنيات التحكم بالعقل على السجناء الأمريكيين خلال الحرب الكورية.

عكف غوتليب على تطوير منتج أكثر تطورا و فعالية بهدف إستخدامه على أسرى الأعداء بدوره.
في نفس ذلك الوقت بالشوارع ظهر مخدر جديد تحت إسم إل إس دي ( LSD ) بدأ يتناقل بين أيدي المدمنين ، هذا العقار ” الجديد ” المزعوم كان أقوى بكثير من أقرانه فجرعة صغيرة منه كانت كافية لتسبب إضطرابات في الرؤية و المزاج و الفكر كما يمكن أن تؤدي أيضا لأعراض مشابهة لأعراض هلوسات الفصام و هلوسات جنون العظمة ، إكتشفه لأول مرة الدكتور ألبرت هوفمان عام 1938 لكن الرابطة بينه و بين مشروع إم كي إلترا كان أكبر من ان يتم تجاهلها ، فقد ظهر هذا العقار في كل تجربة تم أجرائها تحت جناح المشروع مما جعل العديد يفكرون في كون هذا العقار نتيجة خليط المحاولات العديدة و التجارب الفاشلة التي كانت تقوم بها CIA بلا هوادة ، و بين هذا و ذاك تبقى هذه الصدفة عموما غريبة و غير قابلة للتصديق .

الهدف خلف المشروع

في صبيحة الثلاثين من أوت عام 1949 أعلن الإتحاد السوفياتي أنه تمكن أخيرا من صنع أول قنبلة نووية و التي كانت مطابقة في معاييرها لحد كبير لشقيقتها الأمريكية ، السر خلف ذلك التشابه هو أن الجواسيس السوفيات إستطاعو الوصول للتصاميم و سرقتها ، طبعا غاضبين من ذلك و متشبعين بالهلع عمد قادة الإستخبارات الأمريكية على تطوير مصل يمكنهم من جعل السوفيات يتحدثون في حالة القبض عليهم و هذا لأنهم متيقنون من أنهم لن يرضخوا تحت ضغط الإستجواب مهما كان متطرفا ، و بعد الإنتهاء من إستجوابهم يتم برمجتهم كالآلات ليبدؤا العمل لكلا الطرفين كعملاء مزدوجين و هو ما عرف آنذاك و مازال يعرف حتى يومنا هذا بإسم العملاء النائمين ( sleeper agents ) , طبعا للوصول لتلك النقطة كان عليهم إجتياز طريق قذر من التجارب و المحاولات لكن قبل الغوص في ذلك المستنقع سنلقي نظرة على الخطوات الأولى قبل كل شيئ .

ما قبل التجارب

blank
الهدف كان إفراغ العقل و من ثم زرع عقل جديد!

الغاية الرئيسية من هذا المركب بغض النظر عن الإسم الذي لم يعطى له شرحه بالتفصيل أحد العاملين على المشروع بقوله : ” الهدف كان إفراغ العقل و من ثم زرع عقل جديد في ذلك الفراغ الذي أحدثناه ” .
و طبعا بما أن القول أسهل من الفعل فإن الخطوات لذلك الهدف المنشود كانت صغيرة جدا و مجزأة لكن يمكن حصرها في فئتين رئيسيتين و هما :

أولا : النفسية

الخطوة الأولى أو الأساسية إن صح التعبير كانت محاولة تطوير عقار يصيب حرفيا بالجنون ، فيحفز العقل على خلق هلوسات و رؤية أشياء غير طبيعية أو بمعنى آخر ” جنونية ” ، السجين و المجرم جايمس بولغر كان أحد المتطوعين و قد وصف الأعراض بقوله : ” لقد إختبرنا فترات حقيقية من الكوابيس الحية و حتى دماء تنبثق من الجدران ، أشخاص يتحولون لجماجم أمامي . رأيت كاميرا تتحول لرأس كلب ، شعرت أنني سأصاب بالجنون ” .

تجارب أخرى عديدة تم إجرائها على عدد من المتطوعين منها محاولة أمر شخص بزرع قنبلة فقط عن طريق مكالمة هاتفية بشيفرة محددة و غيرها من الأفكار المشابهة التي كان الهدف منها أساسا جعل البشر يتحركون وفق أوامر معينة لتأدية مهام معينة ثم التوقف كآلة .

ثانيا : الجسدية

في الجانب الجسدي حاول العلماء صنع عقاقير تصيب المرء بالشلل أو تتحكم في حركاته و رغم عدم وجود دليل قاطع على نجاح التجارب إلا أن الفكرة فقط بحد ذاتها تبقى مخيفة ، فلربما كللت الأبحاث بالنجاح لكن النتائج لم تظهر للعلن قط .

التجارب في أمريكا

blank
اخضع الكثير من الناس لهذه التجارب دون علمهم

لرؤية التأثيرات و النتائج بطرق مختلفة و على أشخاص مختلفين لم تجد المخابرات الأمريكية وسيلة أفضل من توزيع الإل أس دي على الجميع سواء كانوا مدمني مخدرات ، أشخاص بحاجة لأدوية مهدئة ، أو مرضى مستشفيات الأمراض العقلية فهذه الفئة كما أوضح أحد العملاء : ” لا يمكنها الدفاع عن نفسها ” .

ليس هذا و حسب بل قاموا أيضا بتوزيعه على عملاء في ذات الجهاز ، أطباء ، جنود في الجيش الأمريكي ، و وصل بهم الأمر حتى لإعطائه لمواطنين عاديين دون علمهم بذلك مخترقين خصوصيتهم ، و لعل أشهر هذه القصص قصة وفاة لاعب التنس هارولد بلاور الذي دخل برنامج العلاج الخاص بمصح نيويورك بعد طلاقه و إصابته بالإكتئاب لكنه لم يخرج قط ، إذ تم حقن كيس السيروم خاصته بعقار مشابه للإل إس دي مما أدى لمضاعفات خطيرة إنتهت بوفاته ، قصص أخرى عن وفيات حامت فوق سماء هذا المشروع ، منها رمي عالم جيولوجي له علاقة بالمشروع لنفسه من نافذة الطابق العاشر لغرفة فندق في نيويورك إلى وفاة شخص بعد سقوطه من سقف مصحة كان يعالج فيها بعدما جعله المخدر يمشي في نومه .
الأمور للأسف لم تتوقف عند هذا الحد فالخطوة التالية هي لحد بعيد أحد أغرب الأشياء التي قد تسمعها في حياتك .

عملية Operation midnight climax

كانت الجزء الثاني من التجارب و قد إستعملت هذه المرة بائعات الهوى كوسيلة لإيصال المخدر للعامة ، كان ذلك يتم عن طريق إستدراج الضحايا لغرف خاصة ثم إعطائهم المنتوج و طبعا بما أن الهدف دوما دراسة التأثيرات فإن بائعات الهوى و بعد الإنتهاء من عملهم كن يحاولن جعل الضحايا يتحدثون عن أمور شخصية و هم مخدرون ، كل هذا كان يتم تحت مراقبة عملاء المخابرات الذين كانوا يسجلون كل شيء و هم جالسون خلف مرايا بإتجاهين موضوعة خصيصا داخل تلك الغرف ، حتى أنهم قاموا في بضع حالات بإبتزاز بعض الأشخاص من ذوي المناصب العليا و لم يتوقف الجنون هنا ففي ولاية سان فرانسيسكو تم الإبلاغ عن العديد من حالات الإعتداء الغريبة من قبل مواطنين يدعون أنهم حقنوا من قبل أشخاص مجهولين بإبرة معبئة بالإل إس دي و قد وصلت هته الإدعائات بعد مدة لرئيس جهاز المخابرات الذي ألغى المشروع و كان ذلك بداية نهاية التجارب التي حدثت في أمريكا .

التجارب في كندا

blank
 جعل الضحايا يتحدثون عن أمور شخصية و هم مخدرون

في كندا و في العام 1957 بدأت عجلة العمل الجديد ” المشروع المنشق 68 ” بالدوران تحت إشراف العالم النفسي البريطاني دونالد إوين كاميرون ، مستعملا طريقته الخاصة ” التحكم النفسي ” عرض هذا الأخير المرضى القابعين خلف جدران مصحة آلان ميموريال بمونتريال لثلاث أنواع من التجارب ، تخديرهم بالإل إس دي ، الصعقات الكهربائية ، أو جعلهم يستمعون لأشرطة لا منتهية تبث نغمات معينة ، و المقزز في الأمر هو أن مرضاه كانوا أشخاصا دخلوا المصحة لعلاج أمراض نفسية بسيطة كالقلق و التوتر لكنهم للأسف أضحوا يعانون من مشاكل نفسية دائمة تمثلت في فقدان الذاكرة و نسيانهم لكيفية الكلام و إعتقادهم أن مستجويبهم هم أولياء أمورهم ، و قد كان التحقيق الذي قام به برنامج the fifth estate نقطة نهاية المشروع رسميا عام 1964 ، و هو متوفر على اليوتيوب في حالة ما إذا أردتم أن تعرفوا أكثر .

افتضاح الاسرار

في ديسمبر من العام 1974 نشر الصحافي في النيويورك تايمز سيمور هيرش مقالا فضح فيه كل الممارسات التي تمخضت عن ذلك المشروع ، مما أدى لهلع داخل أروقة وكالة المخابرات الأمريكية و كذا الحكومة و دفع بنائب الرئيس روكفيلير لإنشاء لجنة روكفيلير و التي كان هدفها التحقيق في مشاريع وكالات المخابرات ، الأف بي آي و الجيش الأمريكي ، و لسوء طالع لجنة التحقيق و حسن حظ آلان دولس إنهمكت الحكومة الأمريكية في فضيحة واترغيت مما مهد الطريق أمام الوكالة لإتلاف كل الوثائق المتعلقة بالمشروع ، و بهذا تنتهي مهزلة أم كي ألترا و التي صرح دولس شخصيا أنها كانت : ” بلا فائدة ” . إذ لم يصلوا لأي مصل أو عقار يمكنهم من التحكم في العقول لأن الفكرة أساسا غير قابلة للتصديق .

نظريات المؤامرة

إنتشرت على الإنترنت العديد من المقالات التي تتحدث عن كون بعض المشاهير عملاء نائمين كما أن هناك من لا يزال يعتقد أن المشروع لم ينتهي حقا بل مازال موجودا بإسم آخر و طرف ثالث ربطه بإغتيال الرئيس جون إف كينيدي لكن كل هذه المزاعم تبقى بلا دليل واضح و مجرد ” نظريات مؤامرة ” .

في الثقافة الشعبية

تم إستخدام فكرة العملاء النائمين في العديد من الأفلام و البرامج التلفزيونية سواء الساخرة أو الجدية كما تم إستعمالها في ألعاب الفيديو و لعل أحدث تلك الأعمال هو اللعبة الجديدة من السلسلة الشهيرة كال أوف ديوتي و التي تتبع البطل بيل الذي يعمل مع فريق صغير من العملاء السريين الأمريكيين ليكتشف في النهاية أنه عميل نائم يعمل في الأصل لصالح الكي جي بي .

الخاتمة

ختاما لا يمكننا سوى الوقوف حائرين أمام عجرفة هذه الوكالات التي لا تعترف بمفهومي القانون و الخصوصية ، بل و تبرر أفعالها بغطاء حماية الأمن القومي ، و أنتم ماذا تظنون ، هل يجب علينا حقا أن نضحي بخصوصيتنا لأجل الخير الأعظم ؟

مصادر :

Project MKUltra – Wikipedia
– Youtube – mk ultra – answers with joe

تاريخ النشر : 2021-02-13

تقي الدين

الجزائر

مقالات ذات صلة

28 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى