قتلة و مجرمون

مقتل بولي كلاس: جريمة بدون معنى!

بقلم : مصطفى 2018 – الجزائر
للتواصل : [email protected]

بولي كانت فتاة جميلة في مقتبل العمر
بولي كانت فتاة جميلة في مقتبل العمر

عام 1993 إختطفت المراهقة بولي كلاس (12 عاما) من غرفتها أمام صديقتيها ولم تستغرق الجريمة اكثر من ربع ساعة لكنها كانت كافية لترويع الولايات المتحدة بأسرها و أصبحت قضية رأي عام و من اشهر قضايا الإختطاف في تاريخ البلد.

ليلة الجمعة من شهر أكتوبر سنة 1993 في شمال كاليفورنيا كانت ثلاث فتيات تتحضرن لحفل الهالويين بتجريب أزياء تنكرية .. وفي غضون لحظات ستتغير حياتهن للأبد .

في قرابة الساعة الثامنة و النصف من تلك اليلة المشؤومة كانت الفتيات مقبلات على قضاء سهرة مرحة يتخللها مشاهدة فيلم مرعب و تناول المثلجات و رقائق البطاطا و الثرثرة عن أحلامهن و مشاكلهن التي لا بداية و لا نهاية لها.
وبدأت الحفلة و لم يلحظ أحد الخطر المحدق بهن في الجوار ، صعدت الفتيات إلى غرفة نوم بولي و علت أصواتهن بالثرثرة والضحكات ، وقرابة العاشرة صعدت والدة الضحية إيف إليهن طالبة منهن أن يخفضن أصواتهن نظرا لأنها تعاني من صداع اليم و تريد النوم مبكرا ، غادرت الأم إلى فراشها واثقة كل الثقة بأن أصواتهن ستعلو بعض ثواني . فتناولت الأم حبوبا تساعدها على النوم.

blank
منزل بولي كلاس

إستمرت السهرة ساعة من الزمن و على حين غرة إقتحم ضيف غير مدعو حفلة البنات ، فظنن بأنها مزحة سمجة لكنهن لمحن السكين الضخم التي يحمله في يده ، هددهن بالذبح إذا صرخن و أراد معرفة أيهن تقطن هنا لأنه لم ياتي لأذيتهن بل بحثا عن المال ، فأخبرته بولي بأن المال موجود بعلبة المجوهرات لكنه لم يحاول العثور عليه .
قام بتكبيل يدي بولي و غلق فمها و قادها إلى الخارج آمرا صديقتيها بالعد حتى الألف و أقنعهن أنها ستعود بعد أن يكملا العد ، لكنه إختفى في الظلام و لم يعد .

حضرت الشرطة خلال دقائق لتجد الأم المكلومة في حالة ذعر و معها البنتين المصدومتين و غرفة بولي التي تحولت إلى فوضى ، ولم تكن ثمة ادلة كثيرة.

تولت كل من الشرطة المحلية و الفدرالية عملية التحقيق في القضية مدركين صعوبتها نظرا لأن المخطوف غالبا ما يقتل بعد 48 ساعة ، و قام الرسام برسم صورة تقريبية لملامح الخاطف بناء على توصيف الفتاتين اللتين كانتا مع بولي في حجرتها ، كما تم استدعاء فريق خاص لتقصي الأدلة و الذي عثر بعد ساعات من البحث على بصمة قد تكون للمجرم و هذا أول دليل لديهم.

blank
اختطفت من حجرتها بينما كانت تلعب مع صديقاتها

قام المحقيقن بتفتيش الشارع الذي تسكنه الضحية بيتا بيتا و حققوا مع زملائها و مدرسيها و جيرانها و كل من له علاقة بها دون بارقة أمل سوى حديث البعض عن مشاهدة شخص غريب يجول في المنطقة ليلة الجريمة ، لتتحول القضية بعد يوم إلى أكبر عملية بحث في البلد ، و تعثر الشرطة على شعرة تخص المجرم نزعت بالقوة نظرا لوجود أنسجة عليها تدل على ذلك .

إنتشر الخبر كالنار في الهشيم وتم توزيع 50000 الف منشور يحمل صورة بولي ويطلب معلومات عنها ، و أنشا متطوعون مركز بحث و مركز خاص بتلقي الاتصالات 24/24 ساعة و عملوا بالتنسيق مع الشرطة في التحري عن الفتاة المخطوفة كسابقة في التاريخ بما ان البحث شارك فيه مئات المتطوعين ، وحددت مكافاة قيمتها 200000 الف دولار لمن يدلي بمعلومة تؤدي الى العثور على بولي.

blank
وزعت الاف الملصقات للبحث عن بولي

تلقت الشرطة مكالمتان زعمت المتصلة أنها بولي ، تمكنت الشرطة في الثانية من تحديد مكانها ليتفاجأوا في النهاية بأن الأمر كله لعب أطفال و البيت يعود لأسرة عادية حاولت إبنتهم المراهقة تنفيذ تحدي أصدقاء المدرسة .

قامت الشرطة بإستدعاء رسامة مشهورة وطلبوا منها ان تتعامل مع الشهود بلطف و لا تضغط عليهم للحصول على اوصاف ، الامر الذس جعل الفتاتان أقل توترا مما أدى إلى الحصول على صورة أوضح و أفضل من الأولى عممت في الحين .

أصبح الأمر أكثر درامية عندما وجه الوالدان المكولمان رسالة في إحدى الصحف إلى الخاطف قالا فيها :

“أيا كنت و أينما كنت نرجوك أن تعيد إلينا بولي ، نشتاق إلى ضحكتك المشرقة ابنتنا و بريق عينيك و صوتك المبهج”..

وفي الليل خرج الناس في مسيرة تحت ضوء الشموع بشعار: “أعيدها إلينا …”

بعد شهرين على إختفاء بولي كلاس حصلت السلطات على أول دليل حقيقي حين إستدعي المحققين إلى منزل امرأة تدعى دانا جيف ، وكان المنزل يقع في نهاية طريق موحش و مظلم ، قادت الشاهدة الشرطة إلى مكان قريب من بيتها لاحظت فيه شيئ غريب و هو وجود قطع من الملابس و الأشرطة و كانت قبل هذا الإكتشاف بقليل قد لمحت شخصا غريبا يحوم في ملكيتها .

قالت الشاهدة بأن كل شيء بدأ قبل حوالي شهرين عندما كانت حاضنة الأطفال التي تعمل لديها تغادر البيت بسيارتها ليعترضها شخص غريب يوقف سيارته على جانب الطريق ، أخبرها أنه عالق و أصر ان تخرج لمساعدته … فشعرت بإنقباض و نفور من مظهره ، وتابعت القيادة و هي تريد الوصول إلى اقرب هاتف لتحذير صاحبة البيت منه.

تلقت دانا الإتصال و لم تكذب خبرا إذ حملت مضرب بايسبول و أسرعت إلى المكان لتفاجئ بعدم وجود شيء ، فاتصلت بالشرطة و أصرت على إبعاد هذا الشخص السمج الغامض فقط دون إعتقاله بتهمة إقتحام ملكية خاصة.

blank
الرجل الغريب لم يكن سوى ريتشارد دافيز .. مجرم ذو سوابق

كان الرجل الغريب مخمورا و شعره ممتلئ بالأعشاب كأنه تدحرج على الأرض … و سرد رواية لم يصدق منها الشرطيان حرفا . قاما بتفتيش سيارته غير أنهما لم يعثرا إلا على علب جعة و كيس فارغ ، شكا فيه و طلبا من دائرة الشرطة القيام ببحث عنه ليتضح أن سجله نظيف كسائق و لأنهما أوقفاه قرابة ساعة دون وجود سبب لإعتقاله أخليا سبيله.

هذه الواقعة الغريبة حصلت بالضبط ليلة إختطاف بولي كلاس .

توجه المحقق المسؤول و مساعديه مباشرة إلى عين المكان و بدأوا بجمع الأدلة مدركين أنهم يعاينون مسرح الجريمة على الأرجح ، إتضح أن الرجل الغريب يدعى ريتشارد آلن دافس و يخضع لإطلاق سراح مشروط بعد أن قضى 8 سنوات بتهمة الخطف و الإعتداء المسلح.
مشتبه به مثالي لإرتكاب جريمة الخطف ، وقد زادت الشكوك حوله لكون صورته متطابقة مع تلك التي رسمتها الشرطة للخاطف ، كما أن والدته جارة الضحية .

تناسبت الأدلة التي عثر عليه بالغابة تماما مع الأشياء المفقودة من بيت بولي مثل الأشرطة و قطع الملابس ، و بدا واضحا أن بولي كانت هناك و ريتشارد هو خاطفها ، فإعتقل بتهمة خرق إطلاق سراحه المشروط ، ولم يعتقل بقضية اختطاف بولي لعم كفاية الأدلة.

blank
المكان الذي عثر فيه على جثة بولي

تعرفت عليه الفتاتان في مركز الشرطة رغم مرور شهرين على الحادث إضافة إلى تطابق بصمات أصابعه مع تلك التي رفعت من مسكن الضحية ، وكانت تلك لحظة حاسمة خاصة عندما أعلن المحقق المسؤول لزملائه أنهم عثروا الآن على خاطف بولي كلاس فصرخوا و صفقوا فرحا و تطايرت الأوراق في المكتب …

امام هذا الوضع اضطر المتهم ريتشارد الى التعاون مع السلطات حيث روى ما حدث في تلك الليلة المشؤومة ، قال الجاني : “حاولت زيارة والدتي إلا أني لم أتمكن من العثور على عليها لأنها باعت البيت و غاردت فشعرت باحباط شديد و شربت بعض الجعة و تمشيت في الشارع و انا لا أعي أين أنا و لا ماذا افعل كما كنت أحمل كيسا من الأربطة و شريط لاصق (مما يثبت نواياه السيئة ) حتى وجدت نفسي أمام بيت به نافذة مفتوحة وضوضاء منبعثة منه ، ولجت إلى الداخل و أخذت سكينا من المطبخ و لا أذكر شيء بعد هذا”.

blank
صورة لبولي مع ابيها

إدعى المجرم الخبيث أنه وجد نفسه يقود سيارة و بجانبه فتاة صغيرة مقيدة ، إنحرف عن الطريق الرئيسي إلى آخر ترابي لكن المركبة علقت في الوحل ، فقام بإخراج الفتاة و قادها إلى الغابة ، كان ينوي إرجاعها بعد أن يحرر السيارة .

وفي الوقت الذي علقت فيها سيارة المتهم كان خبر اختطاف بولي يعمم على موجات الشرطة لكن الشرطيين الذي أوقفاه كانا يستمعان إلى موجة مختلفة ، وكانت الإجراءات المتبعة أنذاك تقضي بالبحث عن سجلات القيادة دون السجل الإجرامي للموقوف ، فقاما بسحب سيارته و مرافقته إلى الطريق العام ، إنتظر بعدها نصف ساعة و عاد لإصطحاب بولي و هو مدرك أن عليه التخلص منها ، في النهاية عرف المحققين أن بولي قد قتلت .

إصطحب ريتشارد دافيس الشرطة إلى مكان الجثة ليلا لعدم قدرتهم على إنتظار الصباح ، قادهم إلى حقل به طاحونة مهجورة ، وسط الأعشاب كانت ترقد جثة بولي الضحية البريئة و المغدورة صاحبة 12 ربيعا .

blank
المجرم في قاعة المحكمة ..يسخر من عائلة الضحية ويشير اليهم باشارة بذيئة .. كأنه لم يكفه انه قتل ابنتهم!!

خضع المجرم للمحاكمة سنة 1996 امتدت لعشرة اسابيع ، واثناء المحاكمة كان القاتل يسخر من عائلة الضحية ، ويستهزأ بألمهم ، ويلوح لهم بإيماءات بذيئة ، وليزيد من ألمهم وجروحهم قال وهو يسخر بأن اخر ما قالته بولي قبل ان يقتلها هو: “ارجوك لا تفعل بي كما يفعل ابي” ، في اشارة خبيثة الى ان والد بولي كان يتحرش بها ، الامر الذي دفع الوالد المكلوم الى محاولة مهاجمة المجرم في قاعة المحكمة لولا ان الحراس منعوه. وامام هذا السلوك الهمجي والخبيث لم تستغرق هيئة المحلفين وقتا طويلا لتعلن ريتشارد آلن دايفس مذنبا بتهم عديدة منها الخطف و السرقة و السطو المسلح و القتل ، لينال حكما بالإعدام .. لكنه لم يعدم حتى يومنا هذا بعد 24 سنة على اصدار الحكم عليه .. بانتظار ان تتحقق العدالة يوما ما.

حاول محامي القاتل اثناء المحاكمة اظهار ان سبب الخطف لم يكن لغرض الاغتصاب ، وفي الحقيقة فأن سجل ريتشارد حافل بالجرائم ، خصوصا السطو والعنف والمخدرات والخمر ، لكن لم يكن له سجل باختطاف الاطفال واغتصابهم ، مما يثير التساؤل حول السبب الحقيقي لخطفه بولي .. هل كانت جريمة بدون معنى من وحي خيال مجنون لانسان مضطرب.

blank
لم ينفذ به الحكم حتى اليوم .. ومازال حيا يرزق مستمتعا بحياته .. فيما ضحيته الطفلة البريئة سكنت القبور منذ 26 عاما!

بولي كلاس تركت وراءها إرثا كبيرا فمنذ وقوع مأساتها تغيرت تماما إجراءات التعامل مع قضايا المفقودين ، فأصبحت أخبارهم ترسل عبر جميع موجات الشرطة ، وأصبح لزاما الحصول على ملف الموقوف الإجرامي ، كما أنشات جمعية تحمل إسم بولي كلاس تساعد في البحث عن الأشخاص الضائعين .

المصادر :

Murder of Polly Klaas

تاريخ النشر : 2020-08-05

مصطفى 2018

- الجزائر - للتواصل مع الكاتب : [email protected]

مقالات ذات صلة

اشتراك
اشعار
guest
ضع بريدك اذا اردت استلام اشعار بالنشر

44 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
44
0
التعليق مفتوح للجميع .. رجاءا اسمعنا رأيكx
()
x

أنت تستخدم إضافة Adblock

مرحباً .. يبدوا أنّك تستخدم مانع إعلانات ، نرجوا من حضرتك إيقاف تفعيله و إعادة تحديث الصفحة لمتابعة تصفّح الموقع ، لأن الإعلانات هي المدخل المادي الوحيد الضئيل لنا ، وهو ما يساعد على استمرارنا . شكراً لتفهمك