أدب الرعب والعام

ملائكة متألمة

بقلم : اية – سوريا

للمرة الأولى تلاقت نظرات شخصين محطمين مكسورين مجروحين ينزفون دون أن يعلم أحد
للمرة الأولى تلاقت نظرات شخصين محطمين مكسورين مجروحين ينزفون دون أن يعلم أحد

كانت تسير تحت حبات البَرَدِ التي تهطل بغزارة على رأسها و كامل جسدها ، مما يجعلها تشعر بالألم ، كانت تخزها كإبرٍ ، لكنها لم تهتم و لم تعرها اهتماماً ، كأنها حبة بردٍ هي أيضاً ، بل بكل برود تابعت سيرها وهي تتمتم وتنظر للسماء مخاطبة إياها:

– وليكن ، أرسلي حبات بردك هذه أيتها السماء ، دعيني أشعر بالألم.. بالبرد.. دعيني أشعر بألمك، وبالمقابل أشعري بألمي، خذيه و دعيني أتخلص منه ، أعطفي علي ، أشفقي على حالي ، إلى الآن  أيعقل بأن لا أحد فهمني ؟ البشر سيئون ، شكاكون و مجانين ، كلٌ منهم متشبث برأيه بمعتقداته بأفكاره بمبادئه بنفسه ! يرفض من هو غريب عنه ، يطرده ، يذله ، يحتقره ! أنانيون.. و لذلك لم يفهموا و لن يفهموا، لكن أنت ؟ أيتها السماء الواسعة الشاسعة، بغيومك ونجومك وقمرك وشمسك و أمطارك و بردك و ثلجك ، لم تفهميني إلى الآن ؟ ألم تفهمي من أنا وما أكون ؟ سنين وأنا أكلمك ، لكنك كالصماء لم تفهميني ، لم تعيريني انتباهاً،

لم ترسلي لي طوق النجاة الذي وُعدت به ، لم ترسلي لي من ينتشلني من ضياعي و من مشاكلي ، من بحر همومي ، تقولين لي قفي وحاولي من جديد ، أصيبت أقدامي بالجروح وتشققت من كثرة الوقوف والسقوط، لو لم أكن أعرف بأن مصير الانتحار هو الجحيم، لكنت رأيتني منتحرة منذ زمن، أو بالأصح.. لو لم أجرب وفشلت بذلك لكنت رأيتني منتحرة… لكن الانتحار للضعفاء… ولست ضعيفة… كلامي هذا لا يعيني بأني سأستسلم، لا وألف لا، سأبقى مصرة حتى أعيش حقاً، أعيش بكرامتي، أشعر بنفسي، أشعر بالسعادة الحقيقة وليست تلك المزيفة، لو كلفني ذلك حياتي، سأفعل ذلك، سأناضل، سأُجرح.. و سأنزف.. لكن.. سأضمد جروحي.. كما ضمدت الكثير منها سابقاً… أفهمت أم كعادتك لن تفهمين؟.

توقفت للحظة، فقد تعبت من كثرة الكلام والسير تحت هذا البَرَدْ، تعبت من الحياة، تفحصت المكان حولها، لا يوجد أحد غيرها بالشارع، الأجواء لا تساعد على أي حال للتنزه، كما يقولون  المجنون لا يسير في هذا الجو، أعادت البحث بعينيها عن مكان لتجلس فيه، هناك مقاعد قريبة على ما يبدو، أسرعت الخطى، بدا المقعد واضحاً أمامها، ارتمت عليه و جلست ، أغمضت عينيها و تنهدت بعمق، ألن تكتفي المشاكل من ملاحقتها ؟ لقد خارت قواها، ليس لديها أحد لتشكي إليه همومها و الآمها ، ليس لديها أحد لتخبره بأحلامها و مخططاتها التي ذهبت في مهب الريح، تساقطت أحلامها كأوراق شجرة أصبحت عارية في الشتاء، بل يبست أغصانها حتى ، لا أزهار كرز ولا أوراق خضراء ، و لا حتى صفراء على الأقل.

أصبحت مجرد هيكل انسان يسير بلا وجهة أو هدف ، أليس الموت حلها الوحيد ؟ هذه الفكرة التي تتجول في أرجاء عقلها المحطم منذ فترة، شعرت بشيء يتحرك، فتحت عينيها بتلقائية، كان شاباً يرتدي معطفاً أسوداً جلس على مقعد يبعد عن مقعدها عدة خطوات ، كان قد ارجع رأسه للوراء ، أما هي فأكتفت بالنظر له وتمعن وجهه ، يبدو عليه الحزن التعاسة الكآبة ، هذا ما قالته ، كانت تجيد قراءة الوجوه بشكل كبير، كأن الله أعطاه هبة بأنها تستطيع معرفة مشاكل الناس وهمومهم من مجرد النظر في أعينهم ،

لكن في المقابل، لم يفهمها أحد، لكنها فهمت الجميع، هذا هو القدر، يمنحك شيئاً فتخسره شيئاً آخراً بالمقابل، فجأة و هي شاردة بالنظر إليه ، التفت لها و تلاقت نظراتهما  للمرة الأولى تلاقى ألمان ، للمرة الأولى تلاقت نظرات شخصين محطمين مكسورين مجروحين ينزفون دون أن يعلم أحد ، من المفترض أن يبعد أحدهما نظره عن الأخر ، لكن كلاهما تشبث بعيني الأخر، كأنهما رأيا طوق النجاة الذين يبحثون عنه منذ لحظة ولادتهم إلى هذه الدنيا في بعضهما البعض ، و بدون أي تفكير ، بدون أن تتخذ قرار، نهضت ، فانزل رأسه للأرض معتقداً بأنها ستذهب بسبب نظراته لها ، شعر بأحد يجلس بجانبه ، و سمع صوت فتاةٍ يقول:

– اسمي ديما.

– رفع رأسه باستغراب ، أنها الفتاة نفسها ! ابتسم بعفوية و قال: و أنا اياد…

– قالت وهي ترفع بحاجبيها بسخرية: لما كنت تنظر لي؟ هل هناك أمر ما ؟.

– قال متهرباً من النظر إليها و قال معتذراً : أعتذر إن أزعجك ذلك ، لكني لمحت في عينيك الحزن الموجود في عيني، كأنه انعكس في صفاءهما ، شعرت بأنك تشبهيني قليلاً.

– أطلقت ضحكة صغيرة و قالت : أتعرف.. لقد ظننت الأمر ذاته بك ! تبدو كئيباً و حزيناً مثلي ، المجنون لا ينزل في هذا الجو ، لكن.. كلانا هنا.. لما ، كيف؟ ما هي هذه الظروف القاهرة التي جعلتنا هنا بدل أن نكون بجانب مدافئنا في بيوتنا؟ تحت أغطية سميكة؟ أخبرني فقط ، ما هي ؟ ما هي هذه الظروف؟.

– أغمض عينيه و قال : السماء غطاء لي… أتلحف بها في هذا البرد القارس، أنها أحن علي من الكثير من البشر، أنها أمي فعلياً ، أعمدة الإنارة هذه هي المدافئ بالنسبة لي.. هل تفهمين؟ في بعض الأحيان لا يؤدي البشر الدور المطلوب في مسرحية حياتك فتضرين لإعطاء الدور لجماد ، و كوني واثقة بأنه سيؤدي الدور أفضل من مئة انسان.

– لما تقول هذا الكلام لي ؟ هل رأيت بي مصدر أمان أكثر من معارفك؟.

– ابتسم و قال : لأنك غريبة عني ! نحن كبشر نثق بالغرباء أكثر من أقاربنا و معارفنا ، لدينا ثقة بأن معارفنا قد يهددونا فيما يعد ، أما الغريب هل سيرانا مجدداً ؟ لا ، لم أعرف سوى أسمك ، و لا يهمني معرفة المزيد، و لأنني واثق بأنك ستخبريني على الأقل لمحة من ألمك.

– ابتسمت وقالت: هل تستطيع التنبؤ بالمستقبل؟.

اجتاحت لحظة صمت المكان الموحش ، تنهدت بعمق و قالت ساخرة و هي تنظر للسماء:

– عندما تمضي عمرك كله في أجواء غير مستقرة، ومشاكل دائمة ، و أب سكير و أمٍ مستهترة ، عندما تعاني من مواقف أتألم عند ذكرها ، عندما لا يهتم أحد لبراءة طفولتك و تُغتال بكل بساطة ، عندما يدعس على براءتك ونقاءك ليحتل مكانهما لخوف والذعر من كل شيء ! و من يكون الشخص الذي انتهك طفولتك؟ أقرب شخص إليك ، الذي من المفترض أن يحميك من شر العالم ، لكن شر العالم جمع فيه ، عندما يتكتم الجميع عن الأمر ويبقى سراً ، حتى لا تتفكك الأسرة ! أية أسرة يا رجل ؟ و بسبب ذلك ، بسبب اهتزاز ثقتك بنفسك ، تفشل بكل شيء ، تفشل في تكوين صداقات ، تفشل في الدراسة ، تفشل في العمل ، عندما يكرهك الجميع ، عندما تفشل دراسياً عملياً عاطفياً ، و تفشل بالانتحار! تخيل ، حتى الانتحار فشلت به ، يا لي من حمقاء وغبية ! عندما تعيش مخاوفك في السر ولا تلقى الضوء ، عندما تتعقد من كل شيء !

عندما تجبر على رؤية منتهك طفولتك كل يوم و ليلة ، تجبر على رؤية من تستر على الأمر كل صباح ، و تمنع من رؤية من ساندك لأن القدر أراد ذلك ! لا تنسى ، عندما تدخل مصحة عقلية بالسر من أجل ستر الفضيحة ، تخيل ! حتى لم يهتموا لأمري ، رموني هناك لسنة كاملة دون السؤال عني بعد محاولة انتحاري ، لم أخرج منها سوى منذ شهرين ، و ما زلت محطمة ومدمرة ، ما زلت في الثالثة والعشرين ، شابة تعيش جميع الشابات في عمرها أياماً ستحفر في ذاكرتهن للأبد ، نعم ستحفر هذه الأيام بذاكرتي للأبد من شدة إيلامها لي ، هذا موجز صغير عما مررت به ، فقد مررت بالعديد والعديد ! أنت لا تدرك ، لا تدرك معنى أن يكون مصدر الأذى هو أقرب شخص إليك ، عندما لا يفهمك أحد ، لكنك تفهم الجميع ، أليس شعوراً بشعاً ؟.

– قال وهو ينظر للطريق شارداً ويقول: أضيفي أيضاً ، عندما يستهان بكل قدراتك ، و يدمرون ثقتك بنفسك ، عندما يجبرونك على شيء لا تريده ، و مثل الغبي تنساق خلفهم ، عندما تكون بلا رأي أو شخصية ، عندما تكون دائماً الطفل الذي يقف بالزاوية ينظر لباقي الأطفال يلعبون يمرحون يكونون صداقات ، هل تفهمين ؟.

– أفهمك كثيراً ،  أتعرف ؟ عندما تواجه المئات من المصاعب منذ نعومة أظافرك ولا يقف أحد بجانبك.

– أفهم ذلك.

– أكملت و قد زادت من حدة صوتها : عندما تجد من يفهمك و يحبك و يقف بجانبك و يساندك ،  ثم.. ثم يموت ! ينتحر بسبب ظروفه ، فهو لم يؤسس حياته ، ضاع عمره بسبب أهله ، لم يستطيعوا مساعدته بقرش واحد..

– نظر لها بتعاطف و قال: من هو هذا الشخص؟.

– قالت و هي تمسح دموعها من طرف عينيها: أعتذر، لكني حرفياً لا أحب تذكر تلك الذكرى ، لكن فقط.. بدون أي تفاصيل.. كان أخي.

– قال و ابتسامة حزينة ارتسمت على شفتيه: لنقل بأني أدرك ألم فقدان من كل يدافع عنك ، الشخص الوحيد الذي أحبك بصدق و بكل جوارحه ، أطهر حب بالعالم ، وأنقى و أصفى حب بالعالم.. أمك! تخيلي معي فقط عندما تواجهين ظروفاً مادية قاسية  مع أب قاس لا يعرف معنى الرحمة ، بين سبعة أخوة أخرين ! ببيت لا تتسع لشخص واحد ! لكن كانت أمي هي عمود ذلك البيت ، هي من كانت تدافع عني في كل مرة يظلمني أبي أو أحد أخوتي ، لكن القدر انتشلها مني ! أخذها بكل بساطة دون التفكير بمصير طفل لم يكمل الثامنة بعد ! لم يأبه أحد لفؤادي الذي تحطم ! لم يفكر أحد بمشاعر طفل فقد والدته ، بل عاودوا إلى حياتهم بكل سهولة ، كأنها لم تكن أمهم ! أنا أعرف بأن والدي لم يحبها بل أضطر للزواج منها بسبب طيش المراهقة ، لكنها والدتهم ! فكيف فعلوا ذلك؟ كيف نسوها ببساطة ؟.

عاد الصمت ليجلس معهما ، لم يتفوه أحدهما بأي حرف لأن كلاهما ، كان يفكر من ألمه أكبر؟ اياد الذي عاش بجو أسري قاسي و موت والدته الذي يعتبر فاجعة عمره ؟ أم إجباره على أمر لا يريدها من قبل والده وأخوته ؟ و صدمته بعدم تأثر أخوته بوفاة والدتهم ، أم ديما التي قتلت طفولتها بدم بارد مع التستر على الجريمة و مراهقة و شباب مضطرب غير متوازن ، وانتحار أخيها و محاولات انتحار فاشلة ؟ و لا ننسى دخول مصحة نفسية أيضاً ! لكنها تناست كل ذلك ، فقد شعرت بأن السماء سمعت نداءها الأخير و استجابت له ، أرجعت رأسها للخلف و هو فعل الأمر ذاته ، انشغلت بهمومها مرة أخرى ، حتى سمعت صوته من بعيد رغم جلسوه بمقربتها كأنه في بعد أخر ،  في عالم أخر ، لكن رغم ذلك أنصتت السمع لما يقول بصوته الدافئ:

– ألمك تفوق على ألمي ،  عانيت أكثر مما عانيت ، أنا أثق بذلك ،  لذا لتحملك كل ذلك في الفترة الماضية ،  أنتِ قوية ! لو كنت مكانك لكنت ميتاً إلى الآن.

– قالت مطلقة ضحكة مؤلمة: هل تستهين بألمك؟ أنت تملك جرحاً مفتوحاً اياد ،  عليك إغلاقه ، عليك معالجته وتضميده ، و بمفردك ! لأن البشر عبارة عن كتلة من القذارة، سيلوثون جرحك أكثر مما سينظفونها.

صمتت لبرهة ملتقطة أنفاسها ،  بعد ثوان معدودة تابعت بلامبالاة : أتعرف؟ كنا مجرد أطفال صغار كملائكة طاهرة نقية بريئة ، دنسوا بقذارة العالم والبشرية ، ملائكة متألمة ، هذا هو التعبير الذي أبحث عنه..

– نظر لها ، نظر إلى عمق عينيها كأنه يحاول محادثة عينيها و ليس عقلها ، قال مرفقاً كلامه بابتسامة جذابة : كوني قوية واصمدي أمام ظروفك ،  لا تستلمي بسهولة كما استسلمت أنا ، واجهي و أربحي هذه المعركة ، أنها أرضك و حربك و معركتك ، أترين هذه الغيوم السوداء ؟ غداً أو بعد غد ستحل الشمس مكانها ، و ستوزع علينا دفئها وأشعتها ، كوني قوية فقط ، أن لم يكن من أجل نفسك فليكن من أجلي ، فقد خسرت الكثير ، قد يكون قد وضعني الله في طريقك لأنقذك ، و بمشاركتك ألمك معي أدركت بأنني لست وحدي أعاني ، أشكرك ديما ، و أنصحك لا تكوني ملاك  ، كوني شيطانة بضمير ، فهذا ما نحتاجه ،  كوني قوية من فضلك.

– نظرت له مبادلة إياه الابتسامة: لك ذلك اياد.

نهضا كلاهما ولم يتفوها بأي حرف أخر ، و اتجه كل منهما في سبيله ، كأنهما عالجا جروحهما ، وأصبحا مستعدين لخوض المعركة التالية.

النهاية….

تاريخ النشر : 2021-04-13

اية

سوريا

مقالات ذات صلة

20 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى