ألغاز علمية

منطقة حزام كايبر

بقلم : شهاب صبري – مصر
للتواصل : [email protected]

مازال الغموض يكتنف ما يوجد عند حدود مجموعتنا الشمسية
مازال الغموض يكتنف ما يوجد عند حدود مجموعتنا الشمسية

اليوم سنذهب سويا أعزائي القراء في رحلة بحثية متجهة نحو الفضاء الخارجي عن طريق مركبة فضائية، الرحلة لن تكون بعيدة، لن نذهب إلى حافة الكون ولا حتى لمجرة آندروميدا ( أقرب مجرة لنا ) بل سنذهب لحافة نظامنا الشمسي فقط، وتحديدا ناحية كوكب بلوتو، وبالرغم من أن الرحلة ستكون لحافة نظامنا الشمسي فقط مثلما قلت إلا أنها ستستغرق وقت طويل، لو تحركنا بسرعة الضوء فالرحلة ستستغرق حوالي 7 ساعات، ولكن بما أن لا توجد مركبة فضائية تتحرك بسرعة 300,000 كم في الثانية سنضطر آسفين بإستخدم أسرع مركبة صنعها الإنسان وهي مركبة New Horizons ، هذه المركبة المسكينة سرعتها حوالي 80,000 كم في الساعة والتي سنستخدمها في رحلتنا الفضائية

أثناء رحلتنا من لحظة خروجنا من جو الأرض سنلاحظ مدى سكون وهدوء الفضاء .. سنبدأ نفهم وندرك جيدا معنى كلمة فضاء، كلمة فضاء هي كلمة صحيحة بشكل كبير، الفضاء مكان هادئ وساكن جدا و مليء بالفراغ، ومجموعتنا الشمسية تعتبر المكان الأكثر حياة على بعد مليارات ومليارات الكيلومترات، وأيضا سنلاحظ شيء غريب جدا! ..

blank
الصور التوضيحية لمجموعتنا الشمسية لا تعكس حقيقة التفاوت الهائل في الاحجام والمسافات

لا يوجد أي خريطة من تلك االتي تصف شكل كواكب مجموعتنا الشمسية تعتبر صحيحة، جميع الخرائط والمخططات المدرسية وحتى الصور الموضوعة في بعض المقالات تظهر فيها كواكب مجموعتنا الشمسية قريبين من بعضهم البعض، وليس السبب في ذلك أننا نرسم بمقياس رسم قليل، ولكن كل ما في الأمر أن هذه الطريقة الوحيدة التي نستطيع من خلالها أن نرى المشهد العام للشمس وباقي الكواكب، ولكن بصراحة جميع هذه الصور والمخططات غير تابعة لمقياس رسم صحيح!! ، لأننا ببساطة إذا أردنا أن نحاكي النظام الشمسي على الورقة طبقا لمقياس رسم صحيح فالموضوع سيكون مختلف تماما، لو رسمنا كوكب الأرض على الورقة بحجم حبة عنب فبالمقياس الصحيح كوكب المشتري سيكون على بعد 300 متر تقريبا من حبة العنب، و300 متر يعادل طول برج مكون من 100 طابق، يعني إذا أردت أن ترسم كوكب الأرض وكوكب المشتري في ورقة واحده ستحتاج لورقة طولها 300 متر!، وقبل أن تستغرب من كلامي دعني أخبرك عن الأغرب من ذلك، لو أردنا أن نرسم كوكب بلوتو معهم في نفس الورقة سنحتاج لورقة طولها 2500 متر، وليس ذلك فقط بل يجب أن يكون كوكب بلوتو على الورقة بحجم بكتيريا دقيقة!، ولو أردنا أن نرسم مجموعتنا الشمسية جدلا في الورقة طبقا لمقياس صحيح فلن ترى رسمة كوكب الأرض إلا تحت المجهر ! ؛ مجموعتها الشمسية فعلا عملاقة، وهذا شيء سندركه أثناء رحلتنا، ولكن دعك من كل ذلك يا صديقي إرسم عادي الشمس كرة دائرية لونها برتقالي – رغم أنها بيضاء في الأساس – وحولها الكواكب عادي جدا لأن فعليا هذه الطريقة الوحيدة التي نستطيع من خلالها أن نرى المشهد العام للشمس وباقي الكواكب

blank
المركبة الفضائية فويجر استغرقت 30 عاما لتصل الى حزام كايبر

رحلتنا مزالت متجهة لحافة نظامنا الشمسي، والآن قد أقتربنا من الوصول بسلام، ولكن الرحلة لم تكن سهلة على الإطلاق، وكي تتخيل مدى صعوبة الأمر دعني أخبرك بمعلومة غريبة، في عام 1977م تم تكليف المركبة Voyager 1 أنها تنطلق من كوكب الأرض وتتجه نحو بلوتو، الجملة التي كتبتها في عدة ثواني أستغرقت حوالي 30 سنة !! .. المركبة فوياجر1 التي إنطلقت من الأرض عام 1977م وصلت لبلوتو في حدود عام2007 م ، ولكن طبعا لن ننتظر كل هذه المدة فنحن الآن وصلنا لبلوتو ، ولكنه لم يكن الهدف الحقيقي من الرحلة ، بل الهدف هو ما وراء بلوتو وتحديدا حزام كايبر ، والذي يعتبر مملكة سماوية شاسعة من النيازك، عالم ما وراء بلوتو عالم مهول يمتد لحوالي 50 وحدة فلكية، والوحدة الفلكية هي المسافة التي بيننا وبين الشمس والتي تقدر بـ 150 مليون كيلومتر تقريبا، وداخل هذا العالم المهول موجود كمية كبيرة من الصخور المندفعة والجليد والأمونيا ..

blank
هناك جدا متواصل فيما اذا كان بلوتو كوكب ام لا

عندما تم إكتشاف كوكب بلوتو للمرة الأولى من قبل العالم كليد تمبخ وضعوا العلماء فرضية تقول أن كوكب بلوتو ليس وحيدا ولكنه عضو من عالم سماوي آخر، وإذا كنت تتسائل كيف تكونت هذه المملكة السماوية والمعروفة بإسم حزام كايبر فهو عبارة عن مخلفات ميلاد النظام الشمسي، وهذه النيازك متباعدة جدا عن بعضها البعض بمسافات تصل لأكثر من مليون كيلومتر، وبالتالي قوى الجاذبية عاجزة عن تشكيلهم ككوكب كامل، يتشابه حزام كايبر في تكوينه مع حزام الكويكبات الموجود بين المريخ والمشتري، ولكن حزام كايبر أعرض منه بـ 20 ضعف تقريبا ، وأكبر في كتلته من حزام الكويكبات بحوالي 200 ضعف، المنطقة تم إكتشاف فيها أكتر من 100,000 جسيم، وأغلبها أجسام قطرها الـ 100 كم، واغلب هذه الأجسام تتكون من الصخور والهيدروكربونات مثل الأمونيا والميثان والجليد المائي، وبشكل عام هي المصدر الأساسي لكل المذنبات العملاقة التي تخترق النظام الشمسي. حيث يندفع من هذه المنطقة عدد كبير من الصخور والمذنبات الضخمة، ولك أن تعلم بأن مذنب هالي الذي يظهر كل 76 سنة في سماء الأرض هو أحد المذنبات القادمة من منطقة حزام كايبر في الأصل، والأغرب أن النيزك العملاق الذي ضرب الأرض بقوة منذ أكثر من 65 مليون سنة وتسبب في إنهاء عصر الدايناصورات كان أيضا قادم من منطقة حزام كايبر، وبالرغم من أن رحلته أستغرقت حوالي 5 مليون سنة إلا أنه إستطاع في النهاية الوصول لسطح الأرض لينهي تماما عصر الديناصورات.

والآن قد وصلنا أخيرا لمنطقة حزام كايبر، سنلاحظ مدى ظلام المكان ، والسبب في هذا الظلام الدامس أننا أصبحنا نبعد بمسافة مهلولة عن الشمس، حيث أنها لم تعد الشمس المتألقة التي أعتادنا التعايش معها، فهي بالنسبة لنا الآن مجرد نقطة لامعة في الكون بحجم رأس الدبوس، ولكن المدهش في الأمر أن رأس الدبوس ( الشمس ) مازالت لديها ما يكفي من الجاذبية الجبارة للأحتفاظ بكل هذه الكواكب والنيازك في مدارات حولها، بالرغم من أننا أصبحنا نبعد عنها بحوالي 8 مليار و 250 مليون كيلومتر !! .. سبحان الخالق ..

blank
هي المصدر لمعظم المذنبات العملاقة التي تخترق المجموعة الشمسية

إذن لماذا العلماء أستغرقوا كل هذا الوقت الطويل لإكتشاف مملكة كايبر بالرغم من حجمها الكبير ؟؟ – طبعا أنا لا أقصد هنا أن يصلوا لها بل أقصد رصدها فقط عن طريق التليسكوبات ..

في الحقيقة الفلكيون إستطاعوا تنفيذ أشياء أكثر دهشة في التاريخ من خلال المراقبة، يعني على سبيل المثال لو هناك شخص واقف على سطح القمر وقام بإشعال سيجارة – أعرف أنه لا يوجد هواء على القمر هذا مثال فقط – فالمعدات التي مع علماء الفلك اليوم تسمح لهم بتحديد مكانه، فلماذا عالم ما وراء بلوتو مختفي ؟؟ ..

الإجابه هنا تكمن في الأماكن التي ينظر فيها العلماء بالتليسكوبات، أغلب الناس تعتقد أن الفلكيون يخرجون ليلا بالتلسكوبات ومعهم المشروبات الغازية ويجلسون يتفحصون سماء الليل بشكل عشوائي ، ولكن في الواقع معظم التليسكوبات مصممة للتحديق والتركيز في قطع دقيقة جدا من السماء، وكل تليسكوب له مهمة معينة، كمراقبة نجم نيتروني أو فحص ثقب أسود أو النظر لمجرة تبعد عنا مليارات السنين الضوئية وغيرها من المهام .. كل هذه أسباب لم تعطي فرصة لمراقبة حزام كايبر في فترة زمنية مبكرة، بالإضافه الى أن هذه الصخور سوداء سواد الفحم لدرجة أنها لا تعكس إلا نسب ضئيلة جدا من ضوء الشمس، وأيضا هي تبعد عن بعضها بمسافات مهولة ..
كل هذه أسباب تصعب جدا من رصدها.

blank
لا تعكس إلا نسب ضئيلة جدا من ضوء الشمس

إبتداءا من عام 1930م أفترض العلماء وجود حزام من الكويكبات وراء كوكب نيبتون وأن كوكب بلوتو ما هو إلا عضو من عائلة ضخمة، وهذه العائلة هي عائلة حزام كايبر، ولكن وقتها لم يحاول أحد رصده أصلا بل كانوا يتوقعون وجوده فقط في المكان، والإعتقاد السائد في تواجد حزام كايبر من الأساس هو أنه أثناء تكون المجموعة الشمسية إستطاعت الشمس أنها تستحوذ على الكتلة الأكبر والتي تقدر بـ 99.8 % ( الكتلة التي تمثلها الشمس فقط من كل المجموعة الشمسية ) وبدأت الجاذبية في تكتيل المادة الأخف على هيئة كواكب، وتبقى في النهاية عدد هائل من الصخور المتباعدة عن بعضها البعض خرجت لحافة نظامنا الشمسي بفعل قوة جاذبية الكواكب الغازية العملاقة، والتي كونت في النهاية ما يعرف بإسم (حزام كايبر ).

والآن دعونا نتحدث عن كوكب بلوتو والذي يعتبر أحد أهم أعضاء حزام كايبر، عندما تم إكتشاف كوكب بلوتو للمرة الأولى كانوا العلماء في حيرة شديدة جدا من أمرهم ، وذلك لأنهم لاحظوا شذوذ مداري في كوكب نيبتون وأورانوس وهذا ما جعلهم يرتابون بوجود كوكب تاسع غير مكتشف، وغالبا سيكون عملاق غازي، وتم تسميته وقتها بالكوكب X ، وكانوا يعتقدون أنه أكبر من المشتري بـ 10 مرات وبعيد جدا لدرجة أنه لا يتلقى ما يكفي من ضوء الشمس ليعكسه لنا مرة أخرى، وكانوا يعتقدون أن الكوكب X هو في الأساس نجم وليس كوكب، ولكنه فشل في التكوين وتحول لقزم بني، والشيء الذي كان يبرر تفكيرهم هو أننا لو نظرنا في السماء بمنظار سنجد أن أغلب النجوم أنظمة ثنائية، بمعنى أنها عبارة عن نجمين مع بعض، وأحيانا يكونوا متماسكين مع بعضهم البعض ويتبادلون الجاذبية ، وهنا يظهر سؤال :

blank
الكوكب X هل هو الشمس الثانية المحتملة

– لماذا شمسنا وحيدة ومنعزلة وليس لدينا شمسين مثل أغلب الأنظمة الشمسية الأخرى ؟؟

هذا ما جعل العلماء يعتقدون أن الكوكب X هي الشمس الثانية المحتملة، ولكن شمسنا إستنزفت أغلب المادة وفشل X في التكون على هيئة نجم كامل وأصبح شبيه بالكواكب، وقالوا طبقا لبعده عن الشمس فهو يكمل دورة واحدة حول الشمس كل 20 ألف سنة، ولكن أتضح فيما بعد أنه مجرد كوكب قزم شديد الغرابه حتى في مداره ، بلوتو في كثير من الأوقات يكون أقرب لنا من كوكب نيبتون، وفي أوقات أخرى يبتعد تماما ويختفي تماما من السماء مثلما حدث في عام 1999م وبعدها ظهر مرة أخرى، وهذه أسباب جعلت العلماء يعيدون تفكيرهم حول تصنيف بلوتو ككوكب أساسي من كواكب مجموعتنا الشمسية، وأستقر بهم الحال في النهاية بصنيفة ككوكب قزم.

وفي النهاية بالنسبة لإكتشاف حزام كايبر ففي الحقيقة نحن مازلنا في أول خطوة لأكتشاف ما يمكن إكتشافه من هذه المملكة السماوية الشاسعة، والذي قد يحمل في طياته في المستقبل كواكب كثيرة مثل بلوتو وأكبر منه !

– ياترى هل تعتقد أن العلماء سيكتشفون المزيد من الكواكب في مجموعتنا الشمسية في المستقبل ؟؟
– وهل ترى أن الأمر مفيد أم أنه تضيع للوقت والمجهود يمكن إستغلاله في أشياء تفيد البشرية اليوم ؟؟
– وهل أنت من محبي المواضيع التي تتحدث عن الفضاء ؟ أم أنك تعتبرها مملة وغير مفيدة ؟؟

مصادر :

The Kuiper Belt: Objects at the Edge of the Solar System
What is the Kuiper Belt?
Kuiper belt – Wikipedia
10 Need-to-Know Things About the Kuiper Belt
A World Beyond Pluto: Finding a New Target for New Horizons

تاريخ النشر : 2020-11-19

مقالات ذات صلة

77 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى