نساء مخيفات

ميلدريد جيلارز – خائنة رقصت على مأساة وطنها

بقلم : حسين سالم عبشل – اليمن
للتواصل : [email protected]

ميلدريد جيلارز خائنة باعت بلادها من أجل الشهرة و المال
ميلدريد جيلارز خائنة باعت بلادها من أجل الشهرة و المال

 
في إحدى الأمسيات جلس الحبيبان لتناول الطعام على ضوء الشموع في جو رومنسي لا ينقصه إلا أنغام الموسيقى ، تنبهت الفتاة لذلك و قامت لتفتح المذياع الذي صدحت أنغامه ذات الألحان الأمريكية ، و فجأة توقفت الموسيقى لبث بيان هام ” تعلن وزارة الخارجية الأمريكية لمواطنينا الأعزاء عن ضرورة مغادرتكم الأراضي الألمانية بأقصى سرعة للحفاظ على سلامتكم في ظل تواصل العمليات العسكرية هناك ، دمتم سالمين” .

شعرت ميلدريد بالقلق و قررت العودة إلى الوطن.
– عزيزي ، أود زيارة والدتي في أمريكا ريثما تهدأ الأمور ؟.

أجابها بامتعاض و قد تغيرت ملامح وجهه : نحن نمر بظروف صعبة و بلادنا تخوض الحرب على عدة جبهات و أنتِ تفكرين بزيارة والدتك الأن ؟.

– و لكن يا عزيزي أنا لم أرزها منذ…

– لن أمنعك من الذهاب ، و لكن اعتبري أن علاقتنا قد انتهت .

أجابته بضحكة صفراء : كنت أمزح يا عزيزي ، أنا لن أتركك أبداً في مثل هذه الظروف الصعبة .

أمسك بيدها و قال : و أنا لن أتخلى عنك يا عزيزتي و سوف نتزوج بعد انتصار الرايخ (1) بهذه الحرب.

كانت ميلدريد تعلم جيداً أن حبيبها بول كارسون نازي متطرف و أنه مستعد للتخلي عن حبه لها في سبيل ولائه للرايخ ، و لكن لم يكن بيدها حيلة فقد أسرها حبه .

لم يمضي وقت طويل على  لقائهما حتى أعلن هتلر الحرب على الاتحاد السوفيتي في يونيو 1941 م و اشتعلت نيران الحرب في الجبهة الشرقية و تم تجنيد مئات الألاف من الجنود في سبيل نجاح عملية بارباروسا ، و كان كارسون من بين المتطوعين للقتال ، رغم توسلات ميلدريد له بعدم الذهاب .

و لم يمضي وقت طويل حتى جاءها نعيه بعد فترة قصيرة حاله كحال الألاف الجنود الذين وقعوا بين قتلى و أسرى في تلك المعركة الخاسرة ، شعرت ميلدريد بالحقد الشديد على دول الحلفاء (2) و اعتبرت أنهم السبب في فقدان حبيبها و قررت أن تكرس جهدها للانتقام منهم من خلال عملها بالإذاعة النازية .
 
من هي ميلدريد جيلارز و كيف حققت انتقامها ؟ 
 
وُلدت ميلدريد إليزابيث سيك في 29 نوفمبر عام 1900 م في مدينة بورتلاند بولاية مين الأمريكية ، و قد لاحظت السيدة ماري هيوستن أن طفلتها لديها موهبة العزف على البيانو و حاولت تنمية موهبتها رغم انفصالها عن زوجها ، و في عام 1911م حصلت ميلدريد على لقب جيلارز بعد أن تزوجت والدتها من طبيب الأسنان روبرت بروس جيلارز ، و عاشت العائلة حياة سعيدة في مدينة بلفيو بولاية أوهايو حتى بلغت ميلدريد عامها  16 و قررت أن تعيش حياة مستقلة و تحقق حلمها بأن تصبح ممثلة مسرح مشهورة ،

blank
صورة لميلدريد في فترة شبابها 

و في سبيل ذلك التحقت بجامعة أوهايو ويسليان لدراسة الفنون المسرحية ، و لكنها سرعان ما تركت الدراسة لعدم تمكنها من توفير نفقات الدراسة ، لذلك قررت ميلدريد البحث عن عمل و تنقلت بين نيويورك و باريس و عملت كنادلة و محاسبة و لعبت أدوار بسيطة على المسرح ، و في عام 1934 م حطت ميلدريد رحالها أخيراً في ألمانيا لتتعلم الموسيقى في  مدينة دريسدن ثم انتقلت إلى العاصمة برلين ، و هناك وجدت وظيفة في مدرسة بيرلتز للغات كمعلمة لغة إنجليزية براتب ضئيل ، فاللغة الإنجليزية لم تكن مرغوبة بقدر اللغة الروسية ، في ذلك الوقت تعرفت ميلدريد على الشاب بول كارسون و عاشا في شقة واحدة .

 
تورطها في المشروع النازي
 
في عام 1940 م حصلت ميلدريد على وظيفة في هيئة الإذاعة الألمانية ، حيث كانت تقدم برنامج منوعات بعيداً عن السياسة و أجواء الحرب ، فهي فتاة تعشق الفن و المسرح و تنبذ العنف ، و في عام 1941 م تعرضت ميلدريد لصدمة نفسية شديدة هزت كيانها ، بعد مقتل حبيبها في الحرب ، و قد عزمت على الانتقام له.

و قد استغل مديرها في الإذاعة حقدها و رغبتها في الانتقام لصالح مشروعه النازي ، قضت ميلدريد عدة أشهر غارقة في أحزانها ، و في أحد الأيام تم استدعائها إلى مكتب مدير الإذاعة ، و هناك التقت ميلدريد بالسيد ماكس أوتو كويشويتز مدير قسم الشؤون الأمريكية في الإذاعة الألمانية ، و قد عرض عليها العمل في قسم البرامج السياسية وأغراءها بمضاعفة راتبها ، وافقت ميلدريد على عرضه طمعاً بالمال و الشهرة التي لطالما سعت إليها و فشلت في بلغوها.

blank
عملت ميلدريد في الاذاعة النازية و قدمت العديد من البرامج السياسية 

قامت ميلدريد بتقديم عدد من البرامج السياسية ، و من أشهرها برنامج home sweet home ، العودة إلى الوطن الحبيب ، كان البرنامج عبارة عن أغاني و الحان أمريكية ، تتخللها فقرات حوارية تتحدث فيها مليدريد – بصوتها المغري كما وصفه الجنود – عن الحنين إلى الوطن و فقدان الأحباب ، في البداية لقي البرنامج رواجاً كبيراً بين جنود التحالف ، حيث كان البث الإذاعي يصل  إلى أمريكا و أوروبا و شمال أفريقيا عبر الموجات القصيرة ، و لكن ما لبثت ميلدريد أن دست السم في العسل و بإيعاز من كويشويتز.

حيث بدأت بتحريض الجنود على ترك الجبهات و العودة إلى الوطن و عدم القتل في معركة خاسرة ضد الرايخ ، و أن قادتهم يعيشون حياة الترف و البذخ تاركين إياهم في الخنادق العفنة و مستنقع الحرب ، بل وصل  الأمر إلى تحذيرها للجنود من خيانة زوجاتهم و حبيباتهم أثناء غيابهم عن منازلهم لأشهر طويلة في جبهات القتال ، كان ذلك جزءاً من البروباجاندا (3) الدعاية النازية في حربها الإعلامية ضد قوات الحلفاء.

blank
لعبت ميلدريد على مشاعر الجنود
و فقدانهم لاحبائهم في الحرب 

كان الجنود يطلقون عليها لقب سالي المحور ، نسبة إلى دول المحور المتحالفة مع النازية ، بل و وصفوها بأبشع الألقاب ، تعرضت ميلدريد لنكسة كبيرة في عملها عندما شنت اليابان هجومها الساحق على السفن الحربية الأمريكية الراسية في ميناء بيرل هاربر الواقع في جزر هاواي في 7 ديسمبر عام 1941 م مما دفع الولايات المتحدة لدخول الحرب ضد دول المحور انتقاماً من ذلك الهجوم ، شعرت ميلدريد بالحرج من ذلك الهجوم و انتقدت اليابان في برنامجها الإذاعي على الهواء مباشرةً مما تسبب لها بالكثير من المشاكل مع السلطات النازية حيث تم إيقافها عن العمل و أُحيلت إلى التحقيق ، و هنا ظهر كويشويتز كفارس الأحلام الذي ينقذ البطلة ، حيث استطاع تخليصها من تلك الورطة من خلال علاقاته الواسعة بالقيادة النازية ، و في المقابل طلب منها أداء القسم النازي و إعلان الولاء للفهورار (4).

blank
كان الجنود يستمعون اليها عبر الاذاعة و يشتمونها 

ارتبطت ميلدريد بعلاقة غرامية مع مديرها الذي وعدها بالزواج منها حالما  تنتهي الحرب ، و مع اشتداد المعارك قررت ميلدريد الخروج من غرفة الإذاعة إلى ساحات المعارك ، حيث انتقلت مع عشيقها كويشويتز إلى مدينتي باريس و شارتر الفرنسية و زارت معتقلات النازية حيث أجرت عدة لقاءت مع الأسرى الأمريكان و البريطانيين الذين وثقوا بها و أعطوها رسائل ليطمئنوا أهلهم و أحبائهم عليهم ، بعد أن أقنعتهم  أنها من الصليب الأحمر و أنها جاءت لمساعدتهم ، و لكنها في الحقيقة غدرت بهم ، فقد أرسلت تلك الرسائل و التسجيلات الصوتية إلى كويشويتز الذي قام بتغيير الحقائق و أنتج حلقات إذاعية مفبركة يتحدث فيها الأسرى بأسمائهم و أرقامهم العسكرية معبرين عن شوقهم لأحبائهم و أنهم نادمون أشد الندم على مشاركتهم في الحرب بعد أن خذلتهم قيادتهم ، و ينصحون رفاقهم بترك الخنادق و العودة إلى الوطن .

blank
 صورة ماكس أوتو كويشويتز
مدير الاذاعة النازية و عشيق ميلدريد

و في 11 مايو 1944 م و بينما كانت قوات الحلفاء تخطط و تعد لإنزال النورماندي (5) ، قامت ميلدريد بتقديم مسرحية رؤية الغزو vision of invasion عبر الإذاعة ، و هي مسرحية من تأليف  كويشويتز ، و قد أدت ميلدريد دور إيفلين ، تلك الأم الأمريكية التي فقدت أبنها الجندي المتهور الذي ذهب لقتال القوات النازية ، و لكنه لقي حتفه عندما غرقت سفينته بالقنال الإنجليزي ، حيث يعود الفتى إلى أمه على شكل شبح يزورها في المنام ليحيل أحلامها إلى كوابيس ، و يحكي لها عن ما لقيه من ويلات الحرب و أنه نادم على ذلك ، ترافق البث مع مؤثرات صوتية لأصوات القذائف و أزيز الرصاص و صرخات الجنود المذعورين ، و بالرغم من نجاح المسرحية إلا أن قوات الحلفاء عبرت شواطئ النورمندي فجر يوم الثلاثاء 6 يونيو 1944 م و بدأ العد التنازلي لانهيار قوات النازية و سقوط الرايخ،

blank
تمكنت قوات الحلفاء من السيطرة على شاطئ النورمندي 

وهذا شكّل صدمة لكويشويتز الذي أنهكه مرض السل و ضعف القلب و تعرض لوعكة صحية نُقل على إثرها إلى احدى المستشفيات و أُعلن عن وفاته في 31 أغسطس ، حضرت ميلدريد جنازته و اكتشفت أنه متزوج و أنه كان يخدعها ، و لكنها ظلت وفية لذكراه و احتفظت بصورته في مكتبها و استمرت بعملها في الإذاعة رغم تدهور العمل في الإذاعة بعد وفاة المدير و العقل المبدع ، حيث صارت الإذاعة تبث برامج و تقارير مكررة خالية من المضمون ، و في 6 مايو عام 1945 م قدمت ميلدريد أخر بث إذاعي لها حيث شتمت الجميع متوعدة إياهم بالهزيمة ، ثم حملت صورة عشيقها كويشويتز و غادرت المكان بسرعة بعد سماعها أخبار تتحدث عن تقدم القوات السوفيتية نحو العاصمة برلين ،

blank
صورة لجندي سوفيتي يرفع علم بلاده وسط برلين 

كانت هذه أول مرة تطأ قدماها الشارع منذ وفاة كويشويتز ، فقد اتخذت من مقر عملها مسكناً لها ،  في الطريق إلى منزلها رأت ميلدريد المنازل و قد صارت ركاماً  و الشوارع خالية من الحياة ، و من النوافذ تحدق أعين اعتراها الخوف من ما هو قادم ، و رأت شبان صغار ينتمون إلى شبيبة هتلر و هم  يحملون السلاح  استعداداً للدفاع عن العاصمة بعد أن زج بهم الرايخ إلى جحيم الحرب كأخر ورقة لتأخير سقوط العاصمة ، و من منزلها سمعت بخبر استسلام ألمانيا غير المشروط في 8 مايو عام 1945 م ، لقد ضاقت عليها الأرض بجوانبها فليس لها مكان تذهب إليه ، و ظلت تهيم على وجهها في الشوارع تستجدي لقمة تسكت بها جوعها.

 
اعتقال ميلدريد

بعد أن وضعت الحرب أوزارها و انتصار دول الحلفاء ، سادت موجه من الكراهية و الانتقام ضد الخونة و العملاء النازيين بين أوساط شعوب الدول المحررة من قضبة النازية ، و تعرض كثير منهم للقتل و الاعتقال بتهمة خيانة الوطن و تم تشكيل مجالس قضائية لمحاكمتهم ، و كانت ميلدريد من بين المطلوبين للعدالة في الولايات المتحدة بتهمة خيانة الوطن ، و تم إرسال المدعي العام فيكتور سي ويرهايد برفقة العميل الخاص هانز وينزن إلى العاصمة برلين في مهمة للقبض على ميلدريد ، كانت المهمة صعبة جداً ، لأن ألمانيا كانت تمر في ذلك الوقت بحالة من الفوضى ، و فور وصولهما شرعا بتوزيع صورها لعل أحد يتعرف عليها ، و لكن جهودهما ذهبت سدى بسبب انشغال الجميع بطوابير المساعدات و عدم عرض مكافئة ذات قيمة لمن يعثر عليها .

blank
تم ارسال فريق خاص الى برلين للقبض على ميلدريد 
شعر الضابط باليأس و كاد أن يغلق ملف القضية لولا تلقيه رسالة تحتوي على معلومات قيّمة أعادت له الأمل و العزيمة لمواصلة مهمة البحث عنها ، حيث أدعى صاحب الرسالة أنه كان قائد قاذفة القنابل بوينج – 17 و قد تعرض للأسر بعد إسقاط طائرته ، و أثناء فترة أسره في المعتقلات النازية قامت ميلدريد بزيارته و رفاقه الأسرى مدعية أنها من الصليب الأحمر و أسمها باربرا موم ، و لكنها خدعتهم و عاملتهم معاملة سيئة ، لفت انتباه المحقق أسم باربرا موم و أصدر تعميماً بالقبض عليها ، في ذلك الوقت كانت ميلدريد تتضور جوعاً و لم تجد حلاً سوى بيع أغراضها المنزلية لكسب قوت يومها ، و لم يمضي وقت طويل حتى تلقى المحقق معلومات تفيد بأن أمرأة تُدعى باربرا موم تتردد على سوق الأغراض المستعملة لبيع بعض الأشياء ،

blank
صورة أثناء التحقيق مع ميلدريد 

و على الفور توجه المحقق مع عدد من أفراد الشرطة إلى ذلك السوق و قام بالقبض على مالك أحد المتاجر الذي كان قد أشترى طاولة من تلك السيدة ، و خلال التحقيق معه أعطاهم عنوانها ، في 15 مارس عام 1946 م و في أحد شوارع برلين الفقيرة وقف رجال الشرطة أمام منزل مهترئ و طرقا الباب لتفتح لهم سيدة يبدو على ملامح وجهها البؤس و الفقر ، و عندما سألها الضابط عن أسمها الحقيقي اعترفت أنها ميلدريد التي يبحثون عنها ، و قبل أن يصطحبانها معهما طلبت أن تدخل لتجمع أغراضها ، و ركبت السيارة بعد أن أخذت معها صورة عشيقها كويشويتز ، و بعد التحقيق معها تم إيداعها في أحد الملاجئ ريثما يصدر أمر رسمي باعتقالها من السلطات الأمريكية .

 
محاكمة ميلدريد
 
 و في 22 يناير 1947 م  تم أرسالها إلى الولايات المتحدة الأمريكية تمهيداً لمحاكمتها ، و في 21 أغسطس 1948 م وقفت ميلدريد في المحكمة بشعرها الفضي اللامع ، مرتدية فستان أسود مزركش بالورود الحمراء و وميض كاميرات الصحفيين مسلط عليها و كأنها تقف على خشبة المسرح ، و قد كانت بالفعل مسرحية تراجيدية بالنسبة لها ، فقد واجهت ميلدريد ثمان تهم من بينها الخيانة العظمى و تأييد النازية و قد استندت المحكمة إلى التسجيلات الصوتية للبرامج الإذاعية التي كانت ميلدريد تقدمها و على رأسها مسرحية رؤية الغزو الإذاعية ، هذا بالإضافة إلى شهادة الجنود الأسرى في معتقلات النازية الذين اتهموها بابتزازهم و إهانتهم ،

blank
تم ارسال ميلدريد الى أمريكا على
متن طائرة استعداداً لمحاكمتها 

حاول محاميها تبرير خيانتها بأنها كانت مجبرة على ذلك و أنها كانت تحت تأثير كويشويتز الذي أوهمها بحبه لها ، كما حاولت ميلدريد الدفاع عن نفسها و تحدثت كيف أنها أدانت الهجوم الياباني على ميناء بيرل هاربر و تسبب لهذا ذلك بمشاكل عديدة و أنها كانت مجبرة على قسم الولاء النازي بعد أن تقطعت بها السبل أثناء الحرب ، و انهارت باكية في محاولةٍ منها لكسب تعاطف المحكمة و هيئة المحلفين ، و لكن ذلك لم يجدي نفعاً

ففي 10 مارس عام 1949 م وجدتها هيئة المحلفين مذنبة و حكمت المحكمة على ميلدريد بالسجن لمدة تتراوح ما بين 10 إلى 30 عام بتهمة الخيانة العظمى و دفع غرامة قدرها 10 ألف دولار ، و تم نقلها إلى سجن النساء الفيدرالي في مدينة ألدرسن بولاية فيرجينيا الغربية ، و قضت في السجن عشر سنوات قبل أن تنال الإفراج المشروط ، و لكنها رفضت الخروج خوفاً من نبذ المجتمع لها و تعرضها للأذى .

 
رحلة تصحيح الأخطاء و تكفير الذنوب
 
 و في 10 يونيو من عام 1961م غادرت ميلدريد السجن حيث قررت الانتقال إلى دير سانت جوزيف في كولمبوس في أوهايو ، و كانت قد اعتنقت الكاثوليكية الرومانية أثناء مكوثها بالسجن ، و كبادرة للتكفير عن ذنبها  قامت بتدريس طالبات الأكاديمية اللغة الألمانية و الفرنسية و الموسيقى ، و في عام 1973م عادت ميلدريد إلى أوهايو لتحقيق حلمها في إكمال دراستها و الحصول على شهادة البكالوريوس في آداب الكلام من جامعة أوهايو ويسلين في مدينة ديلاوير .

blank
عادت ميلدريد الى الطريق الصحيح بتكفر عن ذنوبها 

و على أحد الأسرّة البيضاء في مركز جرانت الطبي أُعلن عن وفاة ميلدريد في 25 يونيو 1988 م بعد أصابتها بسرطان القولون ، عن عمر يناهز 87 عام ، و تم دفنها في قبر مجهول حسب وصيتها.

لقد أبحرت مليدريد بسفينة طموحها نحو المجهول ، و تقاذفتها أمواج الطمع و حب الشهرة لترسو على شاطئ الخيانة ، ثم ما لبثت أن عادت إلى حضن الوطن الدافئ .
 
في الأخير هل تظن عزيزي القارئ أن ميلدريد شعرت بالندم على ما فعلت ، و هل ما قامت به من أعمال صالحة تكفي لإزالة وصمة عار الخيانة عنها ؟.
 
ملاحظة :
 
– الخيانة ليس لها مبرر مهما كانت الظروف ، و من يخون وطنه سوف يلقى الاحتقار من عدوه لأن الخائن مجرد أداة رخيصة لمن يدفع أكثر.

– لقد كانت الإذاعة في ذلك الوقت توازي قنوات التلفاز و وسائل التواصل الاجتماعي في عصرنا الحالي ، و قد كان لها دور بارز في نقل الأخبار و الإشاعات التي  قد تنال من عزيمة المقاتلين فتنهار الجبهات و تُهزم الدول . 

– يعتقد البعض أن انتصار النازية كان سيغير العالم نحو الأفضل ، و لكن للأسف هذا التخمين غير صحيح ، فالفكر النازي قائم على التمييز بين الشعوب على أساس العرق و اللون ، و هذه عنصرية مقيتة لا يمكن أن تبني وطن يعيش أبناؤه متساوون في الحقوق و الواجبات .  
 
هوامش :

1 – الرايخ : و تعني إمبراطورية و هو مصطلح ألماني قديم أعاد النازيون استخدامه خلال الحرب العالمية الثانية و يرمز لتوسعهم و سيطرتهم على العالم.

2 – الحلفاء : خلال الحرب العالمية الثانية (1939-1945) انقسم العالم في صراع بين قوتين ، دول الحلفاء و تضم دول مثل فرنسا و بريطانيا و الولايات المتحدة الأمريكية … الخ .
و دول المحور ، و تضم ألمانيا النازية و إيطاليا و إمبراطورية اليابان … الخ.

3 – البروباجاندا : و هو مصطلح تم استخدامه خلال الحرب العالمية الثانية لوصف آلة الدعاية النازية في نشر الأفكار النازية و نشر الدعاية و الانتصارات الزائفة ، و قد نجح باول جوزيف جوبلز وزير الدعاية النازي في نشر الأخبار المضللة.

4 – الفهورار : كلمة ألمانية تعني القائد ، في السياسة أرتبط هذه الكلمة بالزعيم النازي أدولف هتلر ، كونه الوحيد الذي حمل هذا اللقب.     

5 – إنزال النورماندي : في يوم الثلاثاء 6 يونيو 1944 م قامت القوات الأمريكية و البريطانية بالهجوم على شواطئ نورماندي الواقعة في شمال فرنسا ، و قد شارك في الهجوم مليون جندي على متن 6900 سفينة حربية و 12 ألف طائرة ، و كان ذلك بداية انهيار ألمانيا النازية.
 
المصادر :
 
 
 
 
 

تاريخ النشر : 2021-02-03

مقالات ذات صلة

28 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى