منوعات

نظام الرصيد الإجتماعي الصيني : نظام الرقابة الأكبر بالعالم

حينما تسمع بدولة الصين فماذا سيخطر على بالك عزيزي القارئ؟ ، بالطبع إن كنت من قراء التاريخ ستعرف أن الصين اخترعت الملح والبارود ، وبنت أكبر الحضارات بالعالم القديم . وإن كنت من محبي اللغات فستعرف أن الصين تملك أغرب نظام كتابي بالعالم ، ذلك النظام الذي يحوي 43 ألف حرف! . وإن كنت من المطلعين بالسياسة فستعرف أن الصين ستكون أقوى دولة بالعالم خلال السنين القادمة .

لكن المقال لن يتحدث عن أي من هذا الكلام ، بل سيتحدث عن نظام جديد بدأت الحكومة الصينية بتطبيقه . إن هذا النظام غريب ومرعب ، ويجعل المرء يتساءل كيف ستكون الحياة بالصين في المستقبل . ولأي مدى قد تكون الحكومة قوية .

لمحة تاريخية

قبل أن نعرف ماهو هذا النظام ، دعني أعطيك خلفيّة عن تاريخ الصين الحديث .

تأسست الصين الحديثة بالعام 1949 بعد حرب دموية مع اليابان ، وحرب أهلية ما بين أسياد الحرب والسلالات الملكية التي حكمت الصين لثلاثة آلاف عام ، وما بين الشيوعيين والليبراليين التايوانيين . وانتصر الحزب الشيوعي فيها بقيادة ماو تسي تونغ أو ماو زيدونغ .

blank
ماو تسي تونغ

بعد انتصاره وعد ماو ببلاد جديدة، وأسس ما يعرف باسم المدرسة الماوية وهي مدرسة من المدارس الشيوعية . فقد رغب أن يجعل للصينيين صوتا داخل الصين ، فقام ببناء صناديق اقتراع سرية ، وكان المواطنون يقومون بوضع اقتراحتهم ومطالبهم داخل تلك الصناديق بدون ذكر أي أسماء أو معلومات عنهم ليعرف مطالب الشعب دون خجل ، ودون أن يخافوا منه .

وبالفعل امتلأت الصناديق خلال أيام فقط وقد اطلع ماو على بعض المطالب بنفسه . كانت المطالب مطالب فظيعة وسيئة، ومستحيلة التحقيق .

و إليك عزيزي القارئ بعضا منها :

1 – طالب مدمنو الأفيون بجعل الأفيون مادة قانونية للبيع والشراء .

2 – رجال الدين طالبوا بفرض شريعتهم على باقي الأديان .

3 – طالبت جميع الأقليات بالإعتراف بلغاتها .

4 – لم يشعر اللاجئون الذين أتوا إلى الصين من دول الجوار بالراحة في الصين . ولذلك طالبوا بالانفصال ومنحهم استقلال او على أقل تقدير حكم ذاتي! .

إقرأ أيضا : عجائب الدنيا السبع (الجديدة) .. سور الصين العظيم

لم يقم ماو بمناقشة المدمن بخطورة الأفيون . ولم يقم بمناقشة رجال الدين أن هناك سبعة أديان بالصين ولا يمكنك فرض معتقداتك على غيرك . كذلك لم يناقش مطالب اللغة حيث أن هناك أكثر من مائة لغة في الصين ، ومن المستحيل الإعتراف بها جميعا . ولم يناقش اللاجئين الذين أتوا مهجرين من دول أخرى بأن هذه الأرض ليست بأرضهم حتى يطالبوا بالانفصال .

لقد أدرك ماو حينها أن الديمقراطية لا تصلح لبلاد مثل الصين ، وأن الصينيين ليسوا مستعدين للمشاركة بصناعة القرار . ولذلك السبب وبكل بساطة قام بإعدامات جماعية ، وقتل كل من يعارض سياسته وتوفي بعد أن قتل 79 مليون صيني على أقل تقدير .

ومنذ تلك اللحظة أصبحت الصين أكبر ديكتاتوريات العالم . فحرية التعبير بالصين أمر مرفوض تماما ولا يوجد صوت يعلو فوق صوت الدولة .

ومن هنا بدأت الحكومة الصينية تراقب كل تحركات المواطنين الصينيين وتسجلها ، وتعدم كل من له رأي آخر . بل إنها وظفت ضباطا اجتماعيين لمراقبة الأمور داخل كل حي ، حيث يقوم ذلك الضابط بالتجول داخل الحي وجمع المعلومات عما يجري داخل تلك الأحياء ثم تسلميها لمركز الشرطة .

وأولئك الضباط ليسوا متخفين ولا مسلحين ، هم مدنيون معينون من قبل الشرطة والمخابرات الصينية . ويتم اختيارهم من نخبة أعضاء الحزب الشيوعي أو نخبة سكان الحي .

blank
الصين : أكبر ديكتاتوريات العالم

بعد الثورة التقنية ظهر نظام صيني جديد يعرف باسم نظام الرصيد الإجتماعي ، وهذا النظام فرض رقابة أكبر على الصين .

دعنا إذن عزيزي القارئ نفهم هذا النظام جيدا .

نظام الرصيد الإجتماعي الصيني

بمجرد أن تصل لسن البلوغ فأنت مجبور على تسجيل حسابك داخل برنامج حكومي ، وتمنح ألف نقطة رصيد اجتماعي . إذا ما فعلت أي شيء خطأ فإن الرصيد ينخفض ، بينما لو قمت بعمل صحيح فإن الرصيد يرتفع .

ويوجد أكثر من 170 مليون كاميرا مراقبة في الصين . تلك الكاميرات قادرة على تحديد هوية الشخص عن طريق بصمة الوجه وبالتالي إرسال البيانات إلى حسابه . فإذا ما رأى الشخص قمامة بالشارع ورماها بسلة المهملات مثلا ، فسيحصل على زيادة في الرصيد . وإن ساعد شخصا عجوزا فسيحصل على زيادة بالرصيد . وإن قام بأي عمل جيد فسيحصل على زيادة بالرصيد .

أما إن قام الشخص برمي المهملات بالشارع فسينقص الرصيد . وإن قام بشرب الكثير من الكحول داخل الحانة فسيخسر بعض الرصيد ، وإن قضى الكثير من الوقت داخل المعابد الدينية فسيخسر الرصيد . وبالتالي فإن الصين تراقب مواطنيها في كل مكان تقريبا . ويضع هذا النظام أكثر من 1.4 مليار إنسان تحت المراقبة الكاملة بمجرد خروجهم خارج منازلهم .

blank
1.4 مليار إنسان تحت الرقابة في الصين !

كذلك فإن الحكومة تستخدم نظام الرصيد الإجتماعي الصيني لمعرفة أي شخص يملك فكرا معاديا للحكومة الصينية . فتلك الكاميرات متطورة للغاية وقادرة على تحديد هوية الشخص خلال أقل من ثانية، كما وأن بعضها برمج على قراءة حركة الشفاه ، فكل كلمة يقولها الشخص يتم تسجيلها .

إقرأ أيضا : بوتشيو – أبن النظام البار

إن هذا النظام موجود في كثير من دول العالم الأخرى لكنه بشكل مختلف . فعلى سبيل المثال بكل دول العالم هناك السجل الإجرامي ، حيث أن هذا السجل يوثق أي مرة دخلت فيها مخفر الشرطة وما السبب في دخولك . وقد تخسر وظيفتك بسببه . كذلك هناك السجل المالي في البنوك حيث يتم مراقبة تحركات جميع الأمريكيين عن طريق البطاقة الذكية ويتم تسجيل كل قرش يدخل ويخرج من الحساب وتحديد قيمة الشخص بقيمة ماله .

وقد قامت بعض الولايات الأمريكية حديثا بوضع قانون جديد ، حيث يسمح للبنوك بتجميد حساب الشخص اذا ما تحدث بخطاب كراهية . وخطاب الكراهية هنا هو ما تعتبره الحكومة فقط لا غير .

بعد تطبيق نظام الرصيد الإجتماعي الصيني في البلاد في انخفضت السرقات بشكل كبير . فلم يعد أحد يتجرأ على السرقة لأن 73٪ من الشوارع مراقبة بشكل كامل . وانخفضت حالات كسر القانون بل وضعفت قوة العصابات الكبيرة وانتهت بعض العصابات الصغيرة . ولم تعد بائعات الهوى قادرات على ممارسة عملهن وقلت جرائم القتل والتحرش .

إذن ما الذي يجعل نظام الرصيد الإجتماعي الصيني هذا سيئا وما الذي يجعله جيدا؟! .

إن الرصيد الذي تحصل عليه تستطيع صرفه في أشياء كثيرة . فيوجد دراجات هوائية للإيجار تساعدك على التنقل من مكان إلى مكان وبإمكانك استئجارها مقابل الرصيد . كذلك يمكنك ركوب بعض القطارات مقابل الرصيد .

ويوجد كذلك مطاعم تتعامل معها الحكومة الصينية وتعطيك خصومات مقابل بعض النقاط داخل الرصيد . وبل هناك شقق قد بنتها الحكومة الصينية وتخفض إيجارها مقابل الرصيد . أما لو انخفض الرصيد فإن المسألة تتغير تماما ، حيث أن فعل أي عمل سيء سيؤدي لخفضه .

إذن ما السيء في ذلك؟

إن كلمة “عمل سيء” كلمة مطاطة ، ويجب أن تعرف ماهو تعريف العمل السيء لدى حكومة الصين .

في العام 2022 طُرحت فكرة داخل الحزب الشيوعي الصيني لمنع المواطنين الصينيين الذين يملكون نقاط منخفضة من السفر . حيث أن أولئك المواطنون سيقومون بتشويه صورة الصين في الخارج .

كذلك فإن هناك احتمالا أن يمنع الحزب الشيوعي دراسة الجامعة لدى من يملك رصيدا منخفضا . وبالطبع فإن هناك احتمال أن يتم بناء مدن جديدة وأن يكون سكانها فقط ممن يملكون رصيدا مرتفعا .

وبالتالي فلو قالت الحكومة الصينية أن شرب الكحول عمل سيء فمن يشرب الكحول لن يستطيع السفر خارج الصين . ولو قالت أن تحميل برنامج VPN لدخول المواقع المحظورة بالصين عمل سيء ، فلن يتمكن من يحمل تلك البرامج من السفر أو العيش في مكان معين بالصين .

إقرأ أيضا : ماذا تعرف عن شعوب الشمال العظيمة

بغض النظر عن كل ذلك ، فإن هذا النظام قد فرض رقابة عالية على جميع أرجاء الصين . فعلى سبيل المثال فإن الحكومة الصينية تكره الروحانيات وتكره أن يقضي الشخص أي وقت بالمعابد أو المساجد أو الكنائس . حيث أنك تعيش ببلاد مضطر للعمل فيها 14 ساعة باليوم وتحتاج إلى نوم 8 ساعات وحوالي ثلاثين دقيقة للتنقل من العمل للمنزل . و بالتالي فقضاء نصف ساعة بأي مكان ديني يعني أنك قضيت نصف يومك فيه ، وهذا قد يؤثر هذا على إنتاجيتك في المصانع . ويعمل هذا النظام على إنهاء الدين بالصين ، ولعل ما حدث بإقليم شينجيانج هو بسبب رفض السكان إقامة هذا النظام .

blank
هل الديانات في الصين بطريقها للزوال؟

كذلك فإن هذا النظام قد جعل من المستحيل التعبير عن أي شيء لا ترضاه الحكومة الصينية . حيث أن بعض الكاميرات تقدر على ترجمة حركة الشفاه مما يجعل كل ما يقوله الشخص مسجلا .

بعد أن تطبق النظام أدركت الحكومة الصينية أن الصين بلد مختلف الثقافات العامة . فهناك أشياء مقبولة إجتماعيا في بكين لكنها ليست مقبولة اجتماعيا في شنغهاي . لذلك قد قامت بتعديل نظام الرصيد ليتناسب مع الثقافة الصينية العامة الإجتماعية في مختلف المدن الصينية .

blank
نظام الرصيد الإجتماعي الصيني نعمة أم بلاء؟

حاليا يوجد 170 مليون كاميرا مراقبة في الصين . بينما ينوي الحزب الشيوعي الصيني وضع 330 مليون خلال السنوات القادمة ، أي كاميرا واحدة لكل 4 مواطنين . مما سيجعل أكثر من 97٪ من البلاد تحت الرقابة الكاملة .

إن نظام الرصيد الإجتماعي الصيني ليس أغرب ما فعلته الصين . فالزعيم ماو قطع جميع الروابط بين الصين وبين العالم خاصة العالم الغربي . حتى لا يستطيع الغرب التحكم بالصين إعلاميا وسياسيا ، والقيام بتحريض الصينيين على أي عمل ضد الحزب الشيوعي وضد بلادهم .

إقرأ أيضا : المتبخرون في اليابان .. بين ماضٍ مؤلم وحاضر مجهول

منع ماو أيضا اللغة الانجليزية ومنع تعليمها ، كذلك منع نظام الرومناجي وهو نظام يستخدم الأبجدية الإنجليزية اللاتينية لكتابة الحروف الصينية وقام بتغييره وتبنى النظام الصيني القديم . لقد وصل لدرجة أنه في بعض الأحيان منع الأكل بالشوكة والسكين! .

blank
الخصوصية على الانترنت : ضرب من ضروب الخيال في الصين!

بل وحتى ببداية الثورة التقنية منع كل شيء غربي من الصين . فعلى سبيل المثال فإن محرك بحث جوجل ممنوع داخل الصين ، وهناك محرك صيني أنشأته الحكومة الصينية . ويكيبيديا أيضا ممنوعة ، ووسائل التواصل الإجتماعي باختلافها أيضا . فيسبوك – تويتر – انستجرام – واتساب – تليجرام . كلها ممنوعة بالإضافة للمواقع الإباحية والتي مُنعت منعا باتا . وتستبدل الحكومة الصينية مواقع التواصل الاجتماعي بمواقع صينية لا تقبل الكتابة إلا باللغة الصينية . كذلك فإنها مواقع مراقبة ولا يسمح إلا للصينيين بالتسجيل فيها .

ختاما

مارأيك عزيزي القارئ بهذا النظام؟ ، وهل أنت مؤيد أم معارض لهذه الفكرة؟ . وهل تعتقد أن فكرة هذا النظام صحيحة أم فكرة خاطئة؟ .

ملاحظة : جميع حقوق المقال محفوظة لموقع كابوس . لا يحق لأي شخص كان النقل الحرفي أو المرئي للمقال المنشور دون إذن مكتوب من إدارة الموقع . وتترتب المسائلة القانونية المنصوص عليها على كل مخالف للتنبيه المذكور .

المصدر
ForeignpolicyWiredInsiderمصادر إضافية

آريو

-كاتب من سوريا - الكاتب الأفضل في كابوس لشهر اغسطس 2022

مقالات ذات صلة

اشتراك
اشعار
guest
ضع بريدك اذا اردت استلام اشعار بالنشر

37 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
37
0
التعليق مفتوح للجميع .. رجاءا اسمعنا رأيكx
()
x

أنت تستخدم إضافة Adblock

مرحباً .. يبدوا أنّك تستخدم مانع إعلانات ، نرجوا من حضرتك إيقاف تفعيله و إعادة تحديث الصفحة لمتابعة تصفّح الموقع ، لأن الإعلانات هي المدخل المادي الوحيد الضئيل لنا ، وهو ما يساعد على استمرارنا . شكراً لتفهمك