أدب الرعب والعام

نهاية في بداية

وُلدنا تائهين لا نعلم شيئاً، مَن هؤلاء الذين ينظرون من خلف تلك النوافذ؟ ولماذا أبكي وهم سعداء؟ حتى أنا لا أعرف مَن أنا وكيف أتيت إلى هنا و من أي الأماكن قد بُعثت.

أخذوا أطراف جسدي الصغير بين متناول أيديهم، أوجه مضحكة ولطيفة، وأوجه قد أرعبت أنظاري، لكل منهم ابتسامة غريبة، بعضهم تضحك أعينهم والبعض تبتسم أفواههم ابتسامة هادئة أعتقد أنها رُسِمت على ثغرهم بيد أتقنت فنّ الكذب .

و بدأ البعض يصدر أصواتاً تخرج من أفواههم، لكنني لم أفهم شيئاً على كل حال أشكالهم مضحكة. حتى أخذتني يدان وضمتني وكأنني شيئاً منها فشعرت بالأمان وأنني بُعثت من هنا من حيث الذي يضمني.

هذه كانت أول خطوة يخطوها جسدي في هذه الحياة. أكملت السير إلى ستة أعوام حتى تعلمت الكلام وعرفت أن الذين أتوا بي إلى هذه الدنيا هم ثلاثة، الأول يدعى أبي و الثاني أمي والثالث حتى الآن لا أعرف شيئاً عنه .

وأما إخوتي الذين أتقاسم معهم، الشبَه، والمزاح، وغرفتي، وحتى أحاسيسي تجاه أمي و أبي، إنهم أشياء نادرة.

تعرفت إلى نفسي ومن أكون و أتقنت اللغة التي كانت تضحكني عندما كنت صغيراً. بدأتُ الدراسة حتى أكمل مفاهيم هذا المكان، و يوماً من الأيام سمعت أبي يقول أنه أصبح يبلغ الاربعين عاماً، (فاعتقدّت أن المسير طويل ) وبعد مرور أيام كان لي صديق في المدرسة، كان يعاني من مرضٍ خبيث وذات يوم لم اعد أراه، فسألت معلمتي عنهُ فدمّعت عيناها مع ابتسامة صغيرة وأخذتني في حضنها قائلة أنه قد رحل.

_ إلى أين رحل؟

قالت: إلى أرضٍ لم يعد منها أحد حتى اليوم وجميع من نحبهم ذاهبون إليها وأسلافنا هناك و نحن أيضاً سنكون هناك يوماً ما .

_ وكيف صديقي قد رحل وهو لم يناهز الستة أعوام وأبي قد تعدى الأربعين عاماً ولازال هنا؟

ابتسمت قائلة:

إن الرحيل هو شيء لا يتعلق بالسنين، قد يولد البعض كي يموت ويموت البعض قبل أن يولد .

لم أفهم شيئاً، ولم أفكر بشيء سوى أنني مرة أخرى سأسقط على كوكب لا أعرف عنهُ شيئا، ولكن جيد أنني عرفت من أكون .

حتى بدأت تمرّ الايام والسنين وأصبح عمري 14 عاماً، وهنا قد رأيت نفسي أنني رجل وأصبحت ناضجاً وليس لأحد سلطة عليَّ. أصبح بامكاني التفكير أكثر من السابق، وأصبحت أعلم أكثر الاشياء، ولكن دوماً أتشاجر مع أمي وأبي، فأنا بإمكاني الاعتماد على نفسي وأعرف الصح والخطأ وهم لازالوا يظنون أنني ولد صغير .

مع السنين أشياء كثيرة تتغير، وبين التغيرات التي حدثت طوال هذه السنين أني قد عرفت من هو الثالث الذي بعثني إلى هذه الدنيا، إنه الخالق للوجود واهب التفكير و إنه المحيِّ والمُميت, هو خالق الدنيا وقوانينها، بَعثَنا إلى الأرض كالأحرف على الأوراق وسيأتي يوم ويضع نقطة تنهي رواية كل فردٍ منّا ( إنه اللّه ) .

مرّت الأيام وسلبتني أكثر مما أعطتني، هي تأخذ مني السنين، وأنا آخذ منها بعض العلم والمعرفة، لكن ما نفع المعرفة مادام هناك رحيل وبداية جديدة بمكان جديد.. حتى توقف كل شيء، عقلي، وقلبي، وحتى أنفاسي، لم يكن الموت، إنما هذه أولى نظرات العشق.. لا أعلم كيف أصفها، ( أيها القارئ أعتقد أنك مررت بهذه اللحظات، أتذكر كيف كان هذا الشعور ؟ أيها القارئ العزيز لا أحد ينسى من دخل القلب ولايزال عالقاً بإحدى زواياه )

تاهت أفكاري واجتمعت أحاسيسي بين الفراغ الذي بيني وبينها فابتسمتُ إبتسامة الخجل، ومن عينيها لاذ قلبي بالفرار، حتى غدا قلبي متبعثرا ببعض الأحاسيس وعقلي متخدرا وكأنه داخل غيبوبة. عدت إلى وعيي ولكن بإحساسٍ جديد وتفكيرٍ جديد. و مرّ هذا اليوم وكان أغرب الأيام، وأصبح داخل جسدي جسد آخر يميل إليها ويبحث عنها تائهاً بين سطور عينيها .

انتظرتُ اليوم الثاني بفارغ الصبر كي أراها، عدت من المدرسة ولا أفكر سوى بنظرات البارحة التي أخذت أفكاري وأحاسيسي،وسلبت النوم من عيوني. أتممت مهامي المدرسية، وذهبت للجلوس بظل الشجرة الكبيرة أنتظر لكن لا أعلم لماذا أنا خائف .

قلبي بدأ بالخفقان تلبكت جميع أطرافي، ها هي قادمة لا أعلم ماذا أفعل .

_ مرحباً كيف حالك؟

_ الآن قد أصبح بخير.

_ ماذا؟

_ آه لا شيء، كنت أقول أنني بخير، وأنتِ؟

_ أنا أيضاً بخير، إسمي سيلا، لقد أقمنا منذ ثلاثة أيام هنا وإني سُررتُ بالتعرف عليك.

_ شكراً هذا من لطفك، وأنا سُررتُ أيضاً بمعرفتك.. إسمي بنيامين.

_ إن اسمك جميل.

_ عيناكِ أجمل من اسمي بكثير.

_ وما شأن عيناي باسمك؟

_لا، كنت أقول أن.. أعتقد أن الأصدقاء ينادوني… تشرفت بمعرفتك… أراكِ وداعاً.

لا أعلم لماذا تتشتت أفكاري وتتجمع أحاسيسي أمام عينيها . كانت أجمل اللحظات التي مرّت منذ البداية، حتى بدأت أراها كل يوم وفي كل يوم تدهش عقلي وتغرق قلبي بقاع عشقها أكثر فأكثر. ومرّت الأيام حتى أخذ قلبي جرعة من الجرأة وأقر لساني بالاعتراف.

كتنت أشدّ الايام توتراً وأكثرها تلبكاً، ( على الأغلب أنك مررّت بهذا اليوم أيها القارئ العزيز) .

_ سيلا أريد إخبارك بشيء.

_نعم بنيامين تفضل.

_ سيلا، إن قلبي أصبح كالسفينة في وسط البحار، وقد تعب وهو يبحث عن مرساكِ كي يحط بها.

_ لم أفهم وضّح لي أكثر.

_ سيلا أنتِ سيدة قلبي وجميع أفكاري منذ اليوم الأول، كنت تائهاً حتى نظرت إلى عينيكِ فوجدت نفسي، إن النجوم تضيء عتمة السماء، أما أنتِ أضأتي عتمتي في هذه الحياة. لا أريد السقوط من جديد على كوكب آخر، أريد أن أبقى عالقاً بعالمك، سيلا أنا …

_ بنيامين لا تتلبك، أعتقد أنك تريد قول الكلمة التي وصفها الشعراء ( إنها أرض النعيم لمن زرع بها الوفاء، وأرض الجحيم للمتنكر بالحاء والباء ) الحب

_ نعم هذا ما أريد قوله، اعدك بأنني سأزرع الوفاء وأجلس تحت ظله … أنا أحبك.

_ وأنا أيضاً لن يدخل دار قلبي سواك، وسأقفل أبواب داره كي تبقى عالقاً للأبد ..

ومن هنا كانت البداية، بداية الحب، وتقلّب الروح داخل الجسد الثابت . كان الحب يتغلغل بأعماق قلبي أكثر فأكثر وأصبح القلب مُلّكاً لأيديها، والعقل تخرّج من كلية العشق ليبني آمال الثنائي الواحد بين جدران الوفاء، تحت سقف الأحاسيس، وغزَل اللّيل يضيء السواد الشاحب. أصبحتُ كوكباً داخل مجرتها التف حول شمس عينيها فتضيء دربي بنجومها اللامعة.

مرّت السنين تلو السنين وكأنها أيام، ونحن على درب العشاق سائرين، واحد وعشرون عاماً من عمري مرّ كريح الشتاء .

و بيومٍ واحد، توقَفَ كُل شيء، عمَّ الهُدوء تخدرت الأحاسيس تَحتَ ظِلْ شَجَرَة الوعود، أنتَظِر وأنتَظِر تأخرَ حَبيبُ قَلبي يوماً تِلو يوم … حتى اليوم .

هاجرت من حيِّنا الصغير وليس لي إليها سبيل، لكنها لازالت مقيمة بشوارع قلبي، الذي خفتت أضوائه بعد انقطاع تيار اللقاء .

أما اليوم أقول لحبيبي الغائب إنك وحشتَ روحي، أُقسِمُ أن كُل ما صاحَ قَلبي باسمكَ تكسرت أضلُعي تلهُفاً لضمِّكَ إليها، وعَينايَ تبلّلت بالدموع الحارِقة باحِثة عَنك يميناً ويساراً. أما عقلي الثَمِل لازلت عالقاً بينَ أفكاره بينَ الفكرة والفكرة لكَ داخلِهُ ذِكرى، أنهكتَ روحي يا حَبيبها، ومَزّقت أطرافَ قَلبي يا مَعشوقَهُ، كنتُ خائفاً على قَلبي مِنَ البداية، لم أكن أعلم لماذا، أما الآن أيقنتُ أن الخوف كان من أجل بداية لا نهاية لها .

أكملت طريقي بنصف قلب، بأنفاسٍ تختنق تحت الذكريات، وجسد أهلكهُ الفراق، وداخل العينين استحل سواد الليل حاملاً سراجاً مشتعلا على أملٍ أنها يوماً ستعود .

حملتني الأيام رغم ثقل الهموم إلى قطار السنين الذي مرّ بي ثلاثون محطة مسرعاً، لا يريد التوقف. وذات يوم على مشارف المحطة الواحدة والثلاثون توقف القطار لبضعة دقائق، توقف الزمن، توقف القلب وانهالت الدموع من حيث أن عينَي لا تدري، إنها هي إنها سيلا بعد مرور أكثر من عشر سنوات، لكنها ليست سيلاتُ قلبي إن يدها تمسك راحة يد رجلٌ آخر كما كانت تفعل لكفوفي المنتظرة على أمل الرجوع.. إن دار قلبها قد هجرني وفتح أبوابه المغلقة وأخذ جليساً غيري، لكن لا أعلم هل مازلتُ داخل الدار أما أنها إلى خارج الدار رمتني .

وحُفر على قطار السنين أحرُف القدر التي أبعدتني عنك، ورغم جميع البدايات عشقك لازال يرافقني.. و هنا توقف كل شيء .

عبر قطار الحياة ستون محطة وتوقف على محطة الرحيل فنزل بنيامين و على رأسه قطعة من الإسمنت محفور عليها..

( عشقك لازال يرافق روحي يا أنيسها، والقلب لازال ينتظر تحت ظل شجرة الوعد _ بنيامين غاردر _ ١٩٤٢_٢٠٠٢ )

أما اليوم إن شيئاً ما يتحرك داخل قلبي، ويوقف تفكيري لا أعلم لماذا، لكن أعتقد أنها أول أحاسيس الحب. ها هو قادم وبدأت جميع أطرافي تتلبك ..

_ مرحباً أنا ( سيلا بنيامين غاردر ) أقمنا هنا منذ يومين هل توافق أن نصبح أصدقاء؟

_ آه بالطبع، فأنا أيضاً.. يا لهذا الحظ اسمي بنيامين واسم أمي سيلا ..

تحت شجرة الوعود .

«دائرة البداية تلتف حول الجميع لكن بشكل مختلف»

( علي الزين )

guest
10 Comments
الاحدث
الاقدم الاكثر تصويتا
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى