ألغاز تاريخية

هربرت روز أرمسترونج : من الذي يكذب؟

قصتنا اليوم تبدو معقدة بعض الشيء، تجعلك وأنت تقرأ تتساءل إذا كان المدعو هربرت روز أرمسترونج هذا شخص ماكر للغاية أم سيء الحظ.
هربرت روز أرمسترونج ولد في بيلموث عام ١٨٦٩ وحصل على شهادة في القانون وأصبح يمارس مهنة المحاماة في ليفربول حتى جمع ما يكفي من المال والسمعة الطيبة. عندها قرار “إدموند تشيز” المحامي الشهير ضمه إلى شركة المحاماة الخاصة. وبهذا به كسب أرمسترونج المزيد من المال وتوج كل هذا النجاح بزواجه من الآنسة كاثرين في العام التالي.

أنجب الزوجان ثلاثة أطفال، ابنتان وصبي. وقد كان هو أصغرهم. وبعد فترة أراد أن تحصل العائلة على منزل أكبر فقام بالانتقال بهم إلى بيت آخر في “مايفيلد” في قرية “كوسوب” وأصبح ذو شعبية اجتماعية هناك. ولكن عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى عام ١٩١٤ تم استدعاء أرمسترونج للخدمة العسكرية وحصل هناك على لقب رائد وخدم في بلدان عدة منها فرنسا.

blank
الرائد أرمسترونج وزوجته كاثرين

في تلك الفترة التقى أرمسترونج بسيدة أعجب بها كثيرا، وقد أفصح لها عن حبه هذا. ولكن مع تركه الجيش انقطعت تلك العلاقة وعاد إلى كاثرين زوجته التي أصبحت أكثر صرامة بعد عودته. فقد كانت محبه للقراءة والنظام والترتيب وتربية الأبناء بحزم. واعتادت توبيخ زوجها بشدة إذا حرك شيئاً ولم يعده إلى مكانه أو إذا دخن سيجارة في أي مكان عدا الغرفة المخصصة لذلك، أو في حال تأخر قليلاً دون أن يخبرها. وكانت تفعل ذلك أمام الناس، مما جعل ذلك الإذلال علنا.

سرعان ما اعتاد أهل البلدة على التهامس طوال الوقت على أرمسترونج وزوجته، حتى إنه أصبح كل من أراد شيئاً من هذه العائلة عدا مرافعة محامي جيدة كان يذهب ويتحدث مع السيدة كاثرين. باختصار كان الجميع على علم ” بمن يرتدي السروال في ذلك المنزل ” وهو أمر كان غير مقبول في ذلك الوقت.


وفي عام ١٩١٩ بدأت تعاني السيدة كاثرين من التهاب الأعصاب، ثم بعد عام تدهورت صحتها الجسدية والعقلية وأصبحت تعاني من الهلوسة والاكتئاب وارتفاع الحرارة والقيء وتضخم في عضلات القلب، مما جعلها تذهب إلى مصحة للعلاج لمدة عام ونصف، وفي تلك الفترة تحسنت حالتها الصحية مما جعلهم يخرجونها بعد أن بعد أن طلبت هي وزوجها الرائد أرمسترونج ذلك.


بعد خروج السيد كاثرين من المصحة تدهورت صحتها مجددا ثم رقدت طريحة الفراش لمدة أسبوع، وكانت تتحدث مع الممرضة في تلك الأثناء لتقول “أنا لن اموت فلدي ما أعيش من أجله، هم أطفالي وزوجي” ثم توفيت في غضون ذلك في عام ١٩٢١ عن عمر يناهز الثامنة والأربعين. وطبعاً أتى العديد من الناس لمحاولة التخفيف عن أرمسترونج وأطفاله الذين فقدوا أمهم.

وفي تلك الأثناء قرر أرمسترونج أن يعود إلى عمله وإلى حياته العملية، وليس ذلك فحسب ففي يوم وفاة السيدة أرمسترونج، أغلق الخدم جميع الستائر كدليل على الاحترام. ولكن أول ما فعله أرمسترونج عند عودته من المكتب إلى المنزل هو فتحهما مرة أخرى. وحتى أنه عرض الزواج على السيدة التي كان يهيم بها حباً في لندن. ولكن وفي خضم تلك الأحداث الاجتماعية كانت حياته تتعرض لتهديد، وذلك بسبب قيام محام منافس يدعي” روبرت غريفيث ” بتعيين شريك جديد يدعى “أوزوالد مارتن” وهذا الأخير استطاع التغلب على أرمسترونج في مجال واحد فقط، ولكنه كان أهمهم، الا وهو الضرائب. وقد عرف كيف يتلاعب بالقوانين لصالح موكليه لخفض الضرائب عنهم، مما جعل بعض العملاء بالركض لسحب ملفاتهم من مكتب هربرت أرمسترونج ووضعها أمام أعين غريفيث الذي كان يعرف الطريقة الأفضل للتعامل معها.

blank
اوزوالد مارتن وزوجته

لم يكن هذا إلا جزءاً فقط من النزاع، وأما الجزء الآخر فيكمن في عقار في “فيلينويد” كان مكتب أرمسترونج مسؤولاً عن بيعه للسيد غريفيث وشريكه مارتن. وكان قد قرر الرائد آنذاك تبطيء عملية البيع مما جعل مارتن في حالة غضب وقام بتهديد أرمسترونج بفسخ العقد.

ومن باب حسن النوايا قام أرمسترونج بدعوة غريمه لتناول الشاي والكعك وفي أثناء تقديم الكعك المدهون بالزبدة انزلقت أصابع أرمسترونج وكاد الكعك أن يقع على الأرض فاستدركها الرائد بيده قبل أن تقع وأعاد تقديمها لمارتن معتذراً على وجود أثر أصابعه عليها. لم يهتم ذلك الأخير بالأمر كثيراً وقد تناولها مع الشاي وهو ينظر إلى أرمسترونج وينتظره أن يتحدث بالأمر وهي النقطة الغربية، هنا كان في مقدوره أن يبدأ هو بالحديث وخصوصاً أنه محام ولا وجود لتلك الشكليات في مهنته، أما الرائد فبدأ يتحدث عن زوجته كاثرين الراحلة وأطفاله وحديقته التي أصبح مهووساً بها وبعض الاشياء التي صادفته في القضايا الأخيرة، تحدث عن كل شيء عدا الموضوع الذي جاء مارتن من أجله، وفي النهاية نهض مارتن متعللاً بوجود أمر طارئ ما ليهرب من ثرثرة أرمسترونج.

عندما عاد مارتن إلى بيته أصيب بمرض شديد. وقال طبيبه الدكتور هينكس أنها انفلونزا في المعدة. ولكن جون ديفيز والد زوجة مارتن كان له رأي آخر حيث أنه يملك صيدلية، وقد باع كمية كبيرة من الزرنيخ لأرمسترونج الذي تذرّع بأنه يريد استخدامها لقتل الهندباء في حديقته. على الرغم من أن الخريف كان قد حل ولم يكن هناك سوى عشرين زهرة هندباء في حديقة منزل أرمسترونج. كان الكيميائي متشككاً في مرض مارتن المفاجئ، وعندما أخبره مارتن أنه ذهب لتناول الشاي في مايفيلد، أصبح ديفيز أكثر من ذلك. في هذه الأثناء، اندهش الدكتور هينكس من مدى تشابه أعراض مارتن مع أعراض كاثرين أرمسترونج. ناقش هينكس ومارتن وديفيز الموقف، وحذر ديفيز عائلة مارتينز من تلقي الهدايا من أرمسترونج. 

blank
مكاتب أرمسترونغ في هاي أون واي في عام 2014؛ تم القبض عليه هنا في 31 ديسمبر 1921. ولا يزال المبنى يستخدم من قبل شركة محامين

ثم اكتشف أنه قبل أسابيع قليلة من دعوة الشاي، تم إرسال علبة من الشوكولاتة بشكل مجهول إلى عائلة مارتينز. لقد أكلت أخت زوجة السيدة مارتن بعضاً منها وأصيبت بمرض شديد. ولحسن الحظ، بقيت بعض قطع الشوكولاتة، وعند فحصها، وجد أن بعضها يحتوي على ثقب صغير يشبه الفوهة في القاعدة. اتصل الدكتور هينكس بوزارة الداخلية وأوضح شكوكه بشأن ما حدث لمارتن، ثم أعرب لاحقاً عن شكوكه بشأن وفاة السيدة أرمسترونج. وطبعاً تم فحص عينات من الشوكولاتة وبول مارتن ووجد أنها تحتوي على الزرنيخ، وأحالت وزارة الداخلية القضية إلى سكوتلاند يارد . وفي تلك الأثناء، كان أرمسترونج مستمراً في إرساله للمزيد من الدعوات لمارتن يطلب منه فيها زيارته لتناول الشاي. ولكن أمر إيقافه للتحقيق سرعان ما جاء وليس ذلك فحسب، بل قاموا باستخراج جثة كاثرين أيضا واكتشفوا أيضا أنها ماتت بالزرنيخ.


في المحكمة: اتهامات وشكوك وأرمسترونج


كان موقف أرمسترونج سيئا للغاية، فقد عثروا في مكتبه وداخل جيبه على عشرين كيسا صغيرا يحتوي كل واحد منهم على كمية صغيرة من مسحوق الزرنيخ. وعندما سأله القاضي عن سبب حوزته لها: قال إنه كان يأخذ كل كيس ويلقيه في حفرة لقتل الحشائش الضارة. فسأله القاضي مجدداً: لماذا لا تأخذ كيس كبير وترش الحديقة بأكملها؟ أجاب أرمسترونج أن الطريقة الخاصة به بدت أكثر صحة بالنسبة له.

كان الشاهد الأكثر إدانة هو الطبيب “سبيلسبيري” حيث قال إن نسبة الزرنيخ الموجودة في جسد كاثرين تدل على شيء واحد فقط وهو القتل. وبعد ذلك حاول محامي أرمسترونج “السير هنري كيرتس بينيت ” أن يدّعي بأن كاثرين كانت مصابة باكتئاب وانتحرت. ولكن هذا الادعاء كان ضعيفاً جداً خصوصا أن كاثرين لم تستطيع النهوض من الفراش بدون ممرضة. وقد توج كل ذلك بوجود القاضي “دارلينج” الذي تولى تلك القضية وهو الملقب بقاضي المشنوقين ، والذي أعطاه وقتا قصير جداً ليدافع عن نفسه حاملاً تحيزاً كبيراً ضده. وقد تتساءل في قرارة نفسك عن سبب ذلك التحيّز، والجواب يعود لعام فائت تقريباً من محاكمة الرائد أرمسترونج ، حيث كانت هناك قضية لمحامي آخر متهم بتسميم زوجته وبسبب قلة الأدلة حصل على البراءة. لذلك كان القاضي يحرص على ألا يحرج مجدداً أمام الصحافة والعامة. ناهيك طبعاً عن أنه قاضي المشنوقين المعروف.

أولا وأخيرا وبرغم أن أرمسترونج أبدى مهارة منقطعة النظير في الاستجواب في ظل محاولة مقاطعته الدائمة والتضييق عليه، فقد أشار كل من في قاعة المحاكمة له بالبراءة. إلا أنه وعلى عكس التوقعات حصل على حكم بالإعدام في ٣١مايو عام ١٩٢٢ في سجن “غلوستر” وهو المحامي الوحيد الذي تم إعدامه في انجلترا بتهمة القتل. وقبل إزالة الكرسي من تحته ليتدلى عنقه في المشنقة صاح أرمسترونج: “كيتي، أنا قادم”. إليكم!”. ذكرت صحيفة نيوز أوف ذا وورلد أنه عندما سأله حاكم السجن صباح يوم الإعدام عما إذا كان لديه أي شيء ليقوله، كانت كلمات أرمسترونج الأخيرة “أنا بريء من الجريمة التي حُكم علي بالموت بسببها”. ولاتزال قضيته مصدر للجدل حتى وقتنا هذا.

هل كان أرمسترونج القاتل فعلاً؟

في الواقع فإن المحققين كانوا قد عثروا على ثلاث رسائل غرامية في مكتبته، والمرسل هو أرملة في الأربعينيات من عمرها. وهي ذات المرأة التي التقاها خلال الحرب عندما كان متمركزاً بالقرب من منزلها في بورنماوث. ولكي أزيدكم من الشعر بيت فقد تقدمت تلك السيدة بالشهادة ضده في المحكمة قائلة أنه كان يتحدث بالسوء عن زوجته.

أيضاً وأثناء محاكمة أرمسترونج، أخبر طبيبه المحكمة أنه عالجه من مرض الزهري، مما يعني أن الرائد كان قد ابتعد عن زوجته لفترة ولكن المحققين وجدوا واق ذكري مستعمل في مكتبه. ثم اكتشف المحققون وصية كيتي، التي تم تغييرها قبل أشهر من وفاتها لاستبعاد عائلتها وترك كل شيء لزوجها. وحامت الشكوك بأن أرمسترونج قتل زوجته ليعيش على مالها مع عشيقته. ولكن محاميه قال بأن هذا الادعاء سخيف لأن موكله كان غنياً بالفعل.

ومن حيث لا يعلم أحد جاءت شهادة جديدة للمحكمة من مفتش ضرائب سابق يشتبه في أن أرمسترونج حاول قتله سابقاً.

blank
لائحة الاتهامات التي تم توجيهها الى المحامي هربرت أرمسترونج آنذاك

حيث أنه بعد عشرة أشهر من وفاة كيتي، أرسل مفتش الضرائب خطاباً إلى أرمسترونج يقول فيه إنه مدين بضرائب متأخرة. وتمت دعوة المفتش للانضمام إلى أرمسترونج لتناول العشاء، وفي طريق عودته إلى المنزل دخن المفتش سيجارة أعطاها له أرمسترونج، وأصيب بعدها بمرض شديد. وفي اليوم التالي التقى مفتش الضرائب بطبيبه الذي علق على مدى سوء حالته ولاحظ رائحة مميزة في أنفاسه – الزرنيخ.

في براءة ارمسترونج ..

قال المدافعون عن براءة الرائد أن المحاكمة استندت في القضية إلى أدلة ظرفية، إذ لم يشاهد أحد أرمسترونغ وهو يضع الزرنيخ في الطعام أو حتى يتصرف بقسوة مع زوجته. وشككوا أيضاً بتقرير الطب الشرعي.

وفيما قال عالم الأمراض الشهير برنارد سبيلزبري، آنذاك أن وجود الزرنيخ في أمعاء كيتي أظهر أن جرعة كبيرة قد تم تناولها في غضون 24 ساعة قبل وفاتها عندما لم تكن قادرة على الحركة بما يكفي للنهوض من السرير.

إلا أن عالم السموم في الطب الشرعي البروفيسور أثول جونستون قال إنه من غير الممكن معرفة ذلك، لأن 24 ساعة ليست بالمدة الكافية لتحديد أثر أي مادة على الجسم. فحتى جرعة زائدة من المخدرات أو مادة أخرى غير الزرنيخ يمكن أن تفعل ما يفعله الزرنيخ بالجسم خلال 24 ساعة.

علاوة على ذلك فإن المدافعين عن براءة أرمسترونج يقولون أن القاضي دارلينج، الذي كان من المقرر أن يتقاعد بعد القضية، أراد أن يترك منصبه بإدانة لم يستطع إثباتها العام المنصرم، لذلك لم يقم بإجراء محاكمة عادلة.

حيث أنه في كلمته الختامية، تحدث القاضي لمدة أربع ساعات، تاركاً لهيئة المحلفين الكلمات التالية:

لقد ماتت بسبب التسمم بالزرنيخ بلا شك … إذا لم تمت منتحرة ولكنها ماتت بسبب جرعة من التسمم بالزرنيخ تم إعطاؤها لها في وقت قصير قبل موتها”. لماذا كان متأكداً جداً؟

هل كاثرين قتلت نفسها؟.

قال محامي أرمسترونج، السير هنري كيرتس بينيت، للمحكمة إن كيتي تحدثت عن احتمال انتحارها وكانت تعرف مكان حفظ الزرنيخ.

وشهدت الممرضة أن كيتي سألتها عما إذا كان إلقاء شخص نفسه عبر نافذة العلية سيكون كافيا لقتل شخص ما. وأخبر أحد الأصدقاء هيئة المحلفين أنه تمت إزالة أدوات حادة من المنزل للحفاظ على سلامة كيتي.

أيضاً فإن الملاحظات التي تم تدوينها خلال إقامتها في الملجأ لمدة ستة أشهر تشير إلى أنها كانت تعاني من أوهام حول عدم رعاية أطفالها أو دفع أجور خدمها بشكل صحيح، وكانت في حالة صحية بدنية سيئة عندما غادرت تلك المؤسسة قبل شهر من وفاتها.

وأثناء وجودها هناك، كان أرمسترونج يقوم في كثير من الأحيان برحلة ذهاباً وإيابًا لمسافة 120 ميلًا لزيارة زوجته – فهل هذه تصرفات رجل يخطط لمقتلها؟

blank
أرمسترونج ينزل من السيارة متوجهاً الى قاعة المحكمة

في الختام: هل كان أرمسترونج مذنباً أم بريئاً؟

هناك من يؤمن ببراءته وأن مارتن منافسه الأول كان قد دبّر له كل شيء. وهناك من يصر على أنه مذنب . إلا أن أرمسترونج مات شنقاً آخذاً الحقيقة معه وربما عند القاضي أو المحقق أو عند مارتن أو زوجته كاثرين نفسها. وأنت عزيزي القارئ.. ما رأيك؟.

المصدر
wikipedia
guest
13 Comments
الاحدث
الاقدم الاكثر تصويتا
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى