تجارب من واقع الحياة

واقعة بين نارين

بقلم : امرأة من هذا الزمان – سوريا

أنا بين خيارين أحلاهما مر ، هل تعليم أطفالي يستحق هذه التضحية ؟
أنا بين خيارين أحلاهما مر ، هل تعليم أطفالي يستحق هذه التضحية ؟

 
السلام عليكم أعزائي رواد موقع كابوس .

عندي مشكلة و لم أجد أحداً يعطيني الحل الشافي ، و لذلك لجأت لأكثر من أثق برأيه و هم حضرتكم أخوتي.

بدايةً أنا سيدة سورية في الثلاثينات ، متزوجة منذ ١٠ سنوات تقريباً و عندي ٣ أطفال ، و أعيش حالياً في جبل لبنان بسبب ظروف بلدي التي يعرفها الجميع .

أعيش في منطقة جبلية منعزلة من أعلى المناطق و التي تغطيها أمتار الثلوج طيلة شهور الشتاء – في هذه اللحظة الثلوج تصل ل٢٥سم  – و نعيش لوحدنا في تلك المنطقة فلا أسرة غيرنا ، و قد ذكرت هذا التفصيل لأن له علاقة بمشكلتي.

مشكلتي هي أن أبنتي أتمت ال٦ سنوات – أي أنه حان وقت تسجيلها في المدرسة – و أنا من النوع الذي أرى العلم أهم شيء في الحياة ، و طوال يومي أتخيلهم في المدرسة هي و أخوها الأصغر ذا ٤ سنوات ، و لا هاجس لدي إلا تعليمهما في المدرسة و ناد رياضي و معهد موسيقي ، و أصبحت أرسم لهما أحلاماً لمستقبل دراسي ، قد يراها البعض مبالغة و لكن بالنسبة لقدراتي و ما أقدمه لهما من جهد شخصي هي أقل من عادية ، و خلال فترة و جيزة من التعليم المنزلي أصبحت ابنتي بمستوى تلميذ في الصف الرابع حسب تقدير احدى المختصات لمستواها ، و ما زلت مستمرة في تعليمهما.

و لكن تعليمي في النهاية لن يحتسب تعليماً رسمياً ، بل بالنسبة لأي دولة هو مجرد ثقافة فلا وثائق رسمية تثبته ، و لذلك يجب تسجيلها في المدرسة و هنا مربط الفرس ، حيث وُضعت أمام خيارين إما أن أعلمها هنا في لبنان أو أعود بها إلى دمشق ، و سأذكر إيجابيات وسلبيات كلا الخيارين لتساعدوني في حل مشكلتي :

الخيار الأول : في حال بقيت في بيتي لأعلمها:

سلبيات : أقرب مدرسة تبعد ٤٠ دقيقة عن مسكننا ، و نحن في منطقة جبلية أي لا طريق إلا طريق الوادي والذي يصبح انتحاراً في الشتاء لكثرة الثلوج والجليد ، و أساساً منطقتنا في عدة شهور يمنع الدخول اليها قبل العاشرة و بعد الرابعة خوف الانزلاق والحوادث المرورية.
في لبنان المدارس الرسمية – يُمنع دخول السوري إليها.
الخاصة ، تكلف ما يقارب الألفين دولار سنوياً ، وهذا مبلغ خيالي قد يعادل دخلنا كاملاً في السنة.

مدارس الأمم المتحدة للسوريين ، و يكون دوامها بعد انصراف طلاب الرسمية ، أي من  ٢الى ل٧ مساء في الشتاء ، و ذكرت مشكلة الطرقات الثلجية أولاً ،  وثانياً السابعة شتاء يعني بعد العشاء والطفل الصغير غالباً يكون نائماً منذ وقت المغرب ، و كما أن التدريس فيها سيء جداً و لا اهتمام بالطفل و أغلب الطاقم استغلالي يهمه فقط دولارات الأمم ، و لن أذكر إهانة الصغار – كنت أعطي أكثر من طفل في مدارس الأمم دروساً خصوصية و قد كانوا يبكون ويخبرونني عن مدى المضايقات والإهانات.
و في الأخير نظام التعليم كاملاً فرنسي ، و أنا أريد أن تكون لغة صغاري الأساسية العربية ثم الإنكليزية.

أما الإيجابيات لبقائي هنا ، فهو أننا سنكون معاً كأسرة و لن أبتعد عن زوجي و لن يبتعد الصغار عن أبيهم و الحياة شبه الكريمة التي نعيشها هنا.

والخيار الثاني هو السفر إلى دمشق لتدريسهم واستئجار منزل صغير قريب من منزل أهلي :
سلبيات : سنبتعد عن البيت و زوجي ، و هذا يزعج زوجي و لكنني أقنعته على مضض بضرورة تعليم الصغار ، و هنا ظهر رفض أهلي للموضوع بحجة أنه لا يصح أن أعيش وحدي و أنا صغيرة في السن والبلاد لا أمان فيها ، و أن زوجي رجل في النهاية وله احتياجاته ، كما أنهم يخافون من أنني كلما ابتعد عن زوجي لفترة قصيرة – سفره لوحده قبل أن أسافر معه إلى لبنان – يستغل أهله ذلك و يزرعون فتناً بيني و بينه غالباً ما انتهت بمشاكل كبيرة و في إحداها وصلت للطلاق ، عدا عن العبء المادي على زوجي بسبب الغلاء في بلدي و الذي بسببه يستحيل أن ألبي احتياجاتهم من كماليات يرغبها أي طفل.
حتى طفلاي يقولان : لا نريد الابتعاد عن بابا ، و من سيكون مع بابا ؟ و نفضل أن ندرس في البيت.

أهل زوجي لا يحبونني و يستغلون أي فرصة للانفراد بزوجي ليذموني – و يسودوني أمامه – و لا يحبون أصلاً فكرة التعليم و خاصةً للإناث و أكيد سيسعون للمشاكل مرة أخرى و زرع الفتن وتأليف الكلام الذي غالباً ما يرهق زوجي و يرهقني .

إيجابيات : سيتعلم طفلاي أفضل تعليم ، لأن التدريس في أفضل مدارس سوريا لا يكلف ال١٠٠دولار سنوياً ، كما أنه في منطقة سكني مدارس ممتازة قريبة و نواد رياضية و معاهد و حدائق ومولات و كل ما قد يسعد أطفالي و يعوضهم حياة الوحدة ، فحتى اللحظة تخيلوا لا أصدقاء عندهم و لا يعرفون حتى كيف يتحدثون مع الآخرين و دائماً ما يخبروني لماذا ليس لدينا أصدقاء ، لماذا لا نذهب إلى الحديقة كما كنا نفعل في بيت جدنا ؟.

و هكذا عزيزي القارئ أحطت بجميع حيثيات مشكلتي ، فما رأيكم ؟ هل أختار البقاء مع زوجي للحفاظ على وحدة أسرتنا و أتمم تعليم صغاري في المنزل حتى يأتيني فرج الله ، أم أن مستقبل أبنائي هو الأهم و لا يجب أن ألتفت لأي شيء آخر مع ؟ العلم أنني يستحيل أن أسكن مع أهلي ، فهم أسرة كبيرة و لم يعد لديهم صبر على الصغار و هذا ما أكدته لي زيارتي الأخيرة لعلاج أبني حيث بقيت هناك عدة أشهر ، أنا أميل إلى خيار السفر واستئجار منزل و الذي يبدو أنه خاطئ لأن الجميع غير راض عنه لا زوجي ولا أهلي ولا حتى أبنائي نفسهم ، بدأت أشعر أنني وحيدة و أقف في وجه تيار قد يجرفني.

أعتذر منكم اذا كان الموضوع طويلاً أو بدت لكم المشكلة تافهة ، ولكن يا أصدقاء أكاد أُجن بسببها.
 
تحياتي.

تاريخ النشر : 2021-04-07

مقالات ذات صلة

102 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى