أدب الرعب والعام

وانتهى الكلام

استعدت صفية للسفر مع زوجها في بداية تسعينيات القرن الماضي معلنة فراقها مع الجيران والأحباب وكل من عز عليها وداعه وفراقه . ومع أولى خطواتها في الصعود إلى الطائرة شرع طفلها الرضيع الذي تحمله بين يديها بالبكاء ٬ وكأن هذا الطفل على دراية بما سيحدث له ويأبى فراق بلده الغالي . انطلقت الطائرة مع دمعة مريرة سرت من عين صفية وهي تلقي نظرة أخيرة على سماء بلدها من خلال النافذة ٬ شعرت بيد دافئة تربّت على كتفها فأدارت وجهها نحوه واستقر ناظرها على ابتسامته الشافية التي خففت من أنيار وجع الفراق المتوهجة في صدرها . على الأقل زوجي معي ٬ هذا ما دار في خلدها .

ساعات فقط وحطت الطائرة على أرض البلد الشقيق ٬ نزلت صفية وخلفها عبدالله الذي لاحت عيناه في الأفاق المظلمة . كان يخطط لفتح مصلحة يسترزق من خلالها لإعالة زوجته وابنه الذي لا يزال في المهد صبيا .

استأجروا شقة صغيرة واستقروا فيها ، ولأنها المرة الأولى التي تخوض فيها صفية تجربة السفر فقد تجرعت مرارة الغربة لأول مرة . لكنها لم تدرك أن للقدر فواجع أشد من الغربة وتفوقها مرارة . فبعد مرور ثلاثة أشهر فقط على سفرهما توفي زوجها بحادث مروري وهو في طريق العودة من عمله . تمنت لو أنها أصيبت بالصمم ساعتها فوقع الخبر كان شديدًا عليها ، كيف لا وقد خسرت من كان رجلها و سندها بعد أن فقدت أسرتها . طفلها الذي لم يتجاوز عامه الأول غدا يتيم الأب ، أما هي فقد غدت أرملة وعليها الأن أن تعمل لتعيل ابنها الوحيد . فقررت لملمة جراحها و الخروج من هذه العتمة التي تحيط بها ، ووجدت لنفسها عملاً لتجني قوت يومها ومن هنا تبدأ القصة .

خلال فترة عملها تعرفت على شاب ٬ هذا الشاب يدعى مأمون ويعمل سائق أجرة . وكانت بداية المعرفة بينهما حين أوصلها أول مرة إلى العمل . أُعجب مأمون بها وقرر خطبتها ٬ فبدأ يتعمد الوقوف شبه يومي أمام مكان عملها ويحاول أن يجعل لقاءه بها يبدو صدفة .

إقرأ أيضا : كتاب بلا كلمات

صعدت صفية معه وبدأت تطمئن له شيئًا فشيئًا ٬ فهو لم يبد أية حركة منافية للأخلاق معها و كان يوصلها بصمت في بادئ الأمر . لكنه بعد فترة بدأ يفتتح الحوارات والأحاديث العامة أثناء مشاويره معها ٬ فعرف خلال كلامه معها أنها أرملة ولديها طفل تربيه . ثم جاء اليوم الذي صارحها فيه بحقيقة مشاعره بعد طول انتظار ، أخبرها أنه ينوي طلب يدها بالحلال . ولعل الذي حدث بعد ذلك كان مفاجأة بالنسبة لمأمون إذ أنه اكتشف أن صفية تبادله المشاعر نفسها منذ فترة ، بالذات بعد أن وجدت فيه الرجل المناسب الذي سيسترها في الغربة . ضحك مأمون ملء شدقيه لكن تعابير وجهه تغيرت تدريجيًا بعد أن تذكر شيئًا ما ٬ فأخبرها بصراحة :

_ اسمعي يا صفية ٬ هناك أمرٌ واحد قد يعيق زواجنا .

_ تساءلت صفية بعجب : وما هو هذا الأمر يا مأمون ؟.

_ أنتِ أرملة وبحسب العادة لدينا أهلي لا يسمحون لي بالزواج من المطلقات أو الأرامل . لكنني عازم على قراري وأريد أن تكوني شريكتي في الدنيا و الأخرة .

_ وماذا ستفعل بشأن أهلك؟ .

_ عندي حل لهذه المشكلة لكن أحتاج موافقتك حتى نتم هذا الزواج .

_ ماهو؟ .

_ تخلصي من ابنك الرضيع ٬ سوف يفضحنا أمام أهلي لو أحضرتك معي وسيعرفون أنه سبق لك الزواج من قبل وسيطالبوننا بالطلاق . هكذا هي العادة لدينا للأسف . وأنا أعدك أنك ستعيشين معززة مكرمة وسأوفر لك كل شيء لكن عليك أن تتخلي عن ابنك واتركيه لأهلك .

_ ماذا تقول ؟، وعن أي أهل تتحدث؟ .

_ هذا هو شرطي إن أردتِ الزواج بي ولن أتراجع عنه . وأنا مستعد لتنفيذ جميع شروطك٬ سأمهلك الوقت لتفكري وإن رفضتي عندها سنضطر للإنفصال .

التزمت صفية الصمت ونزلت من سيارته نحو شقتها . جلست مع نفسها ومع ابنها النائم أمامها وتساءلت في صمت طويل :

_ أنا الآن بين نارين ، إبني وحبي الثاني ٬ وفوق كل هذا ظروفي لا تساعدني في توفير كل ما يحتاج إليه فلذة كبدي ٬ ومأمون بالنسبة لي فرصة لا تقدر بثمن . رجل محترم وأخلاقه عالية . لكن كيف أقنعه بالزواج مني مع وجود ابني معي؟ . وإن كنت سأتخلى عنه فأين سأذهب به؟، من الذي سيربيه من بعدي؟ .

استمرت صفية على هذا الحال تفكر لأيام ٬ ومن جهة أخرى يغريها مأمون بالوعود والهدايا والحياة التي تحلم بها أي امرأة . فبدأت شيئًا فشيئًا تألف فكرة الابتعاد عن طفلها واطمئن قلبها نحو سيدة تدعى سلمى . وهي سيدة فاضلة تعرفت عليها في أولى أيام إقامتها في الغربة ، تقيم معها في الحي نفسه وتعمل كمديرة لأحد دور تحفيظ القرأن الكريم . وقد ورثت من والدها قطعة أرض زراعية وقبل وفاته سجل لها البيت باسمها فتزوجت من ابن عمها محمود وانتقل بدوره للعيش معها . أحبتها صفية وارتاحت لها وكانت تدعوها لزيارتها في ظل غياب زوجها عنها . وبعد وفاته ورحيله عن هذا العالم كانت سلمى لها كالبلسم الشافي ، وبفضل الله ثم تلك السيدة استعادت صفية رباطة جأشها .

إقرأ أيضا : انقضى العمر .. وانتهى الانتظار

السبب الذي جعلها تختار سلمى دون الجميع هو حين أخبرتها ذات مرة أنها لم ترزق بمولود رغم مضي تسع سنوات على زواجها من محمود . فوجدتها المرأة المناسبة لتربية طفلها والتي ستهيأ له كل ما يلزمه . لذلك حددت صفية يوما وزارتها في منزلها ٬ طرقت الباب بتردد وهي تحمل بين يديها ابنها حسين الذي بلغ عمره تسعة أشهر فقط . فتحت لها سلمى وبعد التحية والسلام تشجعت صفية وصارحتها برغبتها العجيبة في التخلي عن فلذة كبدها .

_ تعجبت سلمى ورفعت صوتها : هل أنتِ جادة ؟، كيف تتخلين عنه وغيرك يحلم أن يكون له طفلٌ يربيه ؟ .

_ يا سلمى أنتِ تعرفين ظروفي وليس بمقدروي توفير احتياجات ابني . وهناك رجل تقدم لخطبتي لكنه اشترط علي أن أتخلى عن ابني ٬ وقد لجأت إليك لأنني لا أعرف أحد غيرك أثق فيه ولا أريد منك شيئًا سوى أن تكفلي ابني وتحتويه .

جلست صفية تقدم لها الأعذار والمبررات فدخلت سلمى في تفكير عميق . خشيت لو رفضت طلبها أن تذهب به وتسلمه إلى منزوعي الرحمة أصحاب الضمائر الميتة فيسيئون معاملته . أو أن تلقيه في أحد الطرق فيموت جوعًا وعطشا . فاضطرت للموافقة بعد أن شاهدت عزمها الشديد على التخلص منه وقالت :

_ ليس لدي اعتراض وسأكفله ، لكن أولاً أريد منك شهادة الميلاد وإن كان لديك صورة تجمعك مع ابنك أعطيني إياها من فضلك .

ناولتها صفية شهادة الميلاد والصورة التي كان حسين محاطا فيها بين أحضان أمه وأبيه المرحوم .

صفية : هل من طلبات أخرى فألبيك ؟

أجابت سلمى بعد أن ألقت نظرة على الصورة :

_ لا ٬ لكن أعدك أنني سأحسن تربيته وسأمنحه الحنان الذي يحتاجه . ولو عدتِ بعد ذلك وطلبتي أخذه فهذا من حقك ولن أمنعك منه كوني مطمئنة البال .

صفية وهي تسلمها الطفل : شكرا لك ولن أنسى معروفك هذا .

غادرت صفية المنزل وبعد فترة قصيرة تم الزواج وسافرت معه إلى بلده وإلى هنا تنتهي قصة صفية .

نعود إلى سلمى .

جميع من حولها من أقاربها وأصحابها على دراية بأنها لا تنجب وأن هذا الطفل يستحيل أن يكون ابنها . فجمعتهم في منزلها وأقسمت أمام الجميع أنه لو أقدم أحد منهم على مضايقة حسين بكلمة أو أزعجه وأخبره بحقيقة أمره فإنها لن ترحمه وسيكون له حساب عسير معها . أخبرتهم أنها كفلته لوجه الله وهذا من باب البر والإحسان ، كانت حريصة على أن ينشأ هذا الطفل نشأة سليمة وأن تؤسسه على الدين و القيم وتبعد عنه كل ما يسوؤه أو يعكر مزاجه . وحتى تجعله بعد بلوغه محرمًا لها طلبت من أختها الصغرى أن ترضعه .

إقرأ أيضا : “تعالالي” يا أبي ..

ومع كل سنة تمضي تبرز شخصية حسين أكثر ٬ اكتسب طباع سلمى وورث عنها طيبة القلب والكرم وسرعة البديهة . وقد جعل الله له قبولاً في الأرض بحيث أن كل من يراه يبتسم تلقائيًا وينشرح صدره . سلمى لم تكن تفارقه لحظة وكانت تأخذه إلى المدرسة بنفسها وتنتظره حتى يخرج وتعود به الى البيت . وفي نهاية كل أسبوع يأخذه محمود معه في رحلة ويريه الأرض الزراعية . كان يرى فيه أنه العوض كونه لم يرزق بطفل حتى الأن . كبر حسين وتخرج من الثانوية وها هو الأن يستعد لبداية حياته الجامعية ، وكانت سلمى حريصة على أن يرتاد أحسن الجامعات و أن ترسم أمامه مستقبلاً زاهي الألوان لتجعل منه رجلاً مهمًا تفخر به .
وفي فترة الإجازة انتظرت سلمى أن ينهي حسين عشاءه لتخبره بأمر بالغ الأهمية .

دخل حسين الذي كان يظن أن أسمه عمر وجلس مع والدته متشوقًا لما لديها من أخبار ، قال وهو يبتسم ابتسامة زادت من جاذبيته : ها أنا ذا يا أمي لقد أنهيت عشائي كما طلبتي ٬ ما هو الأمر الذي تريدين أن تطلعيني عليه ؟

أظهرت سلمى شهادة الميلاد ووضعتها أمام ناظر عمر ٬ استغرب واشار بسبابته :

_ ما هذا ؟

_ إقرأ الاسم المدون على الورقة يا بني .

عمر وهو يقرأ :

_ حسين عبدالله علي مرزوق .

_ نعم يا بني هذا اسمك .

لم يفهم عمر وقال :

_ ماذا تعنين ؟ أنا عمر فمن هو حسين ؟

_ لا أسمك الحقيقي هو حسين وأنت سعودي الجنسية .

عمر وهو لم يفهم المغزى بعد :

_ إذا أنتِ سعودية؟ .

_ لا يا عزيزي افهمني ٬ أمك الحقيقية تركتك عندي حين كنت لا تزال طفلاً . والسبب هو أنه بعد فترة من وفاة والدك بحادث مروري تقدم شخص لخطبة أمك لكنه رفض أن يأخذك معهم فتوليت رعايتك بناءًا على طلبها . فأصبحت أنا أمك وزوجي أصبح والدك واسمك الحقيقي هو حسين وليس عمر وأنت سعودي أصيل من أب وأم سعوديين .

حسين وقد اشتد صوته :

_ أمي ماذا تقولين ؟ .

_ لا تقاطعني يا بني ودعني أكمل كلامي . أنا لم أشأ أن أخبرك من قبل والغاية هي أن أحميك ، والسبب الذي جعلني أكشف لك الحقيقة الأن هو أنني أخشى عليك من بعد موتي أن يعايرك أحد أو يظن أنك لقيط فيؤذيك بكلامه . ولم أشأ أن تعرف هذه الحقيقة من غيري بل أردت أن تسمعها مني لتكون على بينة وأن تعرف أنك ابن حلال . وبسبب الظروف التي حصلت مع والدتك أصبحت أنا المسؤولة عنك يا بني .

لا زال حسين في حالة صدمة ويأبى عقله تصديق ما سمع ٬ أخرجت سلمى صورة قديمة وأشارت إليها قائلة :

_ انظر ٬ هذه صورتك حين كنت طفلاً وهذه أمك وتدعى صفية وهذا والدك الحقيقي قبل وفاته ٬ وبناءًا على طلبي سلمتني هذه الصورة وورقة الميلاد حين أعطتني إياك .

إنهار حسين ودخل في بكاء طويل ، لأول مرة يبكي أمامها بهذا الشكل . ولم تستطع هي كبت عبراتها فإذا بالدموع تفر من عينيها وتشاركه البكاء :

_ أبعد كل هذه السنين تأتين وتقولين لي من أنا؟ .

_ أعرف ما تفكر فيه الأن يا بني من دون أن تفصح عن ما بداخلك أو تعبر . لكن عليك أن تعرف أنني لم أقصد أن أخفي عنك الحقيقة أبدًا ، كما قلت أردت حمايتك و أتمنى أن تعذرني . وحتى أضمن أنك لن تحتاج لأحد من بعدي سجلت لك هذا البيت باسمك وكذلك قطعة الأرض وهذه هي الوثيقة أمامك ٬ لقد اتفقنا أنا ووالدك على كل شيء .

إشتد بكاء حسين وأبعد الوثيقة عن وجهه قائلاً :

_ لكنني أريدكما أنتِ وأبي .

_ إهدأ يا بني ٬ إن كنت تظن أنه باعترافي هذا سأتخلى عنك فهذا مستحيل لأنك أصبحت جزءًا لا يتجزأ مني . وسأبقى معك إلى أخر نفس ٬ أتمنى أن تقبل هذا البيت وإياك أن تظن أنني ووالدك بحاجته .

أدرك حسين بعد هذا الحديث لماذا لم يكن يشبههما ، مسح دموعه وأمسك بيدها ليقبلها قائلًا :

_ أطال الله في عمرك وأدام لك صحتك وعافيتك يا أماه .

الأن حسين أصبح يعرف كل شيء ، يعرف أن سلمى ومحمود ليسا والديه الحقيقين وأنهما كفلاه لوجه الله . لكنه تابع حياته متجاهلًا الأمر لأن لديه امرأة نالت شرف الأمومة بجدارة . يرى نفسه محظوظًا بها ولهذا السبب تجاوز الأمر بسهولة ، وأصبح كل همه هو أن يبلغ رضاها ويسعدها في دنياها . فأصبح يدرس بجد واجتهاد إلى أن تخرج من كلية الحقوق وبدأ سيرته المهنية في المحاماة ، ونظرًا لكونه لم يخسر أية قضية حتى الأن فقد أصبح من أشهر المحامين في منطقته .

إقرأ أيضا : أحقاد أسرة – الجزء الأول

وقد جعل الله قوته في ذكاءه فلم يكن يقبل إلا القضايا الشائكة الصعبة ولم تكن تفوته أية شائبة . وجعل قوته في لسانه فكان حين يترافع في المحكمة يندهش القاضي والمحامين من قوة فصاحته ، والقتلة المتجبرين يرتجفون داخل القفص . وكان ضميره المهني يمنعه من الدفاع عن الطغاة الآثمين فيعلن تنحيه تمامًا عن القضية ، فذاع صيته أكثر واهتم الناس بأمره وعرفوا حكايته . عرفوا أنه ليس الإبن الحقيقي لعائلته وأنه سعودي الجنسية ، لكن هذا لم يغير من مشاعرهم نحوه بل إن عدد المتابعين على صفحته يتضاعف ومئات الإتصالات تأتيه في مكتبه .

ومع الوقت تقاعد والداه عن العمل نظرًا لتقدمهما في السن فأصبح هو المسؤول الوحيد عن البيت وعن الأرض وكل شيء . كان يتمتع بالخير الكثير فتمكن من شراء بيت كبير وعاش في نعيم هو ووالديه إلى أن مات محمود رحمة الله عليه بمرض الفشل الكلوي فلم يبق غيره هو وسلمى .

وذات يوم تم توكيل حسين في قضية تعتبر من أشهر القضايا في الوطن العربي نظرًا لبشاعتها وقد تولاها لوجه الله ومن دون أتعاب . القضية كانت حديث جميع الناس من مختلف الجنسيات ساعتها ، وقد سمع بالقضية رجل سعودي ، فاجتمع مع رفاقه في أحد الأيام وكان من بينهم بالصدفة مأمون زوج والدة حسين الحقيقية ، فأخذتهم الأحاديث حتى وصل الرجل إلى القضية التي هزت العالم بأسره لفظاعتها .

_ هل تعرفون قضية الرجل الذي قتل زوجته بوحشية؟ . لقد أعلنت إحدى الصحف أن الذي تولاها هو محامي سعودي يعيش مع عائلة سورية ويدعى حسين عبد الله .

رفع مأمون رأسه مصدومًا :

_ حسين ماذا !!!! .

الرجل : غريب أنك لا تعرفه ، هذا المحامي يدعى حسين عبدالله مرزوق ويعتبر هذا الرجل من أشهر المحامين و الكل يتحدث عنه . اسمه وحده يجعل أعداء الحق يرتعبون .

_ وهل لديك فكرة عن عمره؟ .

_ لا أدري لكن ظهر مرة في لقاء تلفزيوني وكان يبدو في أواخر العشرينات ، وقد من الله عليه وأعطاه الخير الكثير من الأراضي والبيوت . وحسب الذي سمعته من الناس أن قصته كذا وكذا و…….

انصدم مأمون وهو يستمع لما يقول فترك رفاقه وطفق عائدًا إلى بيته ، دخل ووجد أطفاله الصغار يلعبون وبناته في المطبخ يعملون ، ووجد زوجته تجلس وقد ملأ الشيب شعرها ، اختلى بها وفاتحها بموضوع في غاية الأهمية .

إقرأ أيضا : داخل إنعاسها

_ صفية ، هل تذكرين حسين الذي تركناه قبل ثمانية وعشرين عامًا ، هناك محامي مشهور يحمل نفس الإسم وعمره يقارب عمر ابنك .

إلتفتت عليه وقالت : ولماذا تذكرني به الأن يا مأمون؟؟

_ لا تقاطعيني ، هذا الرجل الذي أتحدث عنه هو ابنك الحقيقي واسمه حسين عبدالله علي مرزوق وهو أشهر محامي في سوريا وقد ظهر مرة في لقاء تلفزيوني .

شخصت عيني صفية وصرخت :

_ مأمون ماذا تقول؟ .

_ لقد عرفت ذلك من خلال رفيق لي ، فمن بين أحاديثنا تكلم عن القضية وتكلم عن المحامي الذي تولاها وأخبرني عن أسمه كاملًا ، وعرفت منه أن لديه بيت وأراضي زراعية كلها مسجلة باسمه .

_ وهل أنت متأكد أن هذا الشاب هو ابني؟ .

_ نعم فهو يعيش مع أسرة سورية رغم أنه سعودي .

أجهشت بالبكاء وقالت :

_ سبحان الذي أعطاه وعوضه .

بكت بكاء الندم وهي تتذكر حين تركته وهو لم يكمل عامه الأول . لكن سفرها و زواجها من مأمون و إنجابها لسبعة أبناء جعلها تنسى ابنها البكر وتنسى شكله حتى، واليوم يأتي مأمون ويذكرها فيه .

فتحت هاتفها المحمول ودخلت تبحث عن لقاء ابنها في التلفاز . وحين شاهدته أول مرة و دققت النظر فيه عرفت أنه ابنها من الندبة التي لم يمحوها الزمن من على جبينه . مكثت تبحث عن رقمه لأشهر حتى حصلت عليه من خلال بث مباشر كان يجريه مع متابعيه بشأن القضية . سجلت رقمه عندها ثم تشجعت ووضعت الهاتف في أذنها وهو يرن حتى سمعت صوته :

_ أهلا من معي؟ .

_ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

_ وعليكم السلام ورحمة الله أهلاً .

_ هل أنت المحامي السعودي حسين عبدالله علي مرزوق؟ .

_ أجل أنا تفضلي .

_ هل أمك تدعى سلمى ووالدك محمود وهما من القبيلة الفلانية .

إستغرب حسين وقال :

_ نعم من أين لك هذه المعلومات؟ .

قالت وهي تبكي :

_ أنا أمك يا حسين .

تحول وجه حسين إلى ورقة بيضاء من الصدمة وكاد أن يغلق الخط لولا رجاء صفية له بأن يسمعها . فخاطبها بحدة :

_ أبعد كل هذه السنين تجرؤين على الإتصال بي وتخبرينني أنك أمي!! . بأي حق تتصلين بي؟ .

أرادت صفية أن تقول شيئًا لكن حسين قاطعها :

_ تخليتي عني من أجل شخص أراد الزواج بك وفضلتي أن تعيشي معه على أن تربي ضناك؟! .

_ لكن هذا الكلام غير صحيح .

_ ماذا تعنين ؟

أنا لم أرميك أبدًا بل سلمى هي من أخذتك رغمًا عني ، وحيلتها كانت أن ورطتني في أحد القضايا وقامت بترحيلي إلى خارج البلاد .

حسين يصرخ :

_ ما الذي تقولينه؟ .

_ نعم يا بني سلمى حرمتك مني وأقسم لك على ذلك . فعلت فعلتها معي لأنها لم تكن تنجب ، فمرت السنين وأنا أبكيك يا ولدي حتى من الله علي وأكرمني برؤيتك و سماع صوتك .

بلحظة واحدة صدقها حسين وامتلأ قلبه حقدًا وسوادًا تجاه أمه سلمى . عقله أساسا لم يكن ليستوعب أن أمه الحقيقية يمكن أن تتخلى عنه إلا لسبب قوي كهذا فحتمًا سيصدقها . طلب منها رقمها ليبقى على تواصل معها وأقسم أنه لن يدع الأمر يمر مرور الكرام وسيتخذ ضدها الإجراءات اللازمة بتهمة الخطف ، ترك مكتبه وعاد إلى بيته ليواجهها بالحقيقة ، فهل ينوي طردها من البيت الذي أصبح الآن باسمه!؟ .

إقرأ أيضا : ستلتقي الأرواح يوماً

إشرأبّت سلمى بدخوله المفاجئ وضج البيت بصراخه عليها :

_ أي نوع من الناس أنتِ ، إختطفتيني من أمي وقمتِ بترحيلها خارج البلاد ، هل هذا كله لأنك لست قادرة على الإنجاب؟! .

_ من أين لك هذا الكلام ؟ .

_ والدتي الحقيقية اتصلت بي في مكتبي وأخبرتني عن كل شيء ، كيف طاوعك قلبك على أن تباعدي بيننا كيف؟ .

وأمام هذه القسوة والرعونة والكلام المسموم جثت على ركبتيها وبكت قائلة :

_ عجيب أمر هذه الدنيا ، كنت أبديك على نفسي في كل شيء وكنت على استعداد لأن أشقى من أجلك . لقد أحببتك أكثر من نفسي و أورثتك كل ما عندي من خير ثم تأتي وتتهمني أنني خطفتك من أمك ؟ .

_ وهل كنتِ تعتقدين أنني سأصدقك وأكذّب أمي الحقيقية وهي تقسم لي؟ .

_ لن ألومك لأن وضعك صعب و تمر بأزمة نفسية ، ولكن هناك شخص واحد سيفصل في الأمر وهو زوج والدتك . صحيح أنه لم يكن يخاف الله يا حسين وأخطأ خطأ فادحا حين اشترط على والدتك أن تتخلى عنك ليتزوجها . لكنه الوحيد الذي سيخبرك بالحقيقة إن كان لا يزال لديه ضمير ، بإمكانك أن تسافر إليه وتسأله بنفسك .

اقتنع حسين بكلامها ورد بصوتٍ جاف :

_ أنت على حق ، سأحزم أمتعتي إليهم وأسافر في أقرب وقت ، لكنني لا أريد أن أسمع صوتك حتى أتبين الصادق من الكاذب هل تفهمين؟ .

اشتد صوته عند أخر كلمة نطقها و أدار ظهره ليغادر تاركًا سلمى جريحة وفي داخلها خوف رهيب من أن يكذب مأمون فيقلبه عليها أكثر وتفارقه إلى الأبد . لقد كان مأمون أملها الوحيد الذي سيعيد ابنها إليها .

سافر حسين إلى السعودية لأول مرة وحصل على العنوان وجميع البيانات المتعلقة بوالدته . طرق الباب فوجد والدته أمامه ، ارتمت في حضنه وبكت ، ومن غير المعلوم ان كانت دموعها حقيقية أم أنها تتظاهر بالبكاء كمحاولة لاستعطاف ابنها حتى تستفيد من الخير الذي عنده . إبتعدا عن بعضهما قليلًا وقال والهالات السوداء تظهر جلية أسفل عينيه اللوزتين من الأرق والتعب :

_ أمي سأكون واضحًا معك ، أنا محتار بينك وبين أمي سلمى ولا أعرف من أصدق لكن هناك من سيفصل بينكما ، هل لي أن أقابل زوجك مأمون ؟ .

ارتبكت صفية ونظرت إلى زوجها الذي أتى و كانت تحاول أن تقول له شيئًا بعينيها :

_ هل أنت مأمون؟ .

_ أجل أنا يا بني تفضل .

_ أريد أن أتحدث معك بموضوع أنا وأنت فقط .

أومئ مأمون برأسه وخرج معه مبتعدًا عن البيت مسافة لا بأس بها ، سأله حسين باهتمام :

_ عندي سؤال وأريدك أن تجيب عليه بكل صراحة ، هل فعلًا حين تزوجت من أمي اشترطت عليها أن تتخلص مني ؟ .

مأمون : بصراحة نعم ، وهذا لظروف عائلية خارجة عن إرادتي ، لم يكن أهلي يقبلون أن أتزوج من مطلقة أو أرملة .

_ هل تعني أن ماما سلمى لم تختطفني من والدتي كما سمعت ولم ترحلها إلى الخارج ؟ .

_ هذا الكلام لا أساس له من الصحة ، لقد أخبرتني والدتك أنها تركتك عند جارة لها تدعى سلمى إن لم تخني الذاكرة . وهي سيدة فاضلة وعندها خير ، وبشأن سفر والدتك أنا من أخذتها وأتت معي بملء إرادتها .

_ انتهى الكلام .

هذا ما قاله حسين وهو يرفع يده ، فحمل حقائبه بعد أن عرف المهم وغادر المملكة عائدًا إلى منزله . دخل فوجد سلمى تمسك المصحف وتقرأ وتبكي . فانطرح يقبل يديها وقدميها وأخبرها أنه كان لابد أن يسافر ليعرف الحقيقة ، وأن مأمون كان صادقًا معه ، ووعدها أنه سيعيد إليها جميع الأملاك فهي لم تكن تهمه يومًا . بل كان يرى أن الإفلاس الحقيقي هو أن يخسر سلمى الأم التي ربت وتعبت وكافحت من أجله . وبالفعل أعاد الأملاك إليها وقضى عمره في برها إلى أن توفاها الله وهي راضية عنه ، أما هو فقد تزوج في سن متأخر ورزق بولدين اثنين .

وهذه هي قصة حسين عبدالله أشهر محامي في البلد .

ملحوظة مهمة جدًا : أفكاري آخذها من قصص حدثت في الواقع .

مقالات ذات صلة

اشتراك
اشعار
guest
ضع بريدك اذا اردت استلام اشعار بالنشر

12 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
12
0
التعليق مفتوح للجميع .. رجاءا اسمعنا رأيكx
()
x

أنت تستخدم إضافة Adblock

مرحباً .. يبدوا أنّك تستخدم مانع إعلانات ، نرجوا من حضرتك إيقاف تفعيله و إعادة تحديث الصفحة لمتابعة تصفّح الموقع ، لأن الإعلانات هي المدخل المادي الوحيد الضئيل لنا ، وهو ما يساعد على استمرارنا . شكراً لتفهمك