أدب الرعب والعام

يوميات مؤثرة إجتماعية

الساعة العاشرة صباحا، يرن جرس المنبه عاليا للمرة الثالثة ، فتمتد يد شاحبة من على السرير لتلتقطه وتلقي به أرضاً في انزعاجٍ شديد . فيتدحرج في هدوء لينضم إلى كتلة من المنبهات الأخرى المعطوبة . لتكمل سارة مسيرتها في النوم متأففة ، تتقلب يمنة ويسرة، فشخير زوجها لا يكف عن إيقاظها كل دقيقة .
_ ياسر .. ياسر ! يا إلهي لقد تأخر الوقت ! استيقظ أيها الكسول لقد طفح الكيل معك، أهذا شخير آدمي أم شخير خنزير ؟! .
يتقلب ياسر على جنبه منتزعا الغطاء إليه متمتما :
_ ماذا؟.. أكل الخنزير حرام عندنا شكرا، هات وجبة أخرى . .
_ يالك من مغفل .
قالت سارة و قد ضربته على رأسه بقبضتها فاستيقظ مذعورا .
_ ماذا هناك يا سارة ! دعيني أنام .
_ كلا، يجب أن تستيقظ حالا ، وتغتسل فرائحتك النتنة تكاد تخترق زجاج الكاميرا لتصل إلى المشاهدين فتقتلهم اختناقا .
يتثاءب ياسر ساخرا ليقول :
_ هه نعم، كل همك المشاهدون، لو سمع المشاهدون أسلوبك الرديء هذا معي وراء الستارة لقتلتهم أنت من الصدمة .
_ تحرك وكفاك ثرثرة، بدأنا يوما آخر بالشجار ستجعل وجهي يبدو كوجه جدتي بسبب كسلك الذي يثير الأعصاب . ألم يكفك أني أعفيتك من العمل بفضل هذه المهنة . إذن اصمت واتبعني فحسب، وعاملني كالأميرات وسترى ماذا ستدر علينا مهنتنا هذه من النقود.. يا زوجي العزيز .
وفركت أصبعيها في إشارة للمال .
_ يا ويلي أنظر لقد تأخر الوقت إنها الساعة العاشرة .
_ هذا لأن أحدهم تماطل وأجل موعد إيقاظ المنبه، بل وقد وصل الحد بك إلى أن كسرته، ما هذه العصبية يا سارة ؟ .
_ لا تنظر إلي هكذا، لقد كنت متعبة يوم أمس من تصوير ذلك المقطع .
_ مقطع أنا وزوجي في مدينة الملاهي؟ .
_ أجل ، ما رأيك فيه؟ .
_ أيا يكن، لقد كذبتِ بشأن أني استمتعت ، أنت تعرفين أني أصاب بالدوار من المرتفعات ، ثم سيارة رونج روفر تلك التي وجدتك تلتقطين الصور أمامها . من أعطاك الحق في ..؟ .
قاطعته سارة لتقول :
_ لا تكبر الموضوع يا ياسر، لم يراني صاحب السيارة لقد كان مشغولا في تجربة أحد الألعاب هناك .

إقرأ أيضا :يوميات زوج سعيد

ثم ضحكت ضحكة مكتومة غير أن ياسر لم يبادلها الضحك هذه المرة ، بل انزعج من ذلك التصرف بشدة . لقد كان ذلك نوعا من الإحراج له .. لم يعجبه أن تلتقط الصور مع تلك السيارة الفاخرة وتوهم الناس أنها ملكهما .. هذه سخافة . ما العيب في سيارتهما ؟ نعم هي ليست باهضة الثمن ولكنها لا تزال تبدو جيدة كما اشتراها لأول مرة .
قطع حبل أفكاره سارة وهي ترتدي معطفها وتستعد للخروج . سألها إلى أين فردت عليه انها ذاهبة لتجلب الفطور . بينما ذهب هو إلى الحمام ساخرا منها في سره : حتى الفطور يصعب عليك تحضيره وتنعتينني بالكسول .

في المطبخ تجهز سارة الفطور على الأطباق من ما لذ وطاب من أصناف الحلويات والفواكه الجافة . لتتجه به مسرعة إلى الحديقة وتضعه على المائدة بحذر شديد . ثم تعود الى المطبخ ومعها عصير الليمون وبعض اللمسات الاخيرة الغير معتادة . ربما تعد هذا لتصوير مقطع اليوم .
تعود أدراجها بخطوات خاطفة إلى الغرفة بسروالها الفضفاض وشعرها الأشعث باحثة عن الهاتف، إلى أن تجده اخيرا تحت الوسادة، فتأخذه بلهفة وتتفحص اليوتيوب، لتبتسم بفخر بعد أن وقعت عيناها على تعليقات متابعيها من المعجبين على آخر مقطع نشرته .. تعليقات مثل :
_ “سيارتكما فاخرة جدا أنتما غنيان” . أو مثل :
_ “زوجك لطيف ومرح جدا ليت زوجي البخيل يشبهه” .
_ “من الواضح أنكما تحبان بعضكما كثيرا بارك الله لكما متى نفرح بخبر المولود ؟” .
_ “شعرك لامع وجميل أطلعينا على الوصفة” .
_ “أتحداك أن تصوري لنا غرفة النوم وأنت ترقصين مع زوجك” .
ترفع سارة حاجبها بتحدٍ فيما يلفت تعليق آخر انتباهها :
_ “أحبك يا سارة جدا استمري بنشر المزيد أنتظر ڤيديوهاتك بفارغ الصبر” . وأحيانا حين يرغب غبي أن يتحاذق قليلا :
_ “أرجوكم زوروا قناتي واشتركوا ، ساعدوني من فضلكم أمي مريضة بجنون البقر !” . (جنون البقر !، متسول أبله ) قالت في سرها وهي تتمالك الضحك .

كانت معظم التعليقات المشجعة تلك كفيلة بأن تجعل قلبها يتراقص فرحاً، وعقلها يتراقص حماسا لعرض المزيد ..
_ صباح الخير ، هل عدتِ؟ .
قال ياسر الذي لم يتلق ردا من سارة بل ظلت صامتة تقرأ تعليقات المشاهدين وهي تضحك بحماس ، فيما يراقبها ياسر بنظرات ساهمة ، ليقاطع سهوه فجأة كلام سارة :
_ اليوم ، سنقوم بعرض مقطع جديد يا زوجي العزيز .
_ ها ؟ مقطع آخر ؟.
_ أجل، ليتك رأيت كمية المشاهدات التي جلبها لنا المقطع السابق ، إنها ثروة ! .
يحضر ياسر القهوة بينما ينظر إليها تتحدث متحمسة بطرف عينه، غير آبه ، نظرةٌ تقول لها أنت تبالغين كالعادة يا سارة .
فتكمل بثقة :
_ قريبا سنصل إلى مائة متابع ثم ألف .. فمليون تخيل ! سنصير أغنياء ! .

إقرأ أيضا :ميس إيجيبت ” لعنة الجمال”

يبادلها ياسر ابتسامة صفراء تخفي قلقا في عينيه .
فعقليته العنيدة لن تقتنع قط أنه بإمكانه جني الأموال لمجرد الجلوس في البيت دون حراك . بل يرى أن العمل الحقيقي هو الذي يستطيع من خلاله إفادة الناس من جهد وتعب ، هكذا يكون النبلاء . وأن من سلك دربا غير ذاك فلن يحظى بحياة سعيدة . حتى وإن جنى بعض الجنيهات المغرية ، سيبقى أسيرا لعالم الميديا . وقلما يتذكر عائلته . كان هذا هو الهاجس الذي لطالما تملك قلب ياسر منذ أن بدأت سارة بإنشاء قناتها إلى حد الساعة . ويبدو أن ما كان يخشاه قد حصل بالفعل، فقد لاحظ ابتعاد سارة عنه كلما نشرت مقطعا جديدا .
يعيشون لحظات الرومانسية في المقاطع التي تنشرها كأي زوجين مثاليين . وحين تنتهي تعود لتجاهلها اللئيم ذاك . تبا للؤمك .
_ إذن، ماذا قلت؟ . هل ستصور المقطع معي يا زوجي العزيز .. يجيب ياسر ضاحكا :
_ ها؟ .. لأجل “زوجي العزيز” سأصور معك .
مغفل ، اقتنع بسهولة بعد أن نادته هكذا ، أنها تعلم جيدا متى تختار كلماتها ، لعبت على وتره الحساس لتجعله يوافق لها على الفور بعد أن كان معارضا كليا ..
_ حسنا إليكِ ذلك ، ولكن أولا تعالي لنتناول الافطار سيبرد . أووه ذكرتني ، الإفطار ، يجب أن أصور هذه اللحظة كذلك . لقد جهزت كل شيء المقاعد والديكور ، والورود في الحديقة . سيكون مشهداً جميلاً ونحن نفطر معا أمام المشاهدين .
_ مهلاً مهلاً ، هل قلتِ مشاهدين ؟. لقد ضقت ذرعا بهؤلاء المشاهدين، اينما ذهبنا ستدعيهم يتجسسون علينا في قلب بيتنا ! دعينا نأكل في بساطة وسلام .
_ ما بك يا ياسر ؟ هل تعلم ؟ . أنا من ضقت ذرعا بتذمرك هذا .. رغم محاولاتي في أن أفهمك أن الموضوع فيه بيزنيس لكن رأسك العنيد يأبى الإستيعاب . كأنك لم تتخرج من كلية التجارة قط .
يجفف ياسر رأسه بالمنشفة غير مبال بكلامها .
_ الموضوع فيه ربح وخسارة ليس إلا ، إنه عمل يا ياسر حبيبي ، إفهمني رجاء ! . لو رأيت صوفيا جارتنا مات زوجها وترك لها طفلين ، قامت وأنشات قناة طبخ ، صار لديها قرابة خمسمائة ألف متابع . وتجني منهم ما لا يعد ويحصى من المال ، مالا يكفي ليتلقى ولداها دروسا خصوصية .
_ نعم أعلم هذا ولكنني لن أرضى ببيع عرضي مقابل المال أيا يكن ، تصورين لهم حياتنا الشخصية وتقحميهم في ما لا يعنيهم ، إن تركتك على هواك فقريبا سأجدك ترقصين لهم بثياب مثيرة على التيك توك كما تفعل أغلب الفتيات الآن . هل تنتظرين مني أن اصفق لك على هذا بفرح ؟! .
غير أن سارة لم تهتم لما قاله مطلقا ، واخذت تتجهز بأفضل ثيابها .
_ أولا سأضع بعض المكياج ولا ننسى تلك الباروكة الشقراء . _أتقصدين ذيل الحصان ذاك ؟ لا يبدو جميلا عليك البتة ، دعك على طبيعتك أحسن لك .
قاطعته سارة بتهكم وهي تضع الحمرة على شفتيها الجافتين :
_ إنه ليس ذيل حصان، يسمى شعرا مستعارا . ثم نهضت وثبتته على رأسها وهي تتأمله على المرآة وأردفت وهي تطبع قبلتها على خد ياسر :
_ وأعتقد أنه يبدو رائعا وحقيقيا جدا على رأسي، سيعجبهم ! .

بعد مناوشات طويلة أقنعته أخيرا بأن يصورا مقطعا في الحديقة .
في الحديقة يجلسان على مأدبة الطعام . هدوء يخيم على المكان كأن عاصفة ما ستحدث . إلى ان قاطع هذا الهدوء صوت سارة وهي تصور بابتسامة عريضة على شفتيها وتقول :
صباح النور والسرور ، صباح الورد والياسمين يا أحلى متابعين .. متابعينا الأعزاء . استيقظنا باكرا اليوم كما تعلمون على الساعة السادسة دوماً ، فأنا امراة تعشق النظام . أعددت الفطور ها هو ذا وها أنا الآن أجلس في الحديقة مع زوجي العزيز وقرة عيني .”

ضربت رجل ياسر تحت الطاولة كي يعير انتباهه للكاميرا ، غير أن ياسر تعمد التصرف بعفويته المعتادة فأغلقت الفيديو . وقد تبدلت ابتسامتها إلى نظرة غضب حدقت بها إلى ياسر الذي نظر إليها مستفهماً . كم مرة قلت لك حين أقول زوجي العزيز ابتسم وقل و زوجتي العزيزة وتاج رأسي .. لا أن تأكل كالأبله .
_ حسنا ، هذا لو كنتِ كذلك بالفعل ! .
_ ماذا ؟! .
_ أنا أبله ، شكرا لك أيتها الفهيمة الحكيمة . لقد سئمت من أكاذيبك المقززة ، بالإذن .
في هذه اللحظة هم ياسر بالرحيل تفاديا لشجار آخر ، لكن يد سارة أمسكت ذراعه و ترجته بالبقاء . فعاود الجلوس ثانية ليجبر خاطرها .
_ حسنا ، بسم الله، هيا مجددا .. واحد ، اثنان ، ثلاثة . ثم تنفست الصعداء واستجمعت قواها لرسم أجمل ابتسامة لديها على محياها ، وقالت بأعذب صوت لديها :
_ صباح الأنوار والمسرات ، صباح الخير والبركة .
ثم سمعت ياسر يهمس ببطء :
_ هه ، كل هذا الحنان يصدر من التي لا تقوى على القول لي حتى صباح الخير .
احمر وجه سارة أمام الكاميرا بعدما سمعت ما قاله للتو ، فأغلقتها من جديد .
_ ياسر .
_ نعم ؟ .
_ ما خطبك؟ .
_ ما خطبكِ أنتِ؟ .
لحظات توالت صمتا تخلله حديث دار بينهما بالعيون .
قبل أن تنهض سارة بهدوء وتتجه إلى غرفة النوم . تاركة ياسر غارقا في أفكاره ، فيباشر الأكل من جديد دون أن ينبس ببنت شفة .

إقرأ أيضا :ليلة لا تنسى !


و فجأة، أحس بيدين دافئتين تغمضان عينيه من الخلف .. وصوت رقيق يهمس له في أذنه برقة :
_ صباح الورد لأحلى ورد في الكون .. هل أنت راضٍ الآن ؟ . ثم ضحكت وقرصته على خده مازحة ، و أردفت : سامحني على تقصيري ياسر ، أحبك حقا .
طرق قلب ياسر وأمسك بييدها الناعمتين و جذبها إليه بحنان ليضمها إلى صدره ، وقال :
_ لا عليك ، سامحتك . اشتقت لهذه الكلمة كثيراً .
_ الحق معك ، لقد انشغلت بإرضاء المعجبين لدرجة أنني أغفلت المعجب الأكبر . لقد أبعدتنا الشهرة عن بعض ، لم أدرك هذا ، لم أدرِ ماذا دهاني ! . كنت مسلوبة العقل، اعتبرت الغرباء عائلتي وأقحمتهم في بيتنا . أصور لهم تفاصيل حياتنا من أجل المال .. لن أعود إلى هذا مجددا .

قالتها والدمعة تسري على خدها ، فمسحها ياسر بإبهامه مداعبا وجنتيها كالطفلة بين يديه ، وهمس لها :
_ أعلم يا سارة ، أعلم انه لم يكن بيدك . كنت متأثرة جدا بالشهرة . أي مؤثر غيرك يحصل معه نفس الأمر ، الحمد لله أنك أدركت هذا أخيرا .اشتقت إليك كثيرا ، اشتقت لسارة التي كنت أعرفها . انسي عزيزتي انسي ضجة الميديا . ودعينا نعيش في سكينة معا بحيث لا يشاركنا لحظاتنا أحد سوانا اتفقنا؟ .
أما هي فما زالت تعتذر منه بحسرة لم يفهمها ياسر ..
_ أنت طيب جدا يا ياسر .. أحبك ، سامحني على كل شيء .
فعاد لطمأنتها وقال لها :
_ لا تشغلي بالك يا سارة . لقد سامحتك بالفعل ، لكن على شرط أن تعديني بالابتعاد عن هذا المجال . وأعدك أنا من عندي وعد شرف أنني سأبحث بشتى الطرق عن عمل قريبا . لقد سمعت أن هناك شركة تجارية قد افتتحت في المدينة مؤخرا . ليس عليك انتهاك حرمة عشنا الصغير مقابل المال ، فلتتركي الأمر لي لأجنيه بساعدي ، ثقي بي .

ابتسمت له ابتسامةً عذبة موافقة إياه الرأي ، فبادلها بأجمل منها . أمسكت بيده في إشارة لأن يتبعها فتبعها إلى أن وصلت به إلى المطبخ حيث أرته كعكة كبيرة اشترتها من أحد المحلات .
_ تبدو شهية ، أنتِ من أعدها؟ .
_ أجل ، لقد أعددتها منذ قليل خصيصا لك حبيبي . كاعتذار على ما بدر مني من سوء .. آمل أن تعجبك . صنعتها بكل حب لك عزيزي .
ياسر وقد بدا على ملامحه الاستغراب من لطافة زوجته، والفرحة في نفس الوقت لهذا التغيير المفاجئ الذي افتقده منذ شهور :
_ حقا ! أشكرك عزيزتي ، لكم تعلمين مدى سعادتي لاهتمامك بي . أنا أسعد رجل في هذه اللحظة .

ضحكت ثم أمسكت بيده و رافقته إلى غرفة النوم حيث حضنا بعضهما في ود و وئام . وتراقصا على أنغام الموسيقى تحت الضوء الخافت للشموع . من المرجح أن سارة أعدت هذه اللمسات مسبقاً لتضيف جوا رومنسيا لطيفا بينهما . علي أن أعترف . إنها سيدة ذات ذوق ساحر ، مشهد يأسر كل من يراه .

سار كل ذلك التناغم بين عصفوري الحب بينما تماشى ياسر مع وقع الموسيقى سعيدا مستسلما بين أحضانها في شغف . كان كل ذلك و ياسر لا يعلم أنه على اللايڤ . لم يعلم أنه جزء من مسرحية حبكتها زوجته أمام أنظار المشاهدين ! . وأن ذلك الاعتذار لم يكن سوى تمثيلية لجذبه إلى هذه المسرحية طواعية إلى غرفة النوم المزينة . غرفة النوم التي تحدت سارة تلك المتابعة بأن ترقص فيها مع زوجها ! . وكانت أهلا للتحدي ! يبدو أن ياسر لم يسمع بعد بعبارة ” أحمق من يثق بالنساء ” ! .

وها هما ذا الآن يرقصان في تناغم بعد أن ثبتت الكاميرا خلسة على الرف . نعم ، مشهد رومنسي كهذا لا يمكن أن يفوته سوى الأحمق بالنسبة لسارة . حتى وإن كان على حساب وعدها . حتى إن لم تكن الكعكة معدة على يديها فلا يهم . لا تهم مشاعر ياسر كثيراً ، ولا كرهه للأضواء . إن كان الأمر يتعلق بالمشاهدات، إن كان هذا سيدر عليها باللايكات . فيجب أن تلبي لهم أي طلب و يجب أن تظهر بمظهر الزوجة المثالية أمامهم .

نعم ، تعلم أن ما فعلته انتهاك لحرمة البيت . تعلم أنه غدر لوعد زوجها، لكنه أفضل بكثير من حياة البطالة التي يعيشها رغم سنوات شقائه إلى حين تخرجه من كلية التجارة . ودون جدوى .. ظل يبحث عن فرصة عمل إلى أن ُاستنزفت قواه وانتهى به المطاف في المنزل مثلها .. الحياة ليست عادلة .

إقرأ أيضا :دعنا على الحافة

الناس أصبحوا يتطلعون للتفاهات، صاروا يفضلون متابعة الفضائح أو الخصوصيات الزوجية . يحبون ذلك ويتهافتون عليه . فلهذا ترى عدد المؤثرين على منصة اليوتيوب في تزايد ، مؤثرون يقدمون لهذه الفئة ما يشبع فضولهم من الأسرار والفضائح . فسرعان ما يشتهرون مع الوقت ويذيع صيتهم من فضائحهم ويجنون المال بسرعة . ولتعلم أين وصلت سطحية المجتمع وبلادة تفكيره تجد المؤثرين الذين يقدمون محتوى هادفا يتابعهم فئة قليلة من الناس . في مقابل العدد الهائل من المتابعين للذين لا غرض لهم سوى نشر التفاهة . فأين الإنصاف؟ .

كانت سارة لا تزال تدور وترقص مع ياسر بانسجام قبل أن يتبادر إلى ذهنها صديقتها اليتيمة التي تزوجها حلاق الحي . كان زوجها متوسط الحال ، إلى أن قررت ذات يوم إنشاء قناتها . وتعرض في محتواها يومياتها في صالون التجميل الذي تعمل فيه . بدأت عائلة زوجها بالرفض ، و ذات يوم نشب شجار حاد بينها وبينهم . وبين شتيمة الفتاة على أنها قليلة الحياء ولا تحترم أهل زوجها من جانب . وبين لوم زوجها على أنه قليل الحيلة وضعيف الشخصية من جانب آخر . كانت تستغل الشجار حينها وسجلته مباشرة لليوتيوب . كانت فضيحة ، ركض حولها الناس من كل حدب وصوب . وأصبحت ضجة في اليوتيوب ، إلى أن انتهى المقطع بمليون مشاهدة وخمسمائة إعجاب . ووسط ضحكات الجمهور وسب البعض للفتاة على كونها وقحة وزوجة فاسدة ، إلا أنها لم تهتم مطلقا . فقد حصلت على مرادها فعلا وهي تلك المشاهدات . فلتدع من يشتم يشتم ومن يتكلم يتكلم ، فالمغفلون لا يعلمون أنهم ساهموا معها بمشاهدتهم تلك .

لا تزال سارة تتذكر جيدا قهقهات صديقتها تلك حين حكت لها خطتهم العبقرية وكيف نجحت بالفعل . و كيف انتهى المسلسل الذي ظن الجميع أنه حقيقي من شدة براعة التمثيل . الدموع، الصرخات، النواح الشتيمة .. كل شيء كان مخططا له ! . و بعدها عاد كل شيء كما كان . وربتت الزوجة على كتفي الحماة والزوج مازحة لهما ” أداء جيد حماتي ، أداء جيد زوجي ، سأطهو لكما معكرونة بيشاميل على العشاء كمكافأة على براعتكما في التمثيل ” . ثم ضحكا سويا و مضيا . وحتى الآن كل يوم يفكرون بفضيحة جديدة تجلب لهم المزيد من الزوار الملولين الذين لا شغل لهم في الحياة . أين هي الآن تلك الفتاة الفقيرة ؟ ها هي مع زوجها في سكن فاخر يعيشون في النعيم . وصار لديها سيارتان تبدل بينهما كما يحلو لها . هل صالونا الحلاقة والتجميل هما السبب في ذلك الثراء الذي يعيشونه الآن .. أشك في ذلك .

لا تزال سارة تدور وترقص بين ذراعي ياسر ، وبين كل فينة تغمز للكاميرا المثبتة هناك بسرية . وهي تفكر .. تفكر في الانضمام إلى هذه اللعبة اللعينة هي كذلك . تفكر في المقطع القادم وهي تغمض عينيها . المقطع الذي سيجعلها تضرب عصفورين بحجر واحد ، فتحصد المزيد من المتابعين ما يعني مزيدا من الشهرة . وتتخلص من تذمر ياسر في نفس الوقت . تتمايل سارة على أنغام الموسيقى منتشية قبل أن تأخذ نفساً عميقا ، ثم تضم ياسر ضمة وداع أخيرة . وتفتح عينيها للكاميرا بتحدي، لأن المقطع القادم الذي ستسجله سيكون بعنوان :

” طلقت زوجي الخائن ! ” .

مقالات ذات صلة

اشتراك
اشعار
guest
ضع بريدك اذا اردت استلام اشعار بالنشر

30 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
30
0
التعليق مفتوح للجميع .. رجاءا اسمعنا رأيكx
()
x

أنت تستخدم إضافة Adblock

مرحباً .. يبدوا أنّك تستخدم مانع إعلانات ، نرجوا من حضرتك إيقاف تفعيله و إعادة تحديث الصفحة لمتابعة تصفّح الموقع ، لأن الإعلانات هي المدخل المادي الوحيد الضئيل لنا ، وهو ما يساعد على استمرارنا . شكراً لتفهمك