قتلة و مجرمون

يو يونغ تشيول: قاتل معطف المطر

كان يقف في غرفته خافتة الإضاءة. ملطخ بالدم وتنتشر الأشلاء في كل ركن من أركان البيت. يحاول تنظيف هذه الفوضى، وجمع المتبقي من بقايا الجثة في كيس القمامة المعتاد.
في هذه الأثناء رن جرس الهاتف. رفع السماعة ليجد صوت ابنه الصغير على الجانب الآخر يطمئن عليه. وفي تلك اللحظة سقط الرأس المقطوع الموضوع فوق أحد الأرفف متدحرجا نحوه؛ فاتسعت حدقتا عينه رعباً. في ذلك الوقت جاءه صوت ابنه الصغير متسائلاً “أبي هل ما زلت تشعر بالبرد؟”

يو يونغ تشيول

ولد يو يونغ تشيول في 18 أبريل سنة 1970، في مقاطعة جوتشانغ. وهي منطقة ريفية في كوريا الجنوبية.

ينحدر من أسرة تعاني فقرا مدقعا، وقد عانى مرض الصرع المتوارث في العائلة، وفي طفولته تركت أمه المنزل لإدمان أبيه على الكحول، واعتداءه المتكرر عليها، وعلى أطفالهما. مما اضطره إلى العيش فترة من الزمن مع أبيه وزوجته اللذين كانا يتعرضان له بالضرب. إلى أن استطاعت أمه أن تجمع مالاً كافياً، فعادت إلى أخذه وهو وأخيه الأكبر للعيش معها. ورغم إحسان أمه لمعاملته، إلا أن سلوك يو يونغ تشيول انحدر إلى الأسوأ.

blank
تشول في مرحلة المراهقة

لأن حنان أمه ليس كافيا للتغاضي عن عقدته الأكبر وهي فقره، خاصة وأن عائلة ثرية تعيش على مقربة منه، وتذكره دائما بتلك الهوة الطبقية، وهو ما كان يفاقم من مرارته، وحسده لمجرد المرور قرب بوابة بيتهم. وبذلك كون يو عداء شخصيا ضد الأغنياء، واعتاد السرقة إلى حد ذهب إلى الإصلاحية أربع عشرة مرة!

وفي عام 1991، تزوج هو الذي كان يبلغ من العمر 21 عامًا من فتاة تدليك تدعى هوانغ وأنجبا ولدًا. وبرغم أنه أصبح رب أسرة الآن، إلا أنه لم يغير من عاداته السيئة، واستمر في السرقة والاحتيال، وفي النهاية اغتصب فتاة تبلغ من العمر خمسة عشر عاماً. مما دفع زوجته في نهاية الأمر إلى طلب الطلاق.

وأثناء محاولته تخطي الطلاق وسجنه الوشيك؛ بسبب القضايا الموجهة ضده، تلقي خبر وفاة والده بنوبة صرع. وسرعان ما لحق به أخوه بالمرض نفسه، ثم صدر حكماً بالسجن عليه، فدفعت به كل هذه اللطمات القاسية والمتتالية إلى حافة الانهيار.

‏وكان السجن هو المكان المثالي ليغذي خياله المريض والبغيض في القتل، وتتحول داخل رأسه تدريجيا إلى خطط في حيز التنفيذ متى آن الأوان، وسنحت الظروف.

ومن أفضل من الأثرياء الذين يحسدهم حتى النخاع يكون هدفا له؟ ووجد في قراءته عن قاتل متسلسل كوري سيء الصيت كان يتصيد الأثرياء، مصدر إلهام له متى ما حالفه الحظ كي يتتبع خطاه!

في ‏سبتمبر 2003، أُطلق سراح أو من السجن، ووجد مكانًا للعيش فيه، وهي منطقة “غانغنام” وهي منطقة معروفة أنه تضم بين سكانها أكثر الأشخاص ثراء في كوريا الجنوبية.
وعندما نظر إلى حياة السكان في المناطق السكنية الراقية القريبة، أصبحت أفكاره الداخلية أكثر اختلالاً؛ فذهب واشترى مسدسا، وبدأ بالتدرب على جرائمه المستقبلية بقتل الكلاب!

بداية الهجوم

بعد ثلاثة عشر يوما، تسلل يو يونغ شيول إلى منزل من طابقين يملكه لي دوك سو البالغ من العمر 72 عامًا، وهو أستاذ في جامعة سوكميونغ، وزوجته لي إيون أوك البالغة من العمر 68 عامًا. وقبل أن يتمكن أي منهم في الدفاع عن نفسه قتلهم بمطرقة. وهنا شعر أخيراً بالنصر، نصر الجبناء الذين يستهدفون الأضعف منهم!

وبما أنه اكتشف توا أن القتل ليس بذاك الأمر العسير، وأن تدمير المجتمع أسهل من محاولة إصلاحه؛ عاود الهجوم مجددا، ولكن هذه المرة استهداف أسرة مكونة من ثلاثة أفراد، وقتلهم بنفس الطريقة السابقة، وهي باستخدام المطرقة.
بعد أسبوع، قُتلت أيضًا المضيفة البالغة من العمر 69 عاماً وهي زوجة أحد المسؤولين التنفيذيين في سامسونغ دونغ

blank
كان يستهدف الفتيات بشكل رئيسي بدون رحمة او شفقة

‏ وفي 18 نوفمبر، عاد يو لجر مطرقته مجددا، ولكن هذه المرة لقتل ‏رجلاً ثرياً في الثمانين من العمر ومدبرة منزله، وهذه المرة أضرم النار في المنزل.

‏‏وبما أنني أقرأ ما يدور في ذهنك يا عزيزي القارئ وأراك تتساءل كيف لكل هؤلاء الناس ترك نوافذهم مفتوحة ليتسلل إليه القاتل.
فدعني أخبرك أن أغلبهم هو من دعاه إلى دخول منزله. إذ بصفته محتال سابق كان يَدعي أنه يملك مشروعاً ناجحاً قد يدر ربحا طائلا لو وجد شخص يموله، وإن كان هذا الممول سيأخذ الحصة الأكبر من الأرباح. فمن ذا الذي لن يدع رجل الأعمال الواعد هذا إلى بيته؟

‏وفي هذه الأثناء ‏ كانت الشرطة في حيرة من أمرها؛ فالضحايا لم تكن بينهم أي صلة، ولم يأخذ القاتل أيًا من ممتلكاتهم الثمينة؛ حتى كاميرات المراقبة لم تظهر الكثير، ولم يكن لدى المحققين سوى القليل من الأدلة حول شخصية القاتل نفسه.



‏‏الوقوع في الحب

‏وفجأة ودون سابق إنذار توقفت جرائم يو يونغ تشول! وقد تظن لوهلة أن هذه صحوة ضمير، ولكن في الحقيقة كان ذلك مجرد انشغال لرجل وقع لتوه في الحب!

هذه المرة كانت الفتاة تعمل مدلكة أيضا مثل زوجته السابقة؛ عدا أن الفرق بين المرأتين هو أن الأخيرة تعمل في مركز يقدم خدمات جنسية لزبائنه.

إلا أنه بأي حال اعتزل القتل، وانتقل إلى مكان آخر ليبدأ مجددا. وفي أوقات فراغه، كان يكتب القصائد ويرسم، وكأنه أصبح شخص آخر لا علاقة له بقاتلنا الجشع!


‏وبعد مرور شهرين، عرض عليها الزواج، وإنجاب الأطفال، لكن الصديقة رفضته لتاريخ عائلته الوراثي مع مرض الصرع وتاريخه هو الجنائي مع القانون. بل إنه بعد هذا العرض الرومانسي بالضبط انفصلت عنه نهائيا ولك أن تتوقع ماذا شعر به يو آنذاك والخطوة التالية التي اتخذها بعد هذا الرفض الجارح.

العودة إلى الساحة مجددا

سرعان ما عاودته تلك الرغبة المحمومة في القتل مجددا؛ ولكنه هذه المرة صوب نظره إلى العاملات في صالونات التدليك التي تقدم خدمات جنسية للزبائن!

بدأ يو يونغ تشيول في الاتصال بالمدلكين الذين يقدمون الخدمات للزبائن داخل المنزل عبر الهاتف للقدوم إلى منزله. وبمجرد دخول النساء إلى الداخل كان يقيم علاقة جنسية معهن، ثم يضربهن بمطرقة ثقيلة صنعها خصيصًا لتناسب قبضته. وبعد ذلك يبدأ في تشويه أجسادهن، ثم يقطع ضحاياه إلى 16-18 قطعة ويبدأ في أكل أجزاء من ضحاياه لأجل تطهير روحه على حسب ظنه!

blank
مطرقة العقاب .. هكذا وصفها تشول

بعد ذلك كان يتخلص من أطراف أصابعهم بعيدا عن المكان الذي يتخلص فيه من الجثة لعرقلة التعرف عليهم، ثم يأخذ باقي الأعضاء، ويدفنها على جبل بالقرب من معبد بونغ وون.

وعلى عكس وفاة الأثرياء لم يثر قتل الفتيات أي ضجة. لم يهتم بهن أحد. اللهم أصحاب صالونات التدليك الذين شعروا أن هناك خطبا ما، وقد اتصل أحد أصحاب هذه الصالونات ليبلغ عن اختفاء فتاتين كانتا يعملان لديه. وقد وصل عدد الضحايا إلى إحدى عشرة فتاة.

الخطأ القاتل

وكما يقولون المأثور المبتذل بأنه لا توجد جريمة كاملة؛ فقد ارتكب يو أكثر الأخطاء فداحة في تاريخه الإجرامي، وذلك عندما استخدم هاتف إحدى ضحاياه لطلب جلسة تدليك لها من المكان نفسه الذي طلب منه فتاتين سابقا، وأبلغ الشرطة توا عن اختفائهم. وقد تعرف مالك الصالون على الرقم، وعاد ليتصل بالشرطة مجدداً. وفي هذه الأثناء، تمكن مالك الصالون من إقناع يو يونغ شيول أن يأتي إلى الفندق، ويتلقى جلسة تدليك رائعة أفضل من التي قد يحصل عليها داخل المنزل، وقد وقع الأخير في الفخ. أما الشرطة فقد استعدت للقبض على هذا السفاح بإرسال شرطي واحد فقط. بقي قليلا من الوقت، وعندما تأخر يو، وغادر تاركاً موظفي التدليك ليحلوا محل الشرطة لاعتقاله.

‏وعندما دخل القاتل إلى الفندق حيث رتب للقاء ضحيته، كان موظفو صالون التدليك في استقباله، وبدوا في محاصرته والتعارك معه، حتى نجحوا في اعتقاله.

‏أما مسؤول مركز الشرطة، فقد صرح قائلا: “صحيح أن العاملين في صالة التدليك قبضوا على السيد يو أولاً “ولكن أليس صحيحًا أيضًا أننا أرسلنا رجالنا؟”

وقد استخدم صيغة الجمع ليتحدث عن رجل الشرطة الذي أتى بمفرده ورحل باكراً. وبعد أن تسلمت الشرطة زمام الأمور ادعى يو الإصابة بنوبة صرع، وتمكن من الفرار لمدة اثنتي عشرة ساعة، حتى استطاعوا القبض عليه مجددا.

blank
تشول في قبضة العدالة

عند اعتقاله للمرة الثانية، اعترف “يو” بجميع جرائمه للشرطة، ووافق على قيادة الشرطة إلى جثث ضحاياه وهو يرتدي معطفاً واقياً من المطر أصفر اللون؛ مما جعل وسائل الإعلام تطلق عليه لقب” قاتل معطف.
المطر”

‏كما أنه اعترف بقتل أشخاص عشوائيين لم يكونوا أثرياء، أو يعملن في صالونات التدليك ليصرح أنه قتل 26 شخصاً، قائلا خلال المحاكمة “لم يكن لدي أي نية للتوقف” وأردف “ينبغي أن تكون النساء عاهرات، وعلى الأغنياء أن يعرفوا ما يفعلون”


‏ولم يبد أي نوع من الندم على ما فعله بالضحايا أو استهدافه الدائم للفئات المهمشة من النساء أو لكبار السن ممن يملكون مالاً.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2004، أُدين يو يونغ تشيول بارتكاب 20 جريمة قتل، وحُكم عليه بالإعدام، وفي أثناء انتظار تنفيذ الحكم في عام 2011 حاول مرة أن يخنق حارس السجن، وهو يصرخ بهستيريا قائلا: “ألا تعلمون أنني مريض نفسي”

وقد نُقِل منذ زمن قصير لتنفيذ حكم الإعدام به. وبعد اعتقال يو خضعت قوات الشرطة الكورية لتغييرات هائلة لإصلاح عدم الكفاءة والفساد.

أما أشهر ما قاله في أثناء المحاكمة هو “لقد فعلت ذلك لقتل المجتمع عندما أدركت بشكل مرير أن المال هو كل ما يهم، ففكرت في نفسي كمنفذ للعقوبة.

المصدر
murderpediadarksideofseolKoreaheald
guest
6 Comments
الاحدث
الاقدم الاكثر تصويتا
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى