أدب الرعب والعام

البطلة التي قتلت كاتبها

بقلم : فاطمة وهابي – الجزائر
للتواصل : [email protected]

أردتَ قتلي ، لكن أنا من قتلتك
أردتَ قتلي ، لكن أنا من قتلتك

 
ألو :أنا في حيرة من أمري أضع يدي على جبهتي طول الوقت أفكر في نهاية لها ، لكنها لا تريد أن تختفي من روايتي.

– هل هي البطلة ؟.
– نعم ، هي !.
– ما أسمها ؟.

– اسمها سانتيا ، إنها عنيدة جداً ، تفرض علي ما تقوله و ما تريد القيام به من أحداث ، لقد فقدت السيطرة عليها !.
-غريب ! كيف ذلك ؟ أنت الكاتب ، أنت من يجب أن يقرر كيف تتصرف شخصيات روايتك !.

– كل الشخصيات أتحكم فيهم إلا هي ، صدّعت رأسي ، تخيّل عندما ذهبت لشراء بعض البن من المتجر القريب لبيتها هي من اختار نوع البن و ليس أنا ، و لما ذهبت للكنيسة للاعتراف بذنب أذنبته ، لما كانت في القرية ، كنت أنا أريدها أن تعترف بكل شيء ، لكنها لم تفعل ، قالت : إن الله هو من يغفر الذنوب و ليس رجال الدين ، و حتى اللباس الذي تلبسه غير الذي أريده ،  أنا أريدها أن تلبس فساتين طويلة و ألوانها غامقة لتنسجم مع بنت ريفية جاءت المدينة للدراسة و تحمل ذنباً كبيراً على كاهلها ، وعائلة خلفها تنتظر تخرّجها ،  لكنها تلبس ما تريد ، حتى لما ذهبت للكنيسة كانت تلبس تنورة حمراء قصيرة ! أكاد أجن من تصرفاتها !.

– ألو ، ألو ،  مارك أين أنت يا صديقي ألو … لقد انقطع الاتصال .. تباً .لا بد أنه سئم تذمّري . سأذهب للمتجر الآن .

كان دوستو يحمل كيساً فيه حبات بطاطا و حبات بصل و يلف السوق ليشتري بعض البيض و السمك ، و بينما هو كذلك  رأى بنتاً تحمل حقيبة يد سوداء و تلبس تنورة حمراء قصيرة ، كانت تتكلم بلهجة ريفية لأحد الباعة لفتت انتباهه فلحقها اقترب منها دون أن يعي ما يفعل.

قائلاً : سانتيا !.

هل اسمك سانتيا ؟.
نظرت إليه في حيرة متسائلة : لكن من أنت ؟.
ثم نظر إلى تنورتها الحمراء القصيرة ، و هذه تنورتك التي اشتريتها من قرية “فوكتا” أنا أعلم ذلك .

رمقته بنظرة سخرية و قالت بنفس تلك اللهجة الريفية : لا بد أنك مجنون ! و غادرت .
بقي يلحقها من مكان لمكان حتى اختفت بين الناس الكثر ، حاول أن يبحث عنها و سأل البائع الذي كان يقف عنده ، هل تعرف تلك الفتاة القروية ؟ كنت أريد أن أسألها سؤالاً واحداً فقط ، لكنها غادرت !.

عاد دوستو للبيت مسرعاً و لما دخل البيت رمى كيس الخضر من يديه و رمى بمعطفه الأسود الثقيل على السرير و أخرج ذلك الدفتر الذي كان يكتب عليه روايته و كتب : لقد التقيتك اليوم ، لكنك اختفيت بين الزحام ، لكن سأجدك حتماُ .. امسك الهاتف بلهفة ليكلّم صديقه مارك : ألو ألو مارك ، لقد وجدتها اليوم ، التقيتها في السوق ، لقد
كانت ترتدي تلك التنورة الحمراء .

– من ، هل هي زوجتك السابقة ؟.
– لا ، إنها” سانتيا ” لقد حدثتها يا رجل .
– رد مارك في تأفف ، لا بد أنك جُننت !.

– أنت لا تصدقني أليس كذلك ؟ إنها هي ، أنا متأكد يا صديقي ، يظهر على ملامحها ذلك العناد ، كنت أريد أن أسألها سؤالاً واحداً يجعلني أتقدم في تلك الرواية التي كانت هي السبب في أن أحداثها لم تتطور لشدة عنادها ، لكنها اختفت !
– إنها شخصية وهمية .. أفهم !.
– لا ، ليست وهمية لقد رأيتها.. هي تماماً !.
– حسناً ، أبق في منزلك سآتي إليك و نتحدث في كل التفاصيل !.
– حسناً ..تعال أنا أنتظرك !.
كان مارك صديق دوستو الوحيد كان لديه متجر في وسط مدينة و صديقه منذ الشباب ، لكنهما لا يلتقيان دائماً لأن دوستو يحب العزلة كي يكتب ، و كان يتصل بمارك فقط في أشد لحظات ضعفه و حيرته.

دق الباب ، أسرع دوستو لفتح الباب لصديقه المقرّب مارك ! و ما إن رآه بادره :
– تعال يا صديقي لترى ما فعلته سانتيا العنيدة في روايتي ، لقد غيرت مجرى الأحداث ، إنني أريد التخلص منها لكنها تأبى و تفرض نفسها .
ربت مارك على كتفه قائلاً : هدئ من روعك يا صديقي ، هي شخصية وهمية فقط ، ستتحكم فيها مع الوقت ، لا تتوتر !.

– لا ..أنا كذلك كنت أعتقد في البداية أنها وهمية مثلك ، لكن أدركت اليوم أنها حقيقية .
– حسناً ، ما رأيك لو تقتلها !.
نظر دوستو لصديقه في ريبة : اقتُلها ! كيف ؟.
– سؤالك غريب يا صديقي .. كيف أنك كاتب ولا تعرف كيف تقتل شخصية من شخصياتك ؟  تدبّر لها حيلة أو تجعلها تمرض مرضاً خطيراً ثم تموت فقط .
– لكن أنا كاتب و لست مجرماً !.

– و هل يُعد ذلك إجراماً ؟ ألم تمت تلك المرأة العجوز في روايتك السابقة بعد أن أُصيبت بالسرطان ؟ أنا أخشى عليك من سانتيا هذه / ستدفعك للجنون !.
– لكن سانتيا هي من تدور حولها الأحداث ، كيف لي أن اقتلها ؟ سيبدو المشهد مبتذلاً ، أنا أعرف ذلك !.

– حسناً ، اجعلها تغيب فترة فقط حتى تفكر في حل لها !.
– في الفصل السابق من الرواية جعلتها تذهب للريف عند أهلها و التهيتُ بشخصية رونو البائع الذي كانت تمر عليه كل يوم حتى وقع بحبها ، لكنه كان يذكرها دائماً ، كانت حاضرة بالاسم دائماً ! هي لا تغيب أبداً ، قلت لك تفرض نفسها ، و خاصةً عندما رأيتها اليوم في السوق ، كانت تستفزني أكثر بتلك النظرات ، كانت نظرات سخرية !.

– لا أعلم ، تصرّف أنت وحدك ! لقد أعجزتني يا صديقي.
– لا تقلق نفسك بي ، هل أعدّ لك بعض القهوة ؟.
– نعم ، إن لم تكن من البن الذي اشترته سانتيا ! و أنفجر مارك ضاحكاً !.
في الغد قرر دوستو أن يعود للمتجر ، كان يريد أن يتأكد من البائع ! وقف عند نفس البائع و قال :

– مرحباً ، أنا الذي كنت بالأمس هنا ، و كانت الفتاة ذات التنورة الحمراء هنا كذلك ، هل تذكر ؟.
–  نعم ، أنت أذكرك لكن الفتاة لا ، لقد كنت تقف وحدك ! كيف أساعدك ؟.
– لا ، لا عليك ، لا مشكلة !.

خرج دوستو من المتجر محبطاً لا يعلم أين تأخذه رجلاه ، كان عليه أن يجدها ، لو كان التقاها في الواقع لكان استطاع أن يسيطر عليها ، سؤال واحد لو أجابت عنه كان سيجعلها تحت سيطرته ، ما هو الذنب الذي اقترفته في حياتك و يجعلك غير راضية على الأحداث التي أنسجها أنا ؟.

كان يمشي و يفكر حتى وجد نفسه أمام كنيسة نظر ، إلى ذلك الناقوس الكبير أعلاها ثم دخل دون أن يعي تماماً ما يفعله !.

كان طول الوقت يشم عطراً نسائياً يشبه ذلك العطر الرخيص الذي كانت تضعه سانتيا ، تلفت يميناً و شمالاً و في كل الاتجاهات ، لم يجد أحد غير الكاهن .

تساءل في ذاته ، هل كانت سانتيا هنا ؟ لقد كانت هنا أعلم ذلك !.
ثم خرج مسرعاً يريد اللحاق بها و هو ينادي : سانتيا ، سانتيا ، أنا أعلم أنك كنت هنا ، عطرك في كل مكان ، أريد أن أسألك سؤالاً واحداً فقط ثم بإمكانك أن تذهبي ، سانتيا ، سانتيا .

كان شكله غريباً أمام المارة ،كان يبدو كالمجنون !.
عاد إلى البيت محبطاً و هو ما زال ينادي عليها ، و ألقى بنفسه على ذلك السرير من شدة التعب .

 في الصباح أتصل عليه صديقه مارك مراراً و لم يجب ، ظن أنه منهمك في كتابة تلك الرواية ، لكن في المساء عاود الاتصال به ، فلم يجب كذلك ، شعر مارك بالقلق على صديقه ، فذهب إليه للبيت ، و دق الباب بقوة ثم اضطر لكسره ، و دخل فوجد دوستو ملقاً على السرير و هو يتنفس بصعوبة ، فأخذه مباشرة إلى المستشفى ، كان دوستو طول المسافة إلى المستشفى يحاول أن يخبر صديقه لكنه لم يكن يفهمه جيداً ، فأشار له بأن يناوله ورقة و قلماً فأعطاه ، و كانت آخر كلمات كتبها لصديقه . ” سانتيا كانت في منزلي البارحة ، حاولت قتلي و كتبت شيئاً في الرواية ثم غادرت “.

مات دوستو ، و بعد الجنازة ذهب مارك إلى منزل صديقه للاطلاع على تلك الرواية و لعله يفهم شيئاً عن موت صديقه ، وجد مكتوب في آخر صفحة على ذلك الدفتر : أردتَ قتلي ، لكن أنا من قتلتك !.

النهاية …..

تاريخ النشر : 2021-07-27

فاطمة وهابي

الجزائر

مقالات ذات صلة

اشتراك
اشعار
guest
ضع بريدك اذا اردت استلام اشعار بالنشر

28 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
28
0
التعليق مفتوح للجميع .. رجاءا اسمعنا رأيكx
()
x

أنت تستخدم إضافة Adblock

مرحباً .. يبدوا أنّك تستخدم مانع إعلانات ، نرجوا من حضرتك إيقاف تفعيله و إعادة تحديث الصفحة لمتابعة تصفّح الموقع ، لأن الإعلانات هي المدخل المادي الوحيد الضئيل لنا ، وهو ما يساعد على استمرارنا . شكراً لتفهمك