أدب الرعب والعام

حاجز الصمت

بقلم : ايناس عادل مهنا – سوريا

استدرتُ ناحيتك وغرقت أكثر في عينيكِ الصافيتين ألتمس أثر رسالتي اليتيمة
استدرتُ ناحيتك وغرقت أكثر في عينيكِ الصافيتين ألتمس أثر رسالتي اليتيمة

على الشاطئ المهجور يدوي بريق مشاعري، كعاصفةٍ هوجاء اجتحتِ صفاء روحي ، كآثام الخاطئين تملكني طيفك، كان حُباً محرمٌ عليَّ حتى أن أتلفظ حروفه _طبعاً ان استطعت _ إن كانت حروفُ الحبِ عنكِ ، تُدركين أني أراقبك بصمت ، صباحاً حينما تخرجين لجامعتك ، مساءاً حين عودتك ، سبعُ دقائق في كل يومٍ كانت جرعتي من أكسير الحياة المتمثل فيكِ ،أدركتُ الحبَ جميلٌ من وجوه العشاق الذين أراقبهم من بعيد ، من القصص التي قرأتها دائماً ، لكن حبي لكِ مؤلمٌ جداً ، موجعٌ بطريقةٍ لم أعد احتمالها… ولا أستطيع البوح عنها لأحد ، حتى إليكِ..

كنتُ أعيش في منفاي سعيداً راضياً هانئاً في صومعة السكون عن ثرثرة العالم و تفاهاتهم ، ولم أكن أبالي و لكني بعدما عرفتك… بعدما أدمنتك…. كرهت انعزالي وصمتي وعجزي .

وذات مساءٍ حينما هممت بإغلاق المكتبة أنار كيانكِ مملكتي ، سقط الكتاب من يدي وتطلعتُ بكِ مشدوهاً وأنا أقرأ حروف السلام من بين شفاهك ، انحنيت لألتقط الكتاب وأومأت لك بالسلام، وادعيت الانشغال بترتيب الكتب المرتبة !
لعدة سنوات ومنذ افتتحتها لم تدخلي مكتبتي! فما الذي جاء بك اليوم ؟

انتقلتِ لصفِ الروايات لتنتقي منها ما يعجبك، وما زلتُ عاجزاً عن التنفس في وجودك كيلا أشعرك باضطرابي ، كانت نظراتك تنتقل على عناوين الكتب بتشتت وكأنك حديثةُ العهد بالقراءة, بل أنت فعلاً كذلك وعرفت ذلك من نظراتك الحائرة فتقدمتُ منكِ حينها لأسهل المهمة منتقياً روايةً مناسبة لعمرك وحداثتك في القراءة وقدمتها إليكِ ،

قلبتِ الرواية بين كفيكِ وأشرق وجهكِ العذبُ بابتسامةٍ ممتنة أسرت روحي حينها، ولكم تمنيت أن أنطق لكن الابتسامة الآن ونظرات عيني وحركات يدي هي لغتي الوحيدة .

وخرجتِ من مملكتي كما دخلتِها محدثةً هرجاً ومرجاً داخل صدري فارتميتُ خلف مكتبي ناسياً حتى أني كنتُ على وشك الرحيل !.

وتكرر إشراقُ مكتبتي بنورك ، صرتِ تترددين بين حينٍ وحين لتنتقي كتاباً أو تعيدي آخر، ولم أكن أبوح بما اعتمر صدري من مشاعر خوفاً من الصد الذي لن أتحمل صداه ، أنا لم أسمع صوتاً في سنوات عمري الثلاثين ، لم أنطق حرفاً كذلك …لكني حين اقترابك بت أسمع ضربات فؤادي تعلو وتعلو، أشعر بروعة وجوده بسببك، وأستلذ برسم شفاهي لحروف اسمك الذي عرفته مصادفةً ذات يوم من خلال كراستك الجامعية _ شمس _ اسمٌ أنار روحي كصاحبته ، اسمٌ تملكني بدفءٍ جميل, لكني لم أتجرأ يوماً بالإفصاح عن حبي حتى بالرسائل ، اخترتُ طريقاً آخر أكثر سكوناً كحالتي ….فكثيراً ما كنتُ أظلل على كلمة (أحبك ) ( أشتاقك )
( أحلم بك ) من داخل الرواية الذي سأقدمها لكِ حينما تحضرين ولم تنتبهي بادئ الأمر أو تجاهلتي رسائل تظليلي الخفية لستُ أدري

وتجرأتُ يوماً بعد يوم … وزادت مساحة التظليل في قلم الرصاص على كلمات الكتب لتعانق جملةً كاملة وشعوراً يماثل حبي إليكِ …. واقتصر ذوقك كذلك على الروايات ، وكأنك توسعين لي آفاق التظليل بقلم الحب على السطور….وأبحرنا معاً بين سطور الروايات في حكاية حبٍ متواريةٍ خلف الظلال…

لأرى ذات يومٍ ما زلزل كياني وبعثره ! كان خطاً صغيراً كتبتِ فيه (انتظر اعترافكَ الصريح ) في أعلى الصفحة العاشرة رداً على خطوط تظليلي التعيسة ، أغلقتُ الكتاب بارتباك ، ثم فتحته وأغلقته وكأن كلماتك ستختفي حينها كأفلام الخيال ! أمسكتُ القلم وأصابعي ترتعش والورقة البيضاء ساكنةٌ بكل وداعةٍ على المكتب ، هل سأعترف ؟ هل سأخط لك نبض قلبي على الورق! …لعل جوابك عقب اعترافي كموافقتي تماماً على تنفيذ حكم الإعدام ، فلحظة رفضك لي يا شمس تماثلُ الإعدام في قسوة المشهد .

ودخلتِ من الباب في اليوم الذي يليه فأعطيتكِ الكتاب الذي جهزته لكِ بأولى كلمات اعترافي على ورقةٍ صغيرة دسستها بين صفحاته ولربما كنت فعلاً أريد أن أتأكد من صدق ما خططتِه لي البارحة..

(( أنا رجلٌ تملكه الصمت وشاءت الأقدار أن يحتجزني السكون ، كنت أؤمن دائماً بأن الحب يشابه الحرب من حيث سرعة اشتعاله ..لكنه لا يطفئ بسهولة … وأنا لا أريد لحبك أن يطفئ سيدتي ، أريدك أن تكوني لساني الذي أنطق به , وسمعي الذي أسمع ، أريدك أن تكوني حبيبتي ))

وقفت تلك الليلة أمام البحر الذي تتقاذف الرياح أمواجه ،تمنيتُ أن أصرخ بأعلى صوتٍ لأكسر حاجز الصمت الذي أغرقني بين جنباته منذ ولادتي…. فلم يخرج مني إلا أنينٌ خافت, إن روحي هي من كانت تصرخ ، فأشعر باللهيب يحرق حنجرتي … بعقلي ضجيجٌ رهيب ومئات الاحتجاجات ، فكيف ستعترفين بعشق رجلٍ أصم لن يسمع رنين عذوبتك ! كيف ستتقبلين رجلاً أبكم لن يلقي الشعر كل صباحٍ في عينيكِ الزمرديتين ،

هل ستعشقين رجلاً لن يقول لكِ صباحكِ سكر ؟ لن يتغزل في جمال تكوينك! كيف سيجتمع الكمال والعجز في خندقٍ واحد !

تهاديتُ على الرمال لتلطمني الأمواج عليٌ أصحو من سكرتي وخوفي .. إني خائفٌ فعلاً من أن ترفضي مشاعري ، خائفٌ من كوني رأيتها إشارةً خاطئة ولربما كانت مجرد حروفٍ عابثةٍ من قلمك !

وأشرق نور الصباح فجلست أنتظر بالدقائق لحظة مجيئك ،عقارب ساعتي البلهاء قررت لهذا اليوم أن تسير ببطئٍ مثيرٍ للأعصاب فعلاً ! حتى اشتممتُ رائحة عطرك بعد ساعاتٍ من اللهفة والترقب وكأني طفلٌ وقت امتحان! استدرتُ ناحيتك وغرقت أكثر في عينيكِ الصافيتين ألتمس أثر رسالتي اليتيمة ,أشرت لكِ بأصابع يدي عن جواب رسالتي متمنياً أن تفهمي مطلبي فتورد وجهك بحمرةٍ طفيفةٍ وألقيتِ الكتاب ناحية المنضدة وهربتِ بعيداً من أمامي كشمس الشتاء حين تتوارى خلف الغيوم!,

هكذا أنتِ يا حبيبتي ، تشرقين و تتوارين بغتةً كأشعة الشمس حين تخترق حدَّ السحاب ،هرولتُ ناحية الكتاب بعد رحيلك وتلقفته بحماسٍ ممزوجٍ بخوف أبحث عن حروفك المتوارية بين صفحاته ….قلبت وقلبت حتى سقطت تلك الورقة الصغيرة المعطرة بعبق عطركِ الرقيق ، أغمضت عيناي لأشتم عبير الزهور وفضضت الورقة ليترقرق قلبي بسعادةٍ أستشعر لذتها للمرة الأولى …

(( لم أفهم معنى الصمت حقاً إلا من خلالك, الأشجار صامتةٌ لكن عطائها لا حدود له, الأزهار صامتة لكن شذاها لا يمكن إنكاره وكذلك أنت … إحساس قلبك العاشق وصدق حروفك يا سيدي جعلتني أعشق لغة الصمت, .. لأشهرٍ طويلة أخذتني في رحلة تظليلك العجائبية لما وراء الخيال …في كل روايةٍ أقرأها, كنت أقرأ روايتنا معاً… رواية عشقك باتت كلحنٍ أثيري يعزف على أوتار روحي معزوفةً عذبة …وفي الختام صمتك لن يكون حاجزاً بيننا ))

أتعلمين أني حينها قبّلت الورقة ! تبسمت ودمعت عيناي بآنٍ معاً ,وخرجت كالمجنون من المكتبة أركض على شاطئ البحر …
صرت أركض وأركض حتى تقطعت أنفاسي فارتميت على الرمال التي تلفحها حرارة شمس الصيف ألهث وضحكت كالمخابيل …
ألا يقولون أن الحب مجنون ! .

وكم كانت ليلة البارحة طويلة ! هذه الليلة كانت أطول منها بكثير… وكأن الساعات قد توالدت وتكاثرت وأنا كالسجين الذي ينتظر لحظة فكاك أسره لأنطلق صباحاً إلى المكتبة وأنتظر قدومك … لن أخط لكِ الظلال على كلمات الكتب بعد الآن بل ستستشعرين نبض قلبي لأنكِ سكنتِ فيه,

وأنار ضياءك مملكتي من جديد, هرعتُ ناحيتك بلهفة عاشق واحتضنت كفكِ بين يدي ووضعتها على صدري لتشعري بضرباته, لتفهمي أنك فيه, بل جزءٌ من تكوينه, حركتُ شفاهي قائلاً (أحبك) …صحيح أنها بلا صوت لكن لغة قلوب العشاق هي النبض وقلوبنا الآن تنبض بلغةٍ أسمى من كل لغات العالم … أخرجتِ مفكرتكِ الصغيرة لنخط عليها الحروف ولتتعانق كلماتنا لتمتد رحلتنا معاً …في حبٍ من نوع آخر…

تمت بحمد الله …

تاريخ النشر : 2020-04-26

مقالات ذات صلة

11 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى