أدب الرعب والعام

ساكن المقبرة

بقلم : محفوظ نور
للتواصل : https://www.facebook.com/profile.php?id=100067184781032

رويت قصص كثيرة عن هذه المقبرة منذ القدم
رويت قصص كثيرة عن هذه المقبرة منذ القدم

إذا حاولت أن تتخيل مقبرة معزولة ، اندست عميقا بين ثنايا أرض اكتنزت بالأودية و الهضاب العالية المتزاحمة ، فقد تصورت مسرح هذه القصة ، و منبع كوابيسي ، و موقع عملي .

لكن قبل أن أمضي ليالي هناك ، كان يقع واجب حراسة المقبرة المعزولة على عاتق الرجل المدعو بعمي الجيلالي , لا يتحدث عمي الجيلالي عن لياليه فيها ، و عندما يحلوا الكلام عن الغرائب و الجان يلتفت كل من هم في حلقة السمر إلى الشيخ الستيني و كأنها مكتوبة على جبينه , فيبتسم محرجا أو مازحا و ينفي حدوث أي شيء طيلة ما يقرب العشر سنين التي وقف فيها على تلك المقبرة, فيتركه من عرفه من القدماء عن خبرة ، لكن بعض الشبان و الأطفال يكثرون الإلحاح فلا يجدون سوى تجاهل عنيد أو تغيير للموضوع ، و قد لاحظت ) و أنا إن لم أعرف بشيء قالو هو لقاف لكل صغيرة ( أن عمي الجيلالي لا يحلف ، و كونه رجل إعتاد لسانه على الحلف و القسم ليس بالله فقط بل بالولات الصالحين و رأس أمه و أبيه المدفونان في المقبرة التي يحرسها ، تجده لا يبرء نفسه بسلاحه المفضل من هذه الشبهة التي ألصقها به كل من يجالسه ، ورغم أنني تربيت بين أعطاف منزله و أنه عمي عن حق وأنني كنت مصاحبا له في كثير من سهراته في العمل ، و تطوعت معه في حفر كثير من القبور ، فهو لم يقصص لي ما يزعم الكثيرون أنه يشهده في تلك المقبرة المعزولة ليلا ، بيد أنني وجدتني أخلفه بعد أن وجدوه منهارا أمام بوابة المقبرة صبيحة أحد الأيام ، لقد كان إرتفاع في الضغط راجع لإجهاد جسدي و ربما نفسي حسب قول الطبيب ، و أصبح عمي الجيلالي المسكين معاق الشفة السفلى و لا تفهم من كلامه إلا ما كان متيسر الخروج له .

لأصدقك القول لقد كنت جبانا رِعْديدا خلال أسبوعي الأول و كانت دوراتي حول المقبرة تستدعي مني عظيم الجهد و الشجاعة ، لكن عقلي سرعان ما تبرم من الأفكار التي تحوم حوله كل ليلة ، و تبعه حسي في تبلده و أصبحت لا آبه لصفير الريح و هي تشق طريقها بين شواهد القبور أو مخلوقات الليل العديدة و هي تهمس أو ترتجف بين الشجيرات ، لكن عملي لم يخلو من خطر حقيقي ، ليس منهم بل من متعاطي الخمر و المهلوسات ، فهم يتخذون من حرمة المقبرة و بعدها عن الناس مرتعا لأفعالهم ، و لا أعرف كيف ابقاهم عمي تحت السيطرة ، فهم لا يدخلونها إلا نادرا و يكتفون بالجلوس على حدودها و الإتكاء على صورها الهرم.

مرت الأيام  ، إلى أن بدأت الأمور باتخاذ منحا غريب و دامي ، كنت في ذلك اليوم قد أتيت متأخرا عن المعتاد ، و وجدت الظلام قد بطش بالمنظر الذي ألفت لقاءه ، منظر الشفق و هو يمتد في السماء ، أحسست بشعور غريب و مزعج قد عمني ، لكنني تركته خلفي و هممت بدخول المقبرة من بوابتها القديمة ، و صدقني لم تساعد النسمة الباردة التي هبت فجأة أو أنين حديد البوابة الصدء و هو يهتز تحت رحمتها في تحسين الأوضاع ، كل شيء ينبئ بقدوم العاصفة ، حتى غرائزي تختلج من الداخل في صخب ، لكن من منا يتابع الأحول الجوية ، و من منا يثق في حدسه حين يكون صادقا ، فما إن ولجت لغرفة الحراسة و إشعالي لضوئها نسيت كل ذلك ، غير أنه و لو تركتك تلك الأفكار فإن أخواتها و متمماتها ستهجم عليك لا محال ، ما إن يمس الشك القلب الضعيف فهو رهنه .

باقيا بدون هاتف كوني أجلت شراء بطارية جديدة بدل القديمة المتهالكة ، فلم يتحمل الهاتف صحبتي سوى لنصف ساعة ليخونني تارك إياي لوحدي في تلك الغرفة ، وحدي مع أفكاري و التي رغم اجتهادي في التحكم بها ، فهي لا تنفك مني إلا لتقفز نحو ما لا أبتغيه مباشرة ، حتى استسلمت ، أعددت بعض الشاي و جلست أرتشفه و عقلي منكب في تذكر كل قصة رعب و جان سمعها كرجل الأرشيفات في ساعة الزحمة ، و كما تحزر فللمقبرة ارث من هذا النوع كأي مقبرة في هذا العالم ، لكن ما يعطيها اليد العليا هنا هو عدد الناس الذين ماتوا عليها ، لم يدفنوا فقط بل ماتوا هنا ، بعضهم أعرف قصصهم ، لكن الكثير منهم … لندعوا لهم بالرحمة.

في هذه القصة أكلمك بلسان جدي رحمه الله و هو يحكي لإبنيه ، يقول بأنه رويت قصص كثيرة عن هذه المقبرة منذ القدم لكنه لم يشهد منها سوى قصتين ، الأولى محزنة و سوداوية أكثر منها مرعبة و تتعلق بموؤودة ، و الثانية هي التي غيرت نظرته عن تلك الأرض يوم ضمت إلى ضحاياها جنودا مستعمرين ، لا أحد يعرف ماذا كانوا يفعلون بداخلها ، ربما هو جزء من دورتهم أو ربما أرادوا اختصار الطريق و الأرجح أن السكر أدا بهم إليها من دون وعي منهم ، أيا كان السبب فلقد وجدوا جثة الأول ورأسه مهشم على صخرة من الكلس الأحمر أعيد طلاؤها بدمائه و سوائل دماغه الذي ظهر للعيان ، تقدموا بعض الخطوات في درب ضيق ليجدوا أخاه و هو يتوسد أحد القبور و جهازه الهضمي يفترش الأرض في شكل غير طبيعي ، تخيله مقلوبا كأنه جذع الشجرة و أكمل صورة الأعراف المتناثرة بأحشائه الطويلة ، و لن يستطيع أحد أن يصف لك جثة الجندي الثالث ، لأنهم لم يجدوها ، كل ما و جدوه هو أثر جر و ساقية من الدم ، تبعوها فإنتهت إلى الجدول الذي كان واديا في ذلك الزمن و اختفى أثره ، بحثوا عنه في الغابة التي تخللها الوادي لأيام من دون جدوى فما إن يقترب المغرب فإنك لن تجد فيها إنسيا ، و حسب صديق جدي الساكن ليس ببعيد عنها ، فقد أخبره بأنه سمع صراخا في عتمة الليل فخرج أمام كوخه متأكدا أن ما يتحسسه آت من المقبرة و بقي مترصدا ، لم ينتظر طويلا ، صراخ مدو ليتم قطعه فجأة ، نداء نجدة متردد ، ثم عويل ختم بغرغرة ، و آخرها بكاء و طلب للرحمة رفع الصدى صوته في ذلك الليل الغيهبي لكنه بدأ بالخفوت و الضعف كأنه يبتعد حتى انعدم ، كل ذلك بتلك اللغة الإفرنجية ، و لا طلقة رصاص واحدة ، ولا صيحة مجاهد بالتكبير ، لم تكن معركة ، لقد كانت مذبحة ، و قبل بزوغ الفجر بقليل تمكن منه الفضول و ذهب نحو المقبرة و كان أول شاهد على المنظر و ولا مدبرا ، و في ذلك اليوم حكى لجدي قصته و ختم كلامه بقوله
” لا أظن أن من فعلها ببشر “

تم القبض عليه بتهمة التواطئ في الجريمة مع المجاهدين بعد أن رآه أحد الخونة و هو يغادر المقبرة فجرا ، تم إعدامه بتهمة لا أحد يعرف كيف أداها ، فالرجل لا يستطيع المشي من دون عكازته حتى ، وهجر الناس المقبرة و طريقها حتى الإستقلال ، لكنهم لم يلبثوا ان عادوا لدروبها ، ومعها عادت الحوادث و التي خلت بعضها هذه المرة من المشهد الدموي و إن لم تخلوا كلها من الموت ، كحادثة موت عجوز كانت دائما ما تتجسر على قطوع المقبرة كمختصر إلى بيتها و البعض يقول أنها تفعل ذلك حتى ليلا إلا تلك الليلة ، دخلت ، ماتت ، أخرجت ، رثيت ، غسلت ، أعيدت ، و دفنت .

و كذا قصة الفتى المجنون الذي كان يهاب المقبرة بسبب تخويف الغير له منها فكان يستمتع البعض يإمساكه و التظاهر بأنه سيذهب به إلى المقبرة فينفجر المسكين صارخا و باكيا مناديا ” لا لا سيأكلني الغول ” و أحيانا يستبدل العجوز الساحرة بالغول ، و لك أن تتخيل الرعب الساكن به من تلك الأرض لدرجة أنه لم يستطع دخولها يوم ووريت أمه فيها ، مرت السنوات و وجدوه جثة متجمدة و هو يأخذ قبر أمه بالأحضان ، و كأنه يعتذر لها من جبنه يوم تركها تدفن دون أن يودعها ، لا أحد يعرف كيف ميز مآل أمه ذو الشاهد التقليدي و المرتمي بين عدت قبور متشابهة على ثنايا هذه الأرض لأن لا أحد من أهله يحكي له عن المقبرة .

أما في الحرب الأهلية، فقد أصبحت المقبرة مسرح للدم ، فحدث و لا حرج ، جثث بلا رؤوس ، رؤوس بلا جثث ، و في هذا الزمن بدأ سيط ساكن المقبرة يضعف بسبب المنافسة ، و أصيب الناس بالإلتباس فعلى من ينسب هذا العمل و على من ينسب الآخر ، هل إلى وحش المقبرة أم إلى وحوش البشر ، و آخر قصة أعرفها حدثت و أنا في الثامنة من العمر ، هي جريمة قتل أخرى ، الضحية كان فيها رجل سكيرا لطالما جاب شوارع القرية ليلا و هو يغني أو يتحدث مع نفسه و أحيانا يجري و هو يصيح من طيف يطارده ، إلا تلك المرة فقد كانت صيحاته مختلفة ، كانت حقيقية ، بعد يومين وجدوا جثته في المقبرة ، أو نصفه العلوي على الأقل من دون ذراعين ، كل ما تبقى منه هو قفص صدري خال من أي عضو و رأسه ، لم يعثر على القاتل ، لكن للكثيرين شكوكهم .

ارتشفت ما تبقى من كوب الشاي الثالث و أنا ألمح ساعتي و أتتبع عقرب الثواني ، 59 ، 00 ، توحدت العقارب جميعها مؤشرة على حلول الساعة السحرية ، قفزت من مجلسي و نفضت عني الملل ملتقطا مصباحي و هراوتي ، و خرجت من الغرفة متأنيا في مشيتي ، و لولا إجباري من قبل عمي على القسم بأن لا أخرج منها إلا خلال مواعيد الدورات لما كنت أبقا بداخلها لهذه المدة ، سعيت في دربي كما العادة فلففت بجدرانها و تفقدت بعض ملحقاتها لأترك الأفضل للأخير و هي المدرسة القرآنية الصغيرة ، أعلى نقطة فيها ، قابلت المبنى الطيني القديم و فتحت بابه الخشبي العتيق و الصغير ، فلا تدخل منه حتى تحني رأسك أيا كان طولك ، و كأنه مخصص للصغار فقط ، و فور ولوجي هجم علي خليط من روائح التراب و الحبر و الألواح المطلية بالصلصال لتذكرني بالصغر كالمعتاد في كل مرة ، نزعت حذائي و جلست على البساط المفروش ، و أغمضت عيناي في ذلك الظلام ، ليبدأ عقلي بتجسيد أصوات تلك الأيام ، صوتهم وهم يقرؤون من آيات الله ، من صغيرهم الذي تلتبس عليه كثير من الحروف و الكلمات ، إلى كبيرهم الذي يتوسد الزاوية مجتهدا في الترتيل بصوت يقرب صوت استاذه ، و معلمي رحمه الله و أنا أقرأ عليه ما كنت أظن أنني أحفظه مصححا لي مواقع عثري و لحني ، ليجتثني من أحلام يقظتي صرير مفصل الباب الصدء و هو يجر رغم ثقله تحت وطأت الريح التي هبت فجأة ، خرجت مغلقا الباب ، لأستشعر تغير في الجو وهدوء مألوف ، أدركت أن العاصفة تقترب ، التفت إلى ضوء المدن البعيدة كعادتي و مشيت في درب العودة ، و قبل نزولي من الهضبة الصغيرة التقط أنفي شيئ يسافر مع نسمات هذه الليلة ، أمسكته و حبست نفسي غريزيا شاعرا بالغثيان ، ما شممته كان أشبه برائحة البيض الفاسد ، أرخيت القبضة عن أنفي متوجسا لكن الرائحة اختفت ، لست غريبا على روائح الموت و الفساد ، لذلك أعلم أن هذه الرائحة حادة و لا يمكن لنسمة أو رشة ماء أن تقضي عليها ، تحسست النسمة القادمة بأنفي و لم أشتم أي شيء ، على كل حال المصدر على الأرجح حيوان نافق أو ما شابه ، سأتفقد ذلك في الفجر .

عدت للغرفة بعد مشية طويلة ، أشعلت الكانون الصغير لبعض التدفئة و أدخلت رأسي تحت المكتب القديم ، أبحث بين الخردة و الصناديق عن سبيل للتسلية و الإلهاء ، لم أطل البحث حتى و جدته ، لقد كان صندوق أحذية خبأت فيه بعض الروايات لحالات الملل الحاد مثل الليلة ، لست قارئ نهم للروايات أو أي نوع من الكتب حقا ، لكن حصيلتي تشمل بعض الأعمال الكلاسيكية العربية و العالمية ، و بين تلك التشكيلة البسيطة اخترت رواية صغيرة كانت هدية من زوجتي المستقبلة ، و رغم علمها بكرهي لكل شيء مبالغ الرومنسية ، إلا أنها تبقى هدية ، و أقل ما يمكنني فعله هو أن أحاول قراءتها ، لنقل ربعها أو أقل بقليل ، بدأت القراءة و قد كانت الصفحات الأولى ثقيلة جدا لكن الأحداث سرعان ما تنامت و بدأت القصة بالسير ، شاعرا بذلك العزل بين الواقع و الخيال عندما تنجرف مع أحداث رواية أو فيلم جيد ، دام ذلك لوهلة لم أتبن مدتها ، حتى سمعت إسمي ينادى به ، تصلبت في مكاني ، و شعرت تماما كما يحدث لك عندما يناديك المعلم لتجيب و أنت سارح بذهنك ، التفت ورائي نحو الباب المغلق ثم إلى النافذة الزجاجية على يميني ، لا شيئ سوى العتمة ، كان الصوت ضحلا و ضعيفا ، فأرجعته إلى مخيلتي و ضحكت في نفسي عائدا إلى روايتي ، كنت قد و جدت السطر الذي توقفت عنده حتى نوديت مجددا ، انتصبت في مكاني لافا بصري نحو النافذة هامسا بالبسملة ، و أدركت أن من يناديني ينتظرني خارجا ، تشجعت و تقدمت نحو النافذة متوقعا ظهور و جه شاحب أو يدا و هي ترتطم بالزجاج ، فتحتها و لم يبقى بيني و بين من يسكن العتمة سوى شباكها الحديدي ، لم أستطع مد بصري سوى لخطوات من الغرفة لقد كان عمود الإنارة الوحيد و الخافت هو ما صنع حدود عالمي في تلك اللحظة ، شعرت بأنني محاصر و تعالى في نفسي ذلك الإحساس الذي مسني قبل دخولي للمقبرة ، شعور المحارب و هو يدخل منطقة العدو ، شعور الخروف و قد ابتعد عن مرعاه و ولج إلى الغابة ، شعور الطريدة ، تراجعت و قد بدأ الخوف و الإرتباك ينال مني و أصبح صوت تنفسي مسموعا ، حتى تمالكت نفسي بعد أن جلست و هدأت من هلعي بذكر الله ، ليرمي لي ذلك الجزء من عقلي ، ذلك الجزء الذي يجعل من كل شيء مملا لكن آمنا ، بفكرة
(أحدهم يضحك عليك)

و جدتني أتبسم بعد أن اضمحل الإضطراب بداخلي ، لا يوجد قاتل مناسب للخوف أكثر من الغضب ، أمسكت هراوتي و فتحت الباب مستقبلا الليل ، لترتطم بوجهي أولى قطرات المطر البارد ، و تهب الريح مصفرة فوق رأسي ، لابد أنها من حفز مخيلتي و استدعى تلك الأصوات ، بيد أن تمنطقي لم يصمد طويلا ، فما إن أتى صوت الجر من الظلام و تردد معه أنين أنثوي لفه الألم ، عدت إلى حالتي و أسوأ ، و تيبست في مكاني متوجسا ، شاخص البصر نحو مأتى الأنين ، ليظهر وجه من يطلبني في هذه الساعة من الليل ،بين برزخ النور و ظلام ، كان وجه فتاة شاحبا أزرق غطى تقاسيمه تراب الأرض كأنها خرجت من قبرها للتو ، بادلتني نظرة الفزع و كأنني أنا من تقمص دور الشبح ، توسعت عيناها السوداتين و تجمدت علي و بقيتا كذلك لوهلة ، و في تلك اللحظة أدركت أنها ليست حية ، أفتقدت شيء هو للأحياء فقط ، ذلك الإرتجاف الطفيف الناتج عن توتر في العضلات و نبض القلب ، فكل شيء فيها كان يابسا و ساكنا و ميت ، ثم قطعت لقاء عينينا و أكملت جر نفسها منزلة رأسها و هي تناديني ، أعتقد أنني كنت لأكسر نفسي من ذلك التجمد و أتقدم نحوها لأساعدها على نية انها بشرية شاحبة تلف نفسها بلفافة بيضاء فقط لا غير ، مجرد مزحة سيئة كبرامج الكاميرة المخفية ، أو ربما هو حادث يعسر شرح و تفسير أسبابه و التي أمامي هي جريح يحتاج للإسعاف ، لولا صوتها الخاوي و المجوف ، كأنها لا تمتلك رئتين أو حنجرة ، كأن الأرض هي من تكلمني ، لذلك كلما نادتني إزداد قلبي غوصا في ذلك البئر ،و كلما جرت نفسها نحوي في حركتها المتيبسة و البطيئة إزداد تجمد دمي ، و بدأت تدنو و تقترب إلى أن تقدمت بما يكفي إلى النور ،ليظهر باقي جسدها و تظهرالدماء ، شارحة لي سبب جرها لنفسها ، لقد كان رجلاها المحطمتان المهشمتان و لن أجد تشبيها أفضل لهما من كونهما هريس لحم و عضام لم تتعلقا بها سوى بسبب مضغة لحم أو جلد لا زالت تقاوم ، شعرت باضطراب في بطني و ظننت أنني سأفرغ معدتي هنا و الآن، حتى توقفت مجددا و نظرت إلي مجددا و رأيت شفتيها الأرجوانيتين تفترقان ، لم تناديني من قبل سوى في الظلام أو هي تجر نفسها مكبابة الرأس ، لم تنادني و هي تنظر إلي ، إن فعلت ذلك فالويل علي إن أدمت البقاء هناك للحظة ، لكنها لم تفعل ذلك طبعا لسوء حظي ، ما خرج منها لم يكن اسمي و إن كان نداء ، ما نبست به لم يحثني على الهرب ، بل أسوء شيء في تلك اللحظة ، لقد حثني على التفكير ، ما قالته لي بصوتها المرتجف كان
” النجدة ، إنهم يأكلونني “

بدأ فمي يفتح و يغلق كسمكة تحتضر، مجاهدا نفسي لإسترجاع قدرتي على الكلام ، و ما إن فكت أعصابي المشتدة عقالها عن حنجرتي و خرجت مني بعض الكلمات بصوت بح مشتت
” هل ..ل أنت بخ…”

دوى من الظلام عواء كخوار البقر شق أوردة قلبي كلها ، التفتت الميتة نحو الصوت لتهمس بهمسة كحسيس الأفاعى ويجيبها الظلام المحيط بنا و كأنه صدا لها بهمس أقوى ، قفزت من دون وعي أو تفكير ، نحو ملجئي الوحيد من هذه الليلة ، لم أدرك ما فعلته حتى سمعت الباب و هو يوصد ، و يدي تسحب القفل لينغلق ، مع ذلك زاد صوت الهمس و تضخم حتى ظننت لوهلة أنه يأتي من داخل رأسي ، من كل مكان ، لينعدم فجأة تاركا رنينا في أذني كأنه لم يكن ، و ليعود إلي الشعور بالعالم من حولي و صوت المطر و هو يهطل في الخارج ، لم أدرك غزارته و بللي حتى الآن ، ألقيت بظهري على الجدار و انزلقت منه جالسا ، لتمر علي لحظة من السلام و الشعور بالأمان و لو قل ، لكن تلك الليلة لم تكن قد انتهت مني بعد ، اشتدت الريح خارجا و ارتجف ضوء الإنارة و غادرني هو أيضا و لم يبقى لي سوى نور الكانون الصغير ، و كأنني أحسست بالقادم ، شددت قبضتي على الهراوة و وضعت أذني على الباب ، و رغم هطول المطر الغزير ، ميزت صوت الأقدام و هي تغمس في الوحل ، كان صاحبها سريعا و سلس الحركة و مقصده معروف ، نحوي ، توقفت خطواته القريبة فجأة ، اهتز شباك النافذة المفتوحة ، فزدت التصاقا بالزاوية مختبئ من من يتفقد الغرفة ، عادت الخطوات و كان المستهدف هذه المرة هو الباب الذي أمامي ، كنت قد و قفت قبل أن تصل الأقدام المستعجلة إليه ، بدأ من قابلني وراء الباب بتفقده ، كان صوت خدش مخالبه واضحا و تردد وسط الغرفة الصغيرة ، ثم استسلم و ابتعد ، أو ذلك ما ظننته ، اشتد وقع خطواته و اقترب بسرعة ليدوي الباب و يهتز بسبب إصطدامه به ، لم أتردد لثانية و ألقيت بوزني على الباب شاعرا بقوة الضربة الثانية و هي تمر بجسدي ، كأن من ورائها ثورا سمعت الهجوم التالي و هو قادم و رغم تحفزي له فإن الضربة أخرجت الهواء من رأتي و أسمعتني صرير القفل و هو يكاد يكسر ، لن يتحمل الباب الهزيل الكثير ، و ليس لدي أي فرصة لأقتال هذا الشيء في هذا الظلام ، دب الهلع في نفسي و أنا أسمعه يجري نحو الباب مجددا ليلقي ضربته القاضية ، تخيلت الباب و هو يكسر و أحشائي و هي تمزق من قبل صاحب الخوار و أنا أصرخ و أستنجد إلى الظلام
” النجدة أنهم يأكلونني ! “

اسطكت أسناني و تحرك شيء بداخلي و أطلقت صرخة ملؤها الغضب و السخط و الرعب ، و لم أتوقف عن الصياح حتى استهلكت كل الهواء في رأتي و آلمتني حنجرتي ، لأسمعه يكبح هجومه و هو ينزلق في الوحل و يرتد مبتعدا عن الباب ، أنصت مترقبا الآتي و قلبي قد تجرع اليأس حتى اشهق ، لكن كل ما التقطته أذناي كان صوت السماء المضطرب و مطرها الغزير و هو ينخر الأرض و شهيقي المتردد و الحاد ، اختفى وجود المسخ الذي يريدني من مسمعي ،و ترك مخيلتي لتملئ مكانه الفارغ في هذا العالم ، أين ذهب هل اختفى حقا أم أنه لم يتحرك من مكانه و هو الآن يترقب فتحي للباب …

انغمست في سيل من الأفكار الجارفة و أنا متكئ على الباب بكل وزني ، و بعد مدة طالت قليلا عن غياب الوحش ، طفت بعض الافكار المطمئنة هامسة لي بأنه قد ابتعد و زال الخطر و بدأ جسدي بالتذمر مرتعشا بسبب بلله الشديد ، فتقدمت ببطء قاصدا دفء الكانون ، كان ذلك خطأ لا يغتفر ، إذ شعرت به يراقبني ، التفت نحو النافذة المفتوحة ، لأسمع شباكها المعدني يهتز بعد أن تسرح من وزن من كان يتكئ عليه ،و ابتعد المسخ ليلقي و هو مدبر ضحكة حادة و مريضة لا تمت للبشرية بصلة ، و كل ما ترسمه عن صاحبها ،حيواني و بشع .

لا أعرف ،ربما بسبب أحد القصص التي سمعتها أو ربما بسبب الرعب الذي أغدقت به علي هذه الليلة ، أو ببساطة السبب أنني جننت ،لكن فكرة تردد صداها في مخي و لم استطع إسكاتها ، أيا كان مأتاها ،أنا لا أحبها و لا أصدقها ، فهي توحي بالكثير ، الكثير المرعب ، ما خطر على بالي في تلك اللحظة كان
” إنه الآن يعرف وجهك ” ..

تاريخ النشر : 2021-07-20

مقالات ذات صلة

16 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى