أدب الرعب والعام

سيعود غداً

بقلم : مؤنس نورالدين بدرالدين – لبنان

شاهدت روني و كان محاطاً بهالة بيضاء كالملاك و رأيتها تفتح له الباب وتضمّه إلى صدرها
شاهدت روني و كان محاطاً بهالة بيضاء كالملاك و رأيتها تفتح له الباب وتضمّه إلى صدرها

الحب هو الظلام وليس غياب النور هو الظلام ، القناعة بأن الحب لن يعود هي قاتلة ، يقولون بأن الحب يدور في دائرة لكي يعود إلينا دائماً بأشكال مختلفة ، كحب الوطن أو حب العائلة ، أو حب أشياء وأماكن كنا قد نسيناها ، هناك بائسون في هذا العالم يبحثون عن الحب ولو لوقت قصير ، يلهثون وراء حب زائف ، حب قاسٍ يكاد يقتل من يقع فيه ، حب بلا مستقبل ، حب ليس في مكانه المناسب ، حب لمن لا يبادلهم الحب ، يمضون أوقاتهم بانتظار الحبيب المشغول عنهم ، ينهارون فيبدأون بالبكاء ، أعيادهم كوابيس ، والثواني في حياتهم ساعات يمضونها في انتظار من لن يأتي ، لا يطلبون الكثير ممن يحبونهم ، مجرد نظرة أو ابتسامة أو رقصة لمدة ثوانٍ في حفلة قد تطول لساعات .

كان يكفيني أن أراها ، ولو عن بعد أمتار ، كنت أريد أن أكون بقربها ، بدأت أختلق الفُرص لكي أكون قريباً منها ، كانت تحب شخصاً آخر ، لكني لم أفقد يوماً الأمل ، كنت أنتظر أن تتركه ، مرّت الشهور وأنا أنتظر ، كانت ابتسامتها لي تكفي لكي تجعلني أحلم وأنتظر ، اشتريت لها هدية عيد الميلاد ، كنت أنتظر الفرصة المناسبة لكي أعطيها إيّاها ، إلى أن قالت لي : لقد أحضرت لك هدية ، أخذ قلبي يدقّ بسرعة ، أجبتها : أنا أيضاً أحضرتُ لكِ هدية ، أسرعت وأعطيتها زجاجة عطرها المفضّل ملفوفة بعناية ، قالت : لكن هديتك ليست معي الآن ، لقد أحضرتها لك لكي ترتديها في مناسبة مهمّة جداً ، لقد اشتريت لك شالاً لكي ترتديه في حفلة العرس ، سألتها : عرس من ؟ أجابت : أنا و رامي سنتزوج ، لم أستطع إخفاء صدمتي ، فهِمت بأن هناك شيئاً ما أزعجني بشدّة ، لكني تظاهرت بأنها صدمة الفرح من أجلها .

تابعت حماسها قائلة : أريدك أن تطلب من أحد أصدقائك كُتّاب المسلسلات الكتابة عن العرس وتحويل القصّة إلى مسلسل ، لكي أشاهده وأقول : هذه قصّتي أنا و رامي ، أجبتها بهزة رأسٍ تدلّ على الموافقة ، كنت أفكّر : سأكتب قصّة زفافها من شخص آخر ، داخل مسلسل قصّته تُنسب إلى شخص آخر ، أجل أنا أكتب مسلسلات أبيعها بثمن زهيد لمن يريد أن يشتهر فيضع إسمه عليها ، أنا أكتفي بالقليل من المال ، وهم و بسبب شهرتهم يحصدون الكثير.
تظاهرت بإصابتي بتلبّك معوي ، قلت : القريدس الذي أكلته قد لا يكون طازجاً ، توجّهت نحو المنزل وأنا أشعر بالبرد ، جلست في المنزل وحيداً أرتجف ، الطقس ازداد برداً أم خيبتي هي التي أشعرتني بالبرد ؟.

كان العريس قبل العرس فرحاً ، كانت قد عرّفتني عليه قبل العرس ، وبما أنه أصبح يعلم بأني صديقها المُخلص فقد أراني المجوهرات التي سيقدّمها لها ، وسألني عن رأيي ، كُدت أن أتمزّق من الداخل ومع ذلك أجبته : جميل ، جميل جداً ، كُل شيء كان يتمحور حولها ، وهو كان يتصرّف كفائِزٍ في سباق عالمي .

أذكُر لقائنا قبل سنوات ، كانت صغيرة مرحة كالفراشة ، كانت ترقص في حفلة ، اقتربت منها و وقفت أحدّق في وجهها ، لم أنتبه بأنها توقفت عن الرقص و بدأت تنظر إليّ ، اعتذرت قائلاً : الموسيقى الصاخبة شتّتت أفكاري ، أجابتني : لا بأس ، أنا أيضاً أضيع مع إيقاع الموسيقى ، جملة منها كانت تكفي ، لقد خاطبتني وجهاً لوجه ، ماذا أريد أكثر من ذلك ؟ بعدها بأيام كانت تسير على الرصيف المقابل للرصيف الذي كنت أسير عليه ، شاهدتني ، أرادت اجتياز الشارع للوصول إلي ، ربما صدفة لا أكثر ، لكني ارتبكت و دخلت إلى أحد المحال بحجة شراء شيء ما ، شاهدت من الزجاج نظراتها الحائرة تبحث عنّي .

مرة ثانية كدنا نتلاقى صدفة ، لجأت إلى أحد المحال لكنها كانت جريئة فتبعتني ، كأنها أرادت استكشافي ، الجميع كان يتبعها وأنا كنت أفرّ منها ، لم أكن أتخيّل بأنها تهتم بي ، تكلّمنا ، خرجنا معاً من المتجر ، أوصلتها إلى قرب منزلها ، قالت لي : لما لا تدخل ؟ أجبتها : مرة أخرى ، لم أرد أن أتطفل ، لربما كانت دعوة عابرة .

كانت وقتها المطربة مادونا في قمّة شُهرتِها ، كانت تُقلّد حركاتها وتُغنّي مثلها ، ساعدها في ذلك جمال صوتها وأناقتها ، أنيقة منذ صغرها ، كانت محطّ أنظار الشُبّان ، واثقة من نفسها ، ألتقيتها في حفلة ، تكلّمت معي وكأنها تعرفني منذ زمن ، كانت نظراتنا قد ألتقت سابقاً عدّة مرات في الشارع ولكننا لم نكن أصدقاء ، كنت أرتجف من الدهشة وأنا أتكلّم معها ، هل يهمها أمري ؟ أمرها كان يهمني بالطبع.

بعدها بأيام كانت تحتمي تحت بلكون من المطر ، كنت لحسن الحظ أحمل مظلّة ، اقتربت منها وعرضت عليها إيصالها ، كُنا تحت المظلة ، كتفها كان يلتصق بكتفي ، شعرت بأني أمتلك العالم ، قطرة من المطر أصابت وجهها ، ظننت بأنها تبكي ، مسحت لها بأصبعي القطرة ، سألتها : سمر ، هل تبكين ؟ ضحكت وأجابت : هذه قطرة من المطر أيها الواهم.
أجبتها : تستطيعين أن تبكي إن أردتِ ، أطلقي دائماً العنان لمشاعركِ ، أجابت : أنا أحب الحياة ، لا شيء يحزنني ، لا شيء يستحق أن نبكي من أجله يا صديقي .
 توقفت عند كلمة صديقي ، على الأقل تعتبرني صديقها وهذا إنجاز لي .

ألتقينا مرة أخرى ، وقفنا صامتين ، لم أعرف ما أقول ، هربت مني الكلمات ، ثم سألتها : هل تحبين الأفلام القديمة ؟ كان يجب أن أقول شيئاً فطرحت عليها هذا السؤال ، أجابت : طبعاً ، أشاهدها بكل شغف ، لما أحبها ؟ لا أستطيع التفسير ، ربما لبساطتها وغرابتها كحالنا نحن ، أو لأنها أحيانا تكون مشوشة أو بلا معنى كالحياة .

أحسست بأن بيننا على الأقل شيٌء مُشترك ، بدأت أشعر بأني أعيش قصّة رومانسية من جانب واحد ، أثناء التحضير للعرس كنت أتكلّم مع إحدى صديقاتها ، فتاة جميلة ولامعة ، وضعت يدها على كتفي وهي تكلّمني ، أزلت يدها بانزعاج ، قالت : أريد أن أقول لك شيئاً ، أجبتها لا أريد سماع قصصك أو أرى في عينيكِ الشفقة ، كنت أظن بأنها لاحظت الحالة التي أمر بها ، لكنها تابعت : أيّ شفقة ؟ وعلى ماذا ؟ كنت أريد أن أطلب منك أن تكون شريكي في سهرة العرس فأنا ذاهبة لوحدي ، قلت بتعجّب : هل طلبت منكِ سمر اصطحابي كخدمة ؟ أجابت : لا على الإطلاق ، سمر لا تعلم عن الموضوع شيئاً ، أجبتها : إذن نلتقي في سهرة العرس .

التحضير للعرس أخذ من سمر كل وقتها ، لم أرها قبل العرس طوال أسبوع ، حضرت إلى سهرة العرس واضعاً الشال الذي أهدتني إياه ، حضرت قبل مُنى بدقائق ، ثم أتت مُنى بكامل أناقتها ، جلسنا نتحدث إلى أن أتى العروسان ، سمر كانت جميلة في فستان الزفاف ، كانت أجمل من سندريللا في القصة الخرافية ، وها أنا أحضر عرسها ، لولا وجود مُنى معي لما استطعت البقاء ، حتى كلمات أغاني الزفاف كانت تضيع من أذني ، كانت سعيدة ، هذا ما كان يواسيني فمن يُحبّ يُسعد لرؤية حبيبه سعيداً .
أنتهى الحفل ، سألت مُنى : إن كانت تريد منّي إيصالها إلى منزلها ،؟ أجابت : شُكراً ، لقد أتيت بسيارتي .

سافرت سمر مع زوجها لعدة أشهر إلى الخارج ، فور عودتهما كلّمتني بالتلفون قائلة : نحن عدنا ، ننتظر زيارتك .
كُنت أريد أن أراها ، كيف أصبحت ؟ هل تغيّرت ولو قليلاً ؟ هل هي سعيدة ؟ كنت أنتظر بفارغ الصبر موعد زيارتي لها ، زرتهما في اليوم التالي ، كانت السعادة ترفرف فوقهما ، كانت يده معظم الوقت تستريح على كتفها ، انتفاخ في منطقة البطن عندها جعلني أسأل : هل من طفل قادم ؟ أجابت وهي تبتسم : أجل ، إنه صبيّ .

مرّت الأيام وأتى الطفل إلى هذه الدنيا ، كان جميلاً محبوباً من الجميع ، ما إن كبِر قليلاً حتّى أصبح يعبّر عن فرحته عند قدومي لزيارتهم ، يعطيني لعبة قد فكّكها لكي أعيد تركيبها له ، كنت أقول له : والدك يستطيع تركيبها ، لماذا انتظرت قدومي ؟ كانت سمر تجيب : لا تتعب نفسك ، لا يثق إلا بك .

مرّت أربع سنوات ، ألتقيت بمنى مرّات عدّة عندهم ، كان يجب أن أعيش الواقع ، الاستلطاف كان مُتبادل بيني وبينها ، لذلك و بمباركة سمر و زوجها والصغير روني تزوّجنا.
في المناسبات كنّا أربعة لا نفترق ، عائلة كبيرة موحّدة .

أقترب روني من عامه السابع ، بدأت استعدادات سمر من أجل عيد ميلاده ، كانت تسير في السيارة وترسل رسائل نصيّة من أجل الدعوات ، كان روني يجلس في الخلف ، لم تضع له حزام الأمان ظنّاً منها بأن وجوده على المقعد الخلفي كافٍ لسلامته ، سيّارة آتية بسرعة تجاوزت سيارة أمامها فأصبحت مباشرة مقابل سيّارة سمر ، شاهدتها سمر في اللحظة الأخيرة ، لم تستطع تفاديها فكان الاصطدام ، قوّة الاصطدام رمت بالولد من الخلف إلى أمام السيارة مصطدماً بالزجاج الأمامي ، سمر أصيبت بجروح متوسطة وفقدت الوعي ، عندما أتت سيّارة الإسعاف كان روني قد فارق الحياة ، سمر نُقلت إلى المستشفى ، فور استيقاظها سألت عن أبنها ؟ فأجابوها : بأنه في مستشفى خاص بالأطفال ، لم تستمر الكذبة طويلاً ، سرعان ما شاهدت الحادث على التلفزيون مع تعليق المذيعة بأنها الأم المهملة ، الأم القاتلة ، الجميع علم بأنها أخطأت بعدّة أشياء ، استعمال الهاتف ، عدم وضع حزام الأمان للصبي ، عدم الانتباه للطريق أمامها .

بعد مغادرتها المستشفى سافر زوجها ولم يعد ، تطلّقا عن طريق محاميه ، بقيت في المنزل لوحدها ، كانت كئيبة ، نظراتها كانت مركزّة على اللامكان ، شعرها دائماً بدون ترتيب ، أعينها متعبة من قلّة النوم ، عزلت نفسها عن العالم الخارجي ، كنا نزورها من وقت لآخر ، استقبلتنا في المرة الأخيرة قائلة : هل تعلمون أن روني عاد إلى المنزل ؟ لقد كان يعيش مع عائلة أخرى ، كان فاقداً للذاكرة ، لقد عاد البارحة ، لقد تناولنا طعام العشاء معاً ، لقد قال لي : بأنه يحبني ، قال لي : بأنه لا يلومني بسبب الحادثة ، قال : بأن أيّ شخص قد يتكلّم بالتلفون أثناء القيادة ، لقد نام إلى جانبي في السرير ، قال لي : بأنه مشتاق لضمّة منّي ، أنا مشتاقة أيضاً ، في الصباح عندما استيقظت لم أجده ، لقد ذهب بالتأكيد لزيارة العائلة الثانية ، لقد حضّرت له ملابسه ، ها هي على الطاولة ، تعالوا غداً لرؤيته سيكون هنا ، بالتأكيد غداً سيعود .

كانت عيني تدمع وأنا خارج من منزلها ، قلت لزوجتي : مسكينة ما زالت تردد هذه القصّة ، لقد سجنت نفسها في دائرة زمنية مغلقة ، كم أنا آسف لأجلها !.

في مساء اليوم التالي وأنا عائد من العمل ، مررت بالقرب من منزلها ، شاهدت روني ، كان محاطاً بهالة بيضاء كالملاك ، كان يطرق باب المنزل ، تمهّلت قليلاً ، رأيتها تفتح له الباب وتضمّه إلى صدرها ، لم أستطع تفسير ما رأيته ، قد يكون الحب أقوى من الموت أحياناً ، فها هو روني كلّ مساء كان يعود !.
 

تاريخ النشر : 2020-07-05

مقالات ذات صلة

62 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى