أدب الرعب والعام

صندوق الحب

بقلم : ايناس عادل مهنا – سوريا

زهدنا بالحب حتى قبل أن يطرق أبوابه لنوافذ قلبينا
زهدنا بالحب حتى قبل أن يطرق أبوابه لنوافذ قلبينا

 
لم تكوني في حياتي مجرد سحابةٍ عابرة ، بل كنتِ كالسماء ..كالأرض والهواء ،  تنفست وجودكِ دون إدراك ، لكني زفرتك باحثاً عن الحب ولم أفقه أني غارقٌ فيه ، مغموسٌ بين قطرات حروف اسمك الماطر … يا مطر .
 
******
 
(( أتعرفين ….
لم أشأ بأن تكبري يوماً ، كنت أعشق لحظات طفولتنا معناً ، أيام براءتك ودهائي ، منذ سنواتنا الأولى أدركت كالجميع أن غيث لمطر… ومطر لغيث .
 
فحالة التشابه التي تسيطر على كلينا كانت كفيلة باجتماعنا سوياً ، نحن نتشابه بلون عيوننا التي تشبه السماء لحظة الغسق ، نتشابه بالأفكار ، بالطيش ، بالجنون … نتشابه حتى بالأسماء ، نشأنا على الحب الذي خطه القدر على صحائفنا لحظة اللقاء الأول ، فعندما رأيتكِ للمرةِ الأولى كنتِ ملاكاً حديث الولادة وكانت والدتك قد قررت تسميتك بمطر لأن أول صرخة انطلقت من حنجرتكِ النقية اقترنت بهطول المطر ! وحينذاك أدركت أنك ستكونين جزءاً من كينونة حياتي ، وفعلاً كبرنا لندرك أن أقدارنا ارتبطت سوياً بميثاق الحب الذي أجبرونا على الشعور به دون وعيٍ أو إدراكٍ منا ، و لربما الاستسلام لكونك زوجتي المستقبلية كما قررت عائلتينا أن يكون فلم نعترض على ذلك بل وسارت حياتنا وفقاً لتخطيطهم ،
 
 أنت الآن بمرحلتك الثانوية وتخرجت أنا من كلية الآداب منذ سنتين والآن أعمل مع بعض دور النشر بوظيفة مدقق لغوي كما تعلمين ، خطوبتنا سنعلنها بعد تخرجك من الثانوية ، أي بعد بضع أشهرٍ فقط ، من المفترض أن نكون سعيدين يا عزيزتي … لكن أتدركين ما المشكلة ، وأسف لقولها : لا أشعر بسعادتي كما يتوجب علي كما لا ألتمس سعادتك بهذا الارتباط ،
 
ما زلت فعلاً أشك بمشاعركِ تجاهي ، بل أشك حتى بمشاعري التي لا أستطيع وصفها ، هل هذا هو الحب الذي لطالما حلمنا بأن يجمعنا ؟ لست أدري حقاً يا صغيرة ، اعذريني على صراحتي لكنك تعرفين بأني أبوح بأي فكرةٍ تقلقني ، أنا قلقٌ فعلاً من المستقبل.
لطالما تمنيت أن تلتاع روحي بعذاب الحب ، تمنيت أن أختلس لحظاتٍ من الزمن مع من ستكون محبوبتي ، تلك التي ستقابلني بالسر في نهاية الزقاق ، فأحتضن كفها ونهرب سوياً لنسترق لحظاتٍ من الزمن بعيداً عن أعين الجميع ، تلك التي ستكلمني همساً من غرفتها بصوتٍ يرتجف ، تلك الارتجافة التي كنت سأعشقها لا محالة ,، وستغلق الخط بوجهي فور اقتراب أحد أفراد أسرتها من باب الغرفة ، تلك التي سأتشاجر معها وتخاصمني بالأيام وحين نلتقي الحب فقط هو من سيبوح بالاعتذار ، لكن وبعلاقتي معك … لا خوف من أن أحد ، فعلاقتنا ومنذ الأزل مبنية على الوضوح ، لطالما اشتهيت فكرة الغياب والعذاب المرافق للحب وكما يقول منطقي الخاص ، العذاب هو من يضفي للحب مذاقه ونكهته المميزة ، لكن علاقتي معك يا مطر ، سلسة كالمطر ، ناعمةٌ كقطرات الغيث فعلاً ،
 
ألقاكِ بشكلٍ شبه منتظم ونخرج متى نشاء ونعود متى نشاء دون اعتراضهم ، فغيث لمطر… ومطر لغيث ، أنت مستسلمةٌ لأفكارهم لربما أكثر مني وحينما نخرج كان بريق عينيكِ حين اللقاء كقطرات الفجر الندية على الحشائش ، أتبكين للقائي ، اشتياقاً أو إجباراً فعلاً لم أكن أدري ! أسألك سؤالاً صرت أكرره كثيراً بالآونة الأخيرة : هل تحبينني يا مطر ؟ تجيبين بابتسامتك المشرقة أحبك يا غيث .
 
هل حقاً تحبينني ؟ هل تفقهين معنى تلك الكلمة التي ترددينها لي كثيراً وكأنها مرحباً أو صباح الخير ! أشعر دائماً بأن مشاعرك باردة ،  خاويةً من العواطف التي يتوجب علينا الإحساس بها ، وأعرف أنها بالنسبةِ لكِ مجرد كلمة لا تفقهين حتى جوهرها الحقيقي ، ولستُ أنا بأحسن منكِ ! لربما علاقتنا ليست تندرج تحت مسمى الحب بقدر ما تندرج تحت مسمى الاعتياد ، العِشرة الطويلة ، الأمان والطمأنينة .
 
ذكرياتنا معاً لا تتعدى ألعاب الأطفال وكلمات غزلٍ في فترة المراهقة وفقط ! كلمات لم يكن لها تأثيرٌ قوي على مشاعري ، بل كانت باردةٌ كذلك ، باردةٌ بشكلٍ مخيف يا عزيزتي .
 
زهدنا بالحب حتى قبل أن يطرق أبوابه لنوافذ قلبينا ، ساعديني يا مطر ، ساعديني لينجح هذا الحب الذي رسمه القدر لحياتنا ، ساعديني فأنا لا أقوى على الاعتراف وكالعادة لن تقرئي هذه الرسالة بل ستصبح أسيرة صندوق الحب كما اتفقنا على تسميته منذ المراهقة )
 
******
 
(هذه رسالتي العاشرة ربما ، لست أدري فلم أعد أحصي عدد الرسائل ، لكن كما اتفقنا منذ سنوات سأكتب كل ما يشغلني ويخيفني وأضعها بذلك الصندوق الأبيض الذي اتفقنا على أن يكون موطناً لاعترافاتنا التي لا نستطيع البوح بها ، سيكون لكل منا مفتاحه الخاص بقفل خاص ، بحيث لا يستطيع أحدنا أن يفتحه دون الأخر ، حتى تجيء اللحظة المناسبة.
 
أتعلمين. … فكرة الصندوق بدت سخيفة حينما اقترحتِها علي ، لكني وبعد سنة أدركت كم هو مهمٌ أن نرمي بعبء هواجسنا على ورق ،  لعل الكتابة ستفيد في إفراغ شحنات الخوف التي أشعر بها تسيطر على كلينا ولا قدرة لأحدنا بالاعتراف .
أنا آسف ، اعذريني ، سامحيني.
 
 
صرت أكره التوافق المستفز لكلينا وكأننا بذرةً شطرت لنصفين ، صار الروتين الذي يغلفنا كنار لاذعة لا ترحم  ، أفلامي المفضلة ، وجبتي ، أفكاري ، ممثلي المفضل ، الأغاني التي أحب الاستماع إليها … كل شيء كما تفكرين وكما تفضلين ، وكأننا كيانٌ واحد ، صارت علاقتي بك كالرعد ، كالصواعق التي تلسع جسدينا كلما التقينا ، أسفٌ على فظاظتي مؤخراً معك ، أسفٌ على كلمة أحبك التي أقولها بلا معنى ، على احتضان كفك بلا مشاعر حقيقية ، علاقتنا باتت خيانة لمعنى الحب ، خيانةٌ لجميع العشاق وسيلسعنا لهيب نارها يا مطر ).
 
 
*****
 
( سيمتلئ الصندوق ، يا لسخافة اعترافاتي والتي لا أفضيها سوى لهذا المسكين والذي سيفيض به الكيل إن تجرع رسالة أخرى من رسائلي !.
 
على الرغم من كل الهواجس والأفكار المتضاربة التي راودتني لكن خطوبتنا قد تمت كما هو مقرر ! بابتسامةٍ باهتة من شفاهك الوردية وبعيني البليدتين الخاليتين من الحماس ، تمت المراسم ، وصدعت الزغاريد والتهليلات من نساء العائلتين ، كان الحفل أنيقاً بسيطاً كعلاقتي بكِ ، لكن أتدركين ما الفاجعة التي زلزلت كياني حينها ، نظراتي التي حطت على شقيقة زميلي في العمل ! والذي دعوته ذلك اليوم ، أتدركين غباء ما مر بي حينذاك ! أتدركين كيف وأنا بجانبك عصفت بي امرأة غيرك ، اخترقتني عيونٌ أخرى ، ذات سوادٍ حالك وكأنها الثقب الأسود الذي سيمتص حياتي و يعيثها فساداً ، اقتربت مني مع شقيقها لتبارك لنا .
 
هذه شقيقتي جمانة ” قالها كريم لأغرق أكثر في هاتك العينين … غرقت بها يا مطر !.
كانت كالحلم تلك الجمانة ! والجميل أن اسمها هو بمعنى اللؤلؤ…تلك اللؤلؤة التي ظهرت بحياتي في التوقيت الخاطئ ، هل هي المصادفة أم الأقدار قد قررت أن تعيد ترتيب مسار حياتنا سوياً ، لست أفهم حقاً كيف جرى ما جرى ، لكن من حينها وبدأت أشعر حقاً بما يسمى عذاب الحب ! كنت أتمنى أن أهرب منها ذلك اليوم ، أن أهرب من طيفها الذي صار يشكلها أمامي في كل يومٍ يمر ، أنا معك بعقلي وجسدي لكن قلبي بات بمكانٍ أخر منذ ذلك اليوم ، بل وكل يوم يكون معها فقط لأني صرت أراقبها كالعاشق بشكلٍ سري كل يوم حين خروجها إلى الجامعة ! وشرودك يا مطر وأنت برفقتي بات يزداد يوماً بعد الأخر ، سألتني ذات يوم : هل تكتب اعترافاتك وتضعها بذلك الصندوق ؟ ” ضحكت مجيباً : لقد ملأت الصندوق يا صغيرة .
 
تعالت ضحكاتنا معاً فسألتك بتوجس وأنتِ هل تكتبين ؟
أطرقت رأسك حينها بصمت تفكرين ، كنت قبلاً أقرأك ككتابٍ مفتوح أما الآن فلا قدرة لي على ترجمة أحاسيسك ، لربما لانشغالي عنك في الفترة الماضية ، رفعت رأسك بعد دقيقتين من التفكير العميق مجيبة : اعترافٌ واحدٌ خططته…. ولا أظن أنني سأكتب سواه .
 
تملكني الفضول حينها يا مطر … الفضول لدرجة أن أفكاري باتت لا تتمحور إلا حول ذلك الاعتراف اليتيم منكِ ، ليتني أعرف ما هو ؟.
 
لكنكِ لم ترحمي فضولي بل اكتفيتِ بالتهرب عن فحوى ذلك الاعتراف لسنةٍ كاملة ، عرفتُ بشكلٍ ما أن جمانة قد تزوجت ، حينها كرهتكِ يا مطر ،  تمنيتُ أن تزهق روحك على يدي والمشكلة أني أحملك خسارتي في كل ما يمر بي من مشاكل في منعطفات حياتي ، صرتُ لاهثاً وراء الحب ، أبحث عنه بين وجوه النساء اللاتي أعرفهن في حياتي ، لعله يطرق بابي مع إحداهن ، وأعترف أني خنتك …
 
اعترف أنا بخيانتك على مدار تلك الأشهر ، مرة واثنتان وثلاث وأربع ، لكن الحب لم يكن موجوداً مع أي فتاةٍ عرفتها ، وأهملتك كثيراً من حينها وبذات الوقت أشتاقك ! ما هذا الجنون ؟ أراكِ تذبلين يوماً بعد أخر ولا أفقه سبب حزنك ، لربما لاقتراب موعد زواجنا ؟ هل كنتِ تبحثين عن الحب مثلي ؟.
 
حتى جاء ذلك اليوم يا مطر ، يوم زواجنا المنتظر من الجميع إلا من كلينا كما كان واضحاً وضوح الشمس , حينما كان المطر يشاركنا اسمينا ومشاعرنا … فقد كان ذلك اليوم عاصفاً غاضباً يضرب الأرض بعتابٍ كبير احتجاجاً على الجريمة التي سنرتكبها بحق مشاعرنا ، وبحق الحب ، لم ترتدي بعد فستان زفافك الأبيض ، وكنت أسير بغير هدى تحت ضربات المطر الموجعة ، كضربات قلبي خوفاً من اعترافٍ قد يؤلمك يا صغيرتي في ليلة العمر .
 
حينما وصلت ناحية العمارة رأيتك تقفين بانتظاري … تمسكين بالصندوق بدموع قد خالطت زخات المطر لتمتزج معها كروحٍ واحدة ، سألتكِ بقلقٍ عما بكِ لتهمسي برفق …. سنقرأ الليلة تلك الاعترافات يا غيث ” طرحت ما بجعبتي من خوف وارتباك واحتضنت كفيك القابضين على الصندوق وسألتكِ بقلق : هل أنت متأكدة ؟.
 
– لم أكن متأكدة بيومٍ كما أنا متأكدة الآن.
 
دلفنا لداخل العمارة سوياً و جلسنا على درجات السلم الداخلي ، وتطلعتُ بعينيكِ اللتين تحملان لون الغسق … تطلعتُ بمرآتي يا مطر ، بطفولتي … بماضيي وحاضري ، وأخرجنا مفتاحينا ، عددنا حتى الثلاثة كالأطفال وأولج كلٌ منا المفتاح بقفله الخاص ولا أعلم سر تلك الانقباضة التي اعتمرت بصدري حينها … كان الإحساس لا يُوصف ، لا يترجم بالكلمات ، وكأنني تعريت فجأة ، كل مساوئي وخياناتي هي بهذا الصندوق ، كانت أوراق رسائلي الزرقاء على مدار السنوات قد ملأت الصندوق ، لكنني أوقفت يديكِ اللتين سارعتا لالتقاط إحدى رسائلي ، منعتك قائلاً بعتاب : سأقرأ رسالتك اليتيمة أولاً …
 
عضضتِ على شفاهك بارتباك لكني كنت مصراً على موقفي ،  وصرت أعبث بين الرسائل حتى لاحت ورقتك زهرية اللون ، تطلعت فيكِ نظرةً أخيرة وفضضت الورقة .
 
حينها هربتِ من أمامي يا مطر ، هربت لتلتجئي إلى موطنك المطر لتقفي تحت زخاته ! ..
قرأت تلك السطور الناعمة الرقيقة ، كلماتٌ أستشعر صدقها للمرة الأولى ، ولأفكاري لسنواتٍ صارت طي النسيان فجأةً .
 
رويتِ حكايتكِ يا مطر … بشفافيةٍ مطلقة ، برقةٍ لا متناهية ، بسلاسةٍ ونعومة شعرتُ بكل كلمة خططِتها على الورق ، كلماتك سرقت روحي ، لخبطت عقلي وشتتت تفكيري ، لم نكن روحاً واحدة ذات أفكارٍ واحدة ، بل كنا روحين يا مطر ، تحبينني بقلبٍ نقي بريء ، كنت تعشقين أغاني المفضلة لا لأنك تحبينها بل لأنني من أستمع إليها ، وأكلاتي تعلمتِ إعدادها لأجلي فقط لا لأنك تحبين تلك الأنواع ,والأفلام والكتب والأفكار ….. أي غباءٍ كنتُ أعيش فيه وأي حماقة !.
 
كنتِ تخجلين من الاعتراف بأنك تشعرين بما أعتمر بقلبي منذ سنوات تجاهك ، لكنك يا صغيرتي أعطيتني درساً بالحب ، بالحياة ، ولربما كانت حلاوة الحب فعلاً ببساطته و وضوحه وانسجامه بين الشريكين والتي لم أكن لأؤمن بها سابقاً.
 
رفعتُ رأسي ناحيتك ، كنتِ تبكين ، تحت ضربات المطر العنيف تنشجين ، تبسمتُ ببلاهةٍ حينها ، وأطلقت ساقي ركضاً باتجاهك ، اختطفتكِ بغتةً بين ذراعي وصرت أدور بكِ ولفظتها لأولِ مرةٍ لكِ وبصدق : أحبك.
 
– لا تكذب ، أعرف حقيقة مشاعرك تجاهي “.
 
قلتِها نافية لكنني تمسكتُ بكِ أكثر وأعدتها : أحبك يا مطر ، أدركتُ أني أحبك يا مطري و رعدي وبرقي ، كنت أبحث عن الحب بغباء وهو طيلة تلك السنوات بين يدي دون أن أعترف به أو أشعر بحلاوته “.
رفعت رأسك بتلقائيةٍ ناحيتي ، لاحتضن عينيكِ بدفء جميلٍ دغدغ روحي ، لم يعد الكلام ينفعُ هذه اللحظة ، بل صارت مشاعري أكبر من الكلام ، إحساسي لم تعد تترجمه أحرف الأبجدية.
 
وهذه المرة يا مطر … سألغي كل رسائلي السابقة ، سأمحيها ، سأحرقها ، وسأكتفي برسالةٍ واحدة ، مضمونها نظرةُ عينيكِ الدافئة ، همستكُ تحت زخات المطر بكلمة أحبكَ الصادقة ، المحملة بكمية مشاعر تغرق الحي بأكمله ، سأكللها بقبلة الحب الأولى والتي ستكون بداية الحياة لكلينا .
 
النهاية ….

تاريخ النشر : 2020-06-07

مقالات ذات صلة

24 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى