قصص الافلام

عندما يكتب التاريخ بحروف من دم

 
بقلم : امرأة من هذا الزمان – سوريا

 

مجزرة منسية مازال القتلة يتفاخرون بارتكابها
مجزرة منسية مازال القتلة يتفاخرون بارتكابها

 

التاريخ يكتبه المنتصرون ، من منا لم يستخدم هذه العبارة في بعض النقاشات التاريخية لنظهر الوجه الآخر للمهزومين والمنتصرين معا .. احتملت هذه العبارة وجهين للتفسيرأولهما أن التاريخ كعلم يكتبه مؤرخون متأثرون أو خاضعون لضغط الفائزين في المعارك ليضعوهم في مكان التقديس والتنزيه عن الخطأ ويضعوا الطرف الهزوم في موقع المخطئ المسيئ..
وثانيهما كتمجيد لأصحاب النصر أي أن الأشخاص الاقوياء و الأقوياء فقط هم من يسطرون تاريخ الامم ويحققون نصرها وحريتها وإستقلالها وذلك لن يكون لضعفاء خانعين… ومهما كان الوجه الصحيح للعبارة فإنها دائما تحمل في طياتها زيفا واختزالا للحقائق وتعتيما لوجه آخر… طرف مهزوم تعرض غالبا للقتل والظلم والتعنيف.. نساء تعرضن للإغتصاب وهتك الأعراض.. بيوت دمرت ومدنيون شردوا وأوطان ضاعت…
في مقالنا هذا سنتحدث عن فلم وثق وبأوضح الصور وأكثرها ألما تجربة تاريخية توضح وبكل دقة معنى التاريخ يكتبه المنتصرون. 

blank
المجزرة هي نتيجة صراع على السلطة بين الرئيس سوكارنو وجنراله سوهارتو الذي سيحل محله

“The act of killing” أو فعل القتل وكيفيته….فلم وثائقي من تصوير المخرج الأمريكي جوشوا أوبنهايمر يتناول فيه إحدى أفظع مجازر القرن العشرين وهي مجزرة حصلت في أندونيسيا عام ١٩٦٥ ضد الشيوعين حيث راح ضحيتها مايقارب الـ ٥٠٠ ألف إلى مليون أندونيسي وبعض الأقليات الصينية من أتباع الشيوعية على يد وحدات من الجيش الاندنوسي ومدنيين موالين للجيش وذلك بعد قيام أحد الجنرالات (سوهارتو) بإنقلاب ضد الرئيس (سوكارنو) تلته مجازر دموية ومذابح شنيعة ضد مئات الآلاف من الشيوعيين…

قصة الفيلم

blank
جوشوا أوبنهايمر تناول مجزرة حقيقية مسكوت عنها

في عام ٢٠٠١ عندما كان المخرج جوشوا والمنتج كرستين سين يصوران فلما وثائقيا انتبهوا لموضوع المجزرة وقررا البحث والتعمق فيها بغية تصوير وثائقي عنها ولكنهما لاحظا إستحالة القدرة على مقابلة وتصوير الناجين من ضحايا المجزرة أو ذوي الضحايا الذين اختطفوا و قتلوا أو أختفوا إلى يومنا هذا وذلك بسبب التعتيم الشديد في إرشيف الوثائق التي تذكر الإبادة وخوفا من إنتقام السلطات منهم والإعتقال والتنكيل بهم حيث قابلا سيدة مسنة عايشت تلك المرحلة المخيفة و قتل الكثير من أهلها وقد وافقت على التصوير والحوار معهم ولكنها في اليوم التالي اعتذرت وبشكل غامض حيث أخبرتهم أن يبتعدوا عنها ويتركوها تعيش بسلام وهنا عرف المخرج أنها تعرضت للتهديد من قبل رجال شرطة النظام الحاكم وأنه من المستحيل أن يستطيع الحوار مع الضحايا لأنهم وبكل بساطة “مهزومون”ومرتكبو المجزرة هم النظام الحاكم او”المنتصرون”.

وفي عام ٢٠٠٥ شائت الأقدار أن يلتقيا بـ (أنور كونغو) أحد قادة الميليشيات التي ارتكبت تلك الجرائم الشنيعة ضد المدنيين وفاجأ أنور المخرج بحديثه بكل فخر عن جرائمه وأساليبه المتبعة في خطف وقتل المدنيين العزل حيث كان يعتبر بطلا قوميا ويعامل بكل احترام وتقدير من قبل الشعب والإعلام والسياسيين وقد عرفهم إلى صديقه (أدي زوكدري) الذي كان شريكه في جرائمه…

صور الفلم سرا في قرية ميدان سومطرة الشمالية مابين عامي ٢٠٠٥ و٢٠١١.

blank
انور يصور بكل فخر اساليب التعذيب التي مارسها على المعتقلين

يتمحور الفلم حول أنور وإيدي اللذان كانا بائعي بطاقات أفلام في السوق السوداء ولكن وبسبب الشيوعيين الذين كانوا أكبر حزب في أندونيسيا تم حظر الأفلام الأمريكية مما أدى إلى قطع مصدر رزقهما عدا عن حرمانهما من شغفهما بمشاهدة الأفلام الامريكية البوليسية التي كانا مدمنين على متابتعتها مما ولد حقدا داخلهما بالإضافة إلى حض حكومة الثورة على التخلص من أذناب النظام السابق من الشيوعيين مما أدى لاحقا إلى التحاقهما بـ “فرقة الموت” وهي منظمة إجرامية جندتها السلطات الأندونيسية لتصفية المعارضين الشيوعيين وقد أعترف الإثنان لاحقا بأنهما أستمدا بعضا من أفكار القتل والتنكيل بالأسرى من هذه الأفلام الغربية وخاصة طريقة الخنق بالسلك التي شاهداها في فلم العراب لأنها كانت نظيفة وبلا دماء اوفوضى…

يصور الفيلم أنور وإيدي وهما يعيدان الحديث عن جرائمهما وأساليبها وحياتهما بعد المجزرة وخاصة أنهما أصبحا جدين ويعيشان (بسعادة) و عن مشاعرهما تجاه تلك المرحلة حيث لم يبديا أي ندم أو حزن على ما فعلاه بل على العكس تفننا بتقديم اسلوب الإعتقالات والخطف العشوائي وسط صراخ وندب النساء والأطفال وطرق القتل المتبعة في التصفية حيث ذكرا في مشهد من المشاهد أنهما اتبعا كافة وسائل القتل من ذبح وخنق طبعا بعد تعذيب مطول وأنهما عندما شعرا بالملل من الطرق التقليدية استخدما طرقا جديدة فكانا يضعان عنق الضحية تحت أحد ارجل الطاولة ويجلسون جميعا فوق الطاولة ويغنون ويرقصون حتى يلفظ المسكين القابع في الأسفل أنفاسه الاخيرة… وقد تحدث إيدي عن قتله لوالدي زوجته لأنهما صينيان وانه يندم أنه لم يقتل عددا أكبر من الشيوعيين وقام بتحدي أي أحد ان يعرضه أو يعرض أي من زملائه لمحكمة الجرائم الدولية DEN HAAG لأنه ما كان ليعتبر نفسه مذنبا في حين بلده وشعبه يعتبرانه بطلا قوميا..

blank
شباب من الشيوعيين يقادون الى المعتقلات خلال المجزرة

ويتحدث أنور عن دخول السجين المسكين واقفا على قدميه وبكامل صحته ثم بعد تعذيبه يبقى على الأرض خائفا خائر القوى غير قادر حتى على رفع رأسه منتظرا موتا محتما و ذكر عندما أخذ فريق التصوير إلى مقر عملياتهم أن هذا المكان مليء بأشباح معذبة وأرواح قتلى وهنا بدل أن يشعر بالخزي والحزن بدأ برقصة بكل خفة واحترافية ذاكرا طرقه لإبعاد اشباح القتلى وتأنيب الضمير الذي يراوده نادرا باستماعه لبعض الموسيقى وممارسة رقص ‘التشاتشا’ وبعض الكحول وبعض الماريجوانا وهكذا يبقى سعيدا وفخورا بأعماله البطولية…

الفلم كما ذكرنا من إخراج أوبنهايمر وإنتاج مشترك بين ٧ منتجين من عدة دول… صور بميزانية منخفضة (مليون دولار) وعرض على الشاشات في نوفمبر٢٠١٢ … رشح للأوسكار و لعدد من الجوائز نال ٥ منها وتم الحاقه بفلم مكمل عن الضحايا اسمه the look of silence الذي حصد ٥٥ جائزة وتناول فيها المخرج هذه المرة قصص الضحايا وسط خطر محدق ومجازفة خطيرة لو أكتشف أمره حتى أن بعض رجال السلطة أعترفوا بأنهم لو عرفوا بمشروع جوشوا لجعلوا اسم الفلم the act of beeing killed كناية عن مجازفة المخرج… وقد سلط الفلم في بعض لقطاته نشأة منظمة شباب بنكاسيلا التي كانت ضد الشيوعية ايضا… منع الفلم من العرض في إندونيسيا طبعا بحكم ان الحديث عن المجزرة مازال حتى اللحظة يشكل تابو أحمر حيث أنها لم تذكر ولا في كتاب تاريخ ولم تعلم في المدارس حتى .

blank
الكثير من المدنيين شاركوا الجيش في مطاردة الشيوعيين وتعذيبهم

والفلم صور بطريقة (الفلم داخل فلم) وهي طريقة عصرية غير تقليدية حيث يتكون من فلم درامي يخرجه القتلة ويقومون بتمثيله بأنفسهم بأدوات أمنها لهم المخرج من مكياج وأكسسوار وديكور وأزياء وممثلين (هم اساسا احفاد ضحاياهم السابقين) والفلم الوثائقي الكامل الذي أخرجه أوبنهايمر .

ويعد الفلم من اقوى أفلام الدراما التسجيلية حيث يستعيد وقائع تلك الإبادة الجماعية بعيدا عن الوثائق الإرشيفية النادرة وشهادة من عاصروا الحدث… بل عن طريق إعادة تجسيد صور حية للمجزرة يقوم بتمثيلها والتعليق عليها وإخراجها القتلة الحقيقون أنفسهم وليس ممثلون محترفون أو معلقون ومخرج وقد فعلوا ذلك بكل سرور وسعادة وحماس من منطلق ( تكرار بطولاتهم الملحمية) وقد انتقد البعض هذا الأسلوب بتشبيهه بإعادة تمثيل المجرم جريمته أمام الشرطة وهو اسلوب متبع عادة في التحقيقات والأفلام الوثائقية ولكن هذه الأمر مختلف فالممثلون لم يكونوا فقط يعيدون تجسيد المشهد بل يخرجون ويختارون وينتقدون ويمثلون بدون أي توجيه من المخرج او تدخل سوى تأمين المعدات اللازمة لهم …

ومن الأخطاء والعثرات التي تميزت في الفلم هو قيام أنور في أحد المشاهد بتمثيل دور الضحية هذه المرة وهو يتلذذ بتجسيد وإستعادة آلام الضحية ولكن سرعان ما تحول شعور النشوة ذلك إلى إحساس شديد بالرعب يتلبسه لدرجة إيقافه التصوير وقد صرح بعد ذلك بأن ألم الضحية كان أكبر مما أظهره بكثير كونه كان تحت التعذيب الحقيقي وليس التمثيلي …

blank
الجلاد يمثل دور الضحية خلال الفيلم

وقد تحدث اوبنهايمر الأمريكي الجنسية ألماني الأصل عن رغبته القوية بتجسيد هذا الفلم على الرغم مما هو معروف عن معاداة الولايات المتحدة للشيوعية بسبب ان الكثير من أقربائه قضوا نحبهم في المحرقة النازية وبأن جديه من ابيه كانا من الناجين من الهولوكوست وأيضا والدا زوجته … حيث تخيل أنه ماذا لو انتصر النازيون وبقووا في الحكم … كيف كانت ستكون حيات أهله… ولذلك قرر تصوير فلم يوضح مابعد الجريمة بالنسبة للمجرم المنتصر…. وقد قال أنه يتمنى بأن يكون الهدف الحديث للسياسة والأخلاق والثقافة هو منع حدوث مثل هذه الأحداث الدموية ثانية… كما انه رأى بيننا كبشر وبين القتلة تشابها عندما نقوم برواية تبريرات لا منطقية لنبرر أفعالنا وكيف أننا نقوم بخلق واقع مغاير يناسب تطلعاتنا من خلال رواية هذه التبريرات…

وقد روى احد المنتجين عن سبب قبوله أن يكون من منتجي العمل بأنه وبعد مشاهدته لـ ٨ دقائق فقط من بداية الفيلم ورؤية الطريقة السريالية البسيطة التي استخدمها أولئك القتلة في تجسيد جرائمهم بأن هذا سيكون أفضل فلم دراما تسجيلي لهذا العقد وعلى الأقل ثلاثة عقود قادمة…

blank
الرئيس جونسون .. امريكا تغاضت عما حدث لانها كانت في صراع مع الاتحاد السوفيتي والمد الشيوعي

أما كرستن سين فقد قال أن ما جعله يستميت لإنتاج الفلم هو أنه أول فلم وثائقي يستخدم أسلوب الفلم داخل فلم وبأنه أول فلم يشهده يسمح للمتلقي بإعمال تفكيره وإعادة ترتيب أولوياته وتغيير الأفكار الموروثة لديه على عكس باقي الأفلام الوثائقية التي تقوم بـ (طعن التفكير والتحليل والإستنتاج بسكين في ظهره) وتفرض السيناريوهات التي تريدها على فكره وعقله.
وقد قرأت بعض آراء المتابعين الأندونيسيين نفسهم… فمن يستطيع الحكم على الفلم مثلهم هم أصحاب الفاجعة وكان منهم من تفاجأ من الأحداث وقال أنهم كشعب تعرضوا لغسيل دماغي من قبل السلطات…

وآخر أقر بأن الـ CIA الأمريكية هي التي كانت المدير الأول لهذه الجريمة وكل الجرائم ضد اسيا من أندونيسيا إلى فيتنام إلى كوريا وسنغافورة وماليزيا والصين طبعا…
وآخر يبدو أنه مؤيد لما حصل يتسائل ماذا لوحكمنا الشيوعيون هل لكم أن تتخيلوا ماذا كان سيحصل لنا؟؟؟ صحيح أن الحكومة قامت بعمل سيئ ولكن بالنهاية لكل عملة وجهان والشيوعية مازالت حتى هذه اللحظة تهديدا لبلادنا…..
والبعض شجع على إكمال الحقيقة بمشاهدة (نظرة الصمت)المتمم للفيلم.
البعض أقر بأن نظام سوهاترو ليس إلا متمما للأيدلوجية الفاشستية.

الفيديو الترويجي للفيلم (يحتوي مشاهد تمثيلية عنيفة)

وفي الآخير كان من الضروري أن أوضح أن المجزرة لم تأخذ ذلك السيط الذي أخذته باقي مجازر العصر لأنها كانت من ضمن حكمة (عدو عدوي هو حبيبي) وما كانت القوة الرأسمالية المسيطرة عالميا لتستهجنها وهي التي تبغض الشيوعيين أكثر من أي كائن آخر ولكن وجب من أجل الأمانة ذكر تعليق شقيق الرئيس الأمريكي وقتها روبرت كينيدي حيث قال : (لقد وقفنا وتحدثنا ضد المجازر المرتكبة من قبل النازيين والشيوعيين ولكن هذه المرة سنقف ونتحدث ضد المجازر في أندونيسيا حيث أن آلاف الشيوعيين هذه المرة لم يكونوا المجرمين.. بل الضحايا).

وبرأيي الشخصي انه مهما كان الحقد السياسي الناتج عن الإنقلاب أو القرارات التعسفية للحزب الحاكم.. لا يستحق المدنيون العزل كل هذا العنف والوقاحة فقط لأنهم تابعون لحزب معين وأما عن رأيي في الفلم فهو حالة لن تتكرر ثانية و أي محاولة لتصوير وثائقي مشابه سيكون محاولة ضعيفة مقلدة فقط والصدق والشفافية التي ظهرت في مشاهده لا أظن أن بقدرة أي طاقم آخر أن ينفذها بنفس الحرفية…

وفي النهاية مهما كانت خلفيتك السياسية عزيزي المتابع…أظن أن رأيك الإنساني هو الذي يجب أن تحكمه في تقييم هذه التحفة الفنية….وأنبهك منذ الآن إلى أن الفلم مؤثر جدا وصادم ومثل عبارتنا الترويجية لموقع كابوس”قد يسبب الكوابيس”.

مصادر :

– ويكيبيديا ويوتيوب ومواقع الكترونية

تاريخ النشر : 2020-11-09

مقالات ذات صلة

70 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى