أدب الرعب والعام

كن أنت صانع المعجزات

بقلم : منى شكري العبود – سوريا

غدوت إنساناً مفعماً بالحيوية ، نفضت عن عاتقي أكوام الفشل
غدوت إنساناً مفعماً بالحيوية ، نفضت عن عاتقي أكوام الفشل

صفعني القدر حين دب الإدراك فيني لأعلم أنني عاجز ، فاقد كلاً من الذراعين والقدمين ، أول شيء تعلمته نظرات الشفقة  والبحث عن سبيل للتخلص مني ، مضغني اليأس بنهم ، تغذى الاكتئاب على ما تبقى مني ، لا زلت أذكر شجارات والداي حول وجودي بينهم.
– لا أستطيع أن أراه في المنزل بعد الآن !.
– كفاك سخفاً يا جورج أنه ولدك.
– في مساء هذا اليوم يجب أن أعد و أجدكِ وحيدة ، وإلا فخيارك الآخر أن تكوني بصحبته حيث يكون !.

– أي قلب تملك يا جورج ، أتريد رمي ولدك في مركز رعاية ، أهذا ما تريده ؟.
– لقد سئمت وجوده ، أنا رجل ذو مكانة اجتماعية و وجوده في حياتي يحرجني ، حتى أنني لا أريد أي صلة تربطني به ، أفهمتِ ؟.
– تباً لك يا جورج.

لم تحرجه براءتي ، و لم تكتسب شفقته عيناي الباكية بحرقة ، هذا كان الشجار الأخير الذي أختتم بصفعة أدمت وجه أمي ، كما أنه جردني من آخر حبال الحياة ، نعم ، قد راودتني فكرة الانتحار ، لكن عاجز مثلي كيف له أن يفعلها ؟ قد حُرمت حتى حق الاختيار! عانقتني أمي بحرارة حينها ، ربتت على كبريائي المحطم ببضع كلمات كانت بمثابة مخدر موضعي:

– ستغدو رجلاً ناجحاً يا مايكل ، ستجعلني أفخر بكَ على الدوام ، أليس كذلك يا بني؟.

عانقت الأمل ، تسلحت به ، تجردت من أثواب اليأس ، هرولت نحو الحياة فاتحاً ذراعي لها ، التحقت بالمدرسة ، هذا طفل تندر علي ، و هناك طفل ينظر لي باشمئزاز ، و هناك طفل يسألني على الدوام أين قدمي و يدي ؟ و هنالك من يطالعني بازدراء ، إلى أن غدوت منبوذاً ، اهتاجت روحي بجروح متقرحة ، تعرت ملامحي من أثواب الفرح ، ألحقتني أمي بمعهد لتعلم الموسيقى ، فقد كانت تعلم أن سعادتي تكمن بين النوتات ، كنت امتلك صوتاً يطرب كل من سمعه شريطة ألا يراني ، ما أن يراني أغدو محط سخرية ، بالطبع آلمني ذلك كثيراً ، لكنني فيما بعد اعتدت على الأمر.

 ما أن أشرق ربيع حياتي سرعان ما عصف الخريف ليجتث بسمة شفتي ، لم أكمل دراستي للموسيقى بسبب ضائقة مالية اجتاحت أمي ، سلبت الحياة من جديد ما أحب ، حاولت الانتحار مرات عدة لكنني فشلت ! في سن التاسعة عشر دغدغني الموت بجائحة قلبية  ليطرحني أسفل درك الإحباط ، ساخراً مني اليأس بإعاقة جديدة ، غدى دعم أمي بارد الأثر ، لم تعد كلماتها تلجم الألم بعيداً عني ، بكيت في أحضانها ظلم كل شيء ، حقنت فؤادها بشكواي فألمته:
– الحياة قد أعلنت حدادها يا أمي ، يكفي ما عانيته حتى الآن ، الموت قد تجذر، فجذوره امتدت على متن قلبي ، اليأس مع كل نبضة أمل ينمو أكثر ، قطع تلك الجذور يعني تمزيق القلب.

أجابتني تجلد دموعها بسياط الثبات:

– أنظر إلي يا مايكل ، ألم تعدني أن تكون ناجحاً ؟ ألم تعدني أنني سأفخر بكَ أمام والدك والعالم أجمع؟.

أجبتها بيأس:
– تلك الوعود لم تكن سوى حيلة للتعايش يا أمي.
مهدت طريق البسمة على وجنتي ، تلقفت أثار الدموع لترجمهم بعيداً ، ضمدت جراح روحي بكلماتها:
– والدك كان وفياً بأداء واجبه هذه المرة ، خوفاً من فضيحة إهمال تضج بأنحاء الأرض فتفقده مركزه ، لذلك قد أرسل لكَ ثمن حياتك ، قد دفع لك تكاليف عملية القلب.

لا أنكر أنقذتني غريزة الأبوة الذي اعترت والدي فجأة من لعنة الموت ، تمت العملية بنجاح ، نحن كبشر لا ندرك قيمة الأشياء إلا حين فقدانها ، رغم أنني هرولت نحو الموت عدة مرات حتى غدوت أحلم به ، ألا أنني عندما وجدته شارعاً يديه لي هرعت أبحث عن طريق العودة ، كدت أفقد الحياة لذلك عانقتها بصلابة الإصرار على النجاح ، لا أملك نقود لإتمام دراستي ، غدت أمي طريحة الفراش ، عثرة لن تفقدني إصراري ، لذلك قمت بالبحث عن عمل ، و بعد جهد مكثف أقنعت صاحب أحد المطاعم بالغناء مقابل ثمن بخس بالكاد يكفي دراستي و بعض دواء أمي ، لكنه اشترط أنني سأغني خلف الستائر كي لا أفزع زبائنه ،

لم تعد انتقادات العالم و كلماته العبثية تهز كبريائي بعد أن حطموه ألاف المرات ، عقدت صلحاً داخلياً معهم فلم أعد أبه لهم ، أتممت دراستي الجامعية ، كللت فرحتي بآس وضعته على قبر والدتي ! موتها ترك في جوفي بصمة سوداء ، الحنين قد دفعني نحو تخوم الموت عدة مرات حباً بلقاء قريب ، لكن أمي حتى في غيابها تمدني بالثبات ، تركت لي إرثاً كان بمثابة نقطة تحول في حياتي ، ورقة صغيرة كُتب عليها ( ولدي الحبيب فخر أمه ، فليشهد العالم أجمع ) عانق قلبي إرثها ، زف لساني وعوده لتعانق السماء فتصلها:

– ستفخرين بي أمام العالم ، سأخبرهم عن أمرأة عظيمة جعلت من بقايا عاجز بمثابة ألف رجل كامل ، أعدكِ بذلك.

غدوت إنساناً مفعماً بالحيوية ، نفضت عن عاتقي أكوام الفشل ، بدأت محاضر بسيط في الجامعة ، صفعت شفقتهم ، لجمت ألسنتهم بحكمتي أمام سخريتهم ، إلى أن عانقت معاملتهم لي الود والاحترام ، كنت أخاطب طلابي و أصدقائي ، أدفعهم نحو النجاح ، أهديت كل منهم حياة وردية كان يحلم بها ، إلى أن أُشيّع عني أنني شخص مؤثر ، تطورت علاقاتي كما تطورت نجاحاتي ، زاد دخلي بشكل كنت أخشى الحلم به حتى ، استضافتني قنوات عالمية ،

إعاقتي لم تمنعني من الوصول إلى أهدافي و لن تمنعني من ممارسة ما أحب ، لذلك قمت بلعب الجولف والتنس والسباحة والغناء ، واكتسبت مهارات عالم الكمبيوتر ، كنت من محبي القراءة بشغف ، لذلك أخذت أتعلم المزيد من المهارات إلى أن أصبحت كاتباً معروفاً ، بالإضافة إلى أنني أصبحت من أهم المحاضرين في العالم. طرق الحب أبواب قلبي ، لم تشكل إعاقتي عائقاً بالوصول إلى جو عائلي سعيد ، ما دام الإصرار على النجاح رفيقي ، وأنا الآن بصحبة زوجتي و ولدي في رحلة حول العالم.

النهاية ……

تاريخ النشر : 2021-01-28

مقالات ذات صلة

21 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى