أدب الرعب والعام

لا تستديري! – الجزء الأول

بقلم : تامر محمد – مصر
للتواصل : https://www.facebook.com/tamertemolion

لا تستديري
بعض هذه الأرواح الحقت الموت باولائك الذين ظلموها 

جاءت إستراحة غداء أخرى مزدحمة بالطالبات في مدرسة السلام للبنات ، لقد كان وقتاً ليس فقط لملء بطونهن الجائعة ، بل للفتيات لتجاهل الموضوعات العلمية ومناقشة الموضوعات التي كانت ذات أهمية أكبر بكثير ، كانت ميرنا وصديقاتها يتناولن الغداء في الغرفة رقم 3 ، يمكن للمرء أن يرى ساحة المدرسة بأكملها من هذه الغرفة! ، كانت أقرب صديقة لميرنا هي هناء فهي تحب التحديق في الطالبات الأخريات ورؤيتهن على أنهن لسن أكثر من مجرد حشرات صغيرة عديمة الأهمية! ، لو لم تخترها هناء لتكون صديقةً لها لما كانت ميرنا صديقة لفتاةٍ كهذه ، لأن هناء كانت صلبة في تعاملها و لكن كانت نشيطة ومفعمة بالحياة مثل أي شخص فميرنا لم يحالفها الحظ في الصداقة ، وحقيقةً أن والد ميرنا كان رجل أعمال بارز جعلها مرغوبة بالنسبة لهناء .

الزمرة المقربة لهناء كانتا نسيم وإسراء ، لا شيء بارز بشكلٍ خاص حول الاثنتين سوى حقيقة أنهما عبارة عن بنكان متنقلان! ، وما كانت هناء تحبه فيهما هو رغبتهما المستمرة في إرضائها ، لو أن ميرنا كانت تتحلى بالمزيد من الثقة في نفسها لكانت بالتأكيد قد تحررت من هذه المجموعة ، لكنها كانت تخشى من إدراج هناء لها في القائمة السوداء وقد يتم تركها بدون أصدقاء ، وهذا من شأنه أن يجعلها مثل خلود! .

“انظروا إلى خلود ، إنها نائمة مرةً أخرى!” تقولها نسيم بنبرة مستهزئة ، كانت خلود واحدة من أقل الفتيات شعبية في المدرسة ، وقد استغرقت في النوم مرةً أخرى في مكتبها! ، احتفظت خلود في الغالب بكل ما يخصها لنفسها ، ونادراً ما تقول أكثر من بضع كلمات ما لم يتم التحدث إليها أولاً ، ولسببٍ ما فإن هناء تكرهها .

“يا لها من كسولة” تقولها إسراء ضاحكة ، لكن ميرنا كانت تعرف السبب وراء قيلولة خلود المستمرة في المدرسة ، لقد سمعت خلود ذات مرة بينما كانت تتلقى مكالمة من صاحب عملها ، في ذلك الوقت أصبح من المعروف لميرنا أن خلود دائماً ما تكون منهكة في المدرسة لأنها تعمل ليلاً لتنظيف المكاتب ، قالت هناء التي كانت تحدق ببرود في الطالبات في ساحة المدرسة “اكتشفت ذات يوم أن والدها يعمل في نفس المشفى الذي نمتلكه.” ، “هل هو طبيب؟” سألتها إسراء ، فبدأت هناء بالضحك على الفور سائلةً “حقاً ، هل أنتِ جادة؟! ، بالطبع لا إنه مجرد بواب رأيته يأكل في مطعم مع خلود ذات يوم ، كنت أعلم أنه يبدو مألوفاً لي ، ثم تذكرت المكان الذي شاهدته فيه حيث رأيته يخرج القمامة من مكتب والدي ، أراهن أنه يوماً ما ستفعل ابنته نفس الشيء لي ، سيكون من المنطقي أن ترى بنفسها أنها مجرد قمامة ” .

لن تعترف ميرنا للأخريات أبداً ، ولكن عندما كانت أصغر سناً كانت هي وخلود صديقتين مقربتين جداً لكن والد خلود انتقل مع الأسرة عندما عُرِضَت عليه وظيفة ذات أجر مرتفع جداً ، بعد سنوات عادت خلود وقد تم نقلها إلى مدرسة ميرنا لكنها لم تبذل أي جهد لإحياء الصداقة ، عرفت ميرنا أن ذلك بسبب الشركة التي فيها الآن ، يجب على أي شخص على دراية بهناء أن يفترض أن أي شخص مرتبط بها يكون قاسياً ومنتقداً ، قالت هناء “أنا أكره تلك الفتاة” وهي تزيد الحفرة اشتعالاً بنظراتها إلى خلود ، “مجرد معرفة أنها موجودة في هذه الحياة فإن هذا يسيء إلي! ، سيكون العالم مكاناً أفضل إذا اختفى من هن مثلها ، ألا توافقيني الرأي يا ميرنا؟” ، لم يكن ذلك فورياً ولكن أجابت ميرنا في النهاية على السؤال قائلةً “نعم” ، صوتها أكثر من مجرد همس! ، مثل أي شخص يعرف هناء فميرنا لا تستطيع أن تعيش إلا في خوفٍ دائم من صديقتها المفضلة! .

عندما انتهت حصص اليوم ، سارعت الطالبات إلى البدء في التحضير لبقية يومهن ، مثل الأيام المعتادة كانت خلود في الفصل تجلس في الخلف لحقيقة بسيطة أنها لا تريد الوقوع في احتكاك مع الطالبات وبهذه الطريقة يمكنها تجنب تلك المواقف الصعبة حيث قد تصطدم بشخصٍ ما وتضطر إلى الاعتذار ، ولكن على عكس معظم الأيام كانت ميرنا وصديقاتها من بين أول من فروا من المدرسة ، لقد أرعبوا خلوداً عندما قفزوا إليها من زاوية الرواق ، “مرحباً يا خلود ، هل لديكِ خطط لليوم؟” سألتها إسراء “هل تريدين الذهاب إلى الشاطئ معنا؟” قالتها نسيم ، فأجابت خلود “لا أعرف ما إذا كان ينبغي علي ذلك ولكن ليس من المفترض أن أذهب إلى أي مكان بعد المدرسة ، من المفترض أن أذهب إلى المنزل مباشرةً” ” فقالت إسراء “لكن الشاطئ قريب جداً” ، ثم أضافت نسيم إلا كلامها قائلةً “ستعودين إلى المنزل في لمح البصر” ، وضعت هناء يدها على كتف خلود قائلةً “ألا تريدين أن تكوني صديقتنا؟” سألتها وهي تبذل قصارى جهدها لتبدو وكأن الكلمات التي تخرج من فمها قد تشكلت من الصدق وليس من الخبث! .

بدت خلود مترددة في الإجابة لأنها أخذت لحظة للنظر في جميع الوجوه المبتسمة حولها ، من الغريب أن الوجه الوحيد الذي لم يكن يبتسم هو الوجه الأكثر دراية بها ، بدت ميرنا بائسة للغاية ، وعندما التقت عيني خلود بعيني ميرنا نظرت ميرنا في اتجاهٍ آخر ، ومع ذلك كانت رؤية وجه ميرنا كافياً لجعل خلود تبتسم وترد قائلةً “حسناً” ، لم تضيع الفتيات وقتاً في اللحاق بالحافلة القادمة المتجهة إلى الشاطئ ، تقاسمت هناء ونسيم وإسراء مقعداً في المقدمة ، بينما تقاسمت ميرنا وخلود مقعداً في الخلف ، قالت خلود التي كانت ترتدي ابتسامة بدت غريبة! “منذ الانتقال إلى مدرستكِ ، كنت أتساءل متى سنحصل على فرصة للتسكع مرةً أخرى ، كنت أرغب في التحدث إليكِ ولكنكِ دائماً مع صديقاتكِ ، لذلك لم أرغب في إزعاجكِ ولكن الآن أصبحنا صديقات مرةً أخرى” ، “لماذا عدتي؟” سألتها ميرنا ، فأجابت خلود “بعد وفاة أمي لم يكن لدي ووالدي خيار ، فلم يكن راتب والدي كافياً لتغطية جميع الفواتير الطبية حتى بعد بيع منزلنا ما زلنا لا نستطيع الخروج من أزمة الديون ، بالكاد يمكننا تحمل الإيجار في شقة بغرفة نوم واحدة لذلك دعتنا خالتي للعودة هنا حتى نتمكن من العيش معها”.

قالت ميرنا “لم أكن أعلم أن والدتكِ ماتت ، أنا آسفة.” ، حتى من الجزء الخلفي للحافلة كان بإمكان ميرنا وخلود سماع الضحك البري القادم من الأخريات! ، لو كانت خلود قادرة على النظر أبعد من ميرنا لكانت سترى بالتأكيد أن الضحك سيأتي فقط بعد أن تستعيد الأخريات نظرة خاطفة عليهما! ، على الرغم من ذلك فقد لاحظت ميرنا نظراتهن الخاطفة وكانت تدرك جيداً أن الضحك كان كله على حساب خلود ، قالت خلود “ليس الأمر بالسيء ، ففي شقتنا لم يكن بإمكاني سوى النظر من النافذة ، ولكن في منزل خالتي يمكنني الاستلقاء على العشب و تأمل السماء ليلاً ، أحاول أن أرى عدد النجوم التي يمكنني عدها ، أعلم أن الأمر يبدو ساذجاً ، ولهذا أحسبهم فقط في الليالي التي لا يوجد فيها الكثير ، أتذكر كيف كنا نفعل ذلك عندما كنا صغاراً ، بغض النظر عن العدد الذي كنت أحسبه فأنتِ كنتِ دائماً قادرةً على العد أكثر مني.” ، فأجابت ميرنا “هذا لأنني كذبت ، كنت أبدأ أنا أولاً وبهذه الطريقة يمكنني الوصول إلى أكبر رقم”.

“هكذا إذاً” ثم أطلقت خلود ضحكة صغيرة ، مما دفع ميرنا إلى القيام بنفس الشيء ، كان ذلك يحدث تدريجياً فميرنا كانت تشعر بالراحة مع خلود ، مما يجعلها تشعر وكأن الوقت مضى بسرعة ، من المؤكد أن الأخريات كن يلعبن مقالباً على خلود ، فقررت ميرنا أنها ستخبر صديقتها قبل أن تتاح للأخريات فرصة خداعها ، قالت ميرنا “خلود …” ، قبل أن تتمكن ميرنا من إنهاء ما كان عليها قوله ، ظهرت هناء من خلف المقعد أمامهما قائلةً “لماذا لا تجلسان في المقدمة مع بقيتنا؟ ، أنتما تجعلننا نشعر بالإهمال! .” ، فأجابت ميرنا وصوتها يرتجف قائلةً “كنا نتحدث فقط” ، قالت هناء “نحن نحاول معرفة ما سنأكله بعد أن نذهب إلى الشاطئ ، إسراء تريد أن تأكل كباب ، لكن نسيم تقول إنها لن تأكله لأن والدتها طبخته لها الليلة الماضية وأنا لا أريد أن آكله أيضاً ، فماذا تريدان؟” ، “لما لا نأكل سوشي؟” قالتها خلود ، “سوشي؟” سألت هناء للتأكيد ثم أردفت “ماذا عنكِ يا ميرنا؟ ماذا تريدين؟” ، فأجابت ميرنا قائلةً “”أنا … لا أعرف”.

“لا يمكنكِ حتى اختيار ما تريدين أن تأكلينه؟” سألتها هناء باستغراب “اعتقدت أن اختيار مثل هذا سيكون خياراً سهلاً بالنسبة لكي.” ، بعد وقتٍ قصير وصلت الفتيات إلى الشاطئ ، لم تضيع نسيم وإسراء أي وقت في الركض نحو الرمال ليبدووا مثل طفلتين تلهوان! ، “أنتما ، عودا إلى هنا!” طالبتهما هناء بذلك ثم أكملت قائلةً “لم نأتِ إلى هنا من أجل ذلك!” ، كانت الفتاتان تبتسمان بنصف قلب عندما عادتا إلى هناء! ، كان من الواضح أن صوتها أخافهما ، بدلاً من اللهو بالأمواج قادت الفتيات خلود إلى طريق ضيق أمام الشاطئ ، لقد أصروا على أن تقوم خلود بتغطية عينيها بيدها لمنعها من إفساد المفاجأة التي كانت تنتظرها ، قادها نسيم وإسراء وهما ممسكتان بكتفها طوال الطريق ، “إلى أين نحن ذاهبات؟” سألت خلود ، فأجابت إسراء “إنه سر” ، ثم أضافت نسيم قائلةً “لذلك لا تختلسي النظر.” ، قالت هناء “توقفا عند هذا الحد” عندما قاد نسيم وإسراء خلود إلى المكان المثالي! ، كانت خلود تقف الآن على بعد خطوات فقط من حافة جرف يطل على مجموعة من الصخور المتعرجة أدناه! .

“ماذا تفعلين؟” سألت ميرنا هناء عندما اكتشفت مدى خطورة المزحة التي قرر الأخريات لعبها على خلود ، قالت هناء “يمكنكِ أن تنظري الآن” ، عندما أزاحت خلود يديها عن عينيها كادت تفقد توازنها عندما وجدت نفسها بالقرب من السقوط الذي سيؤدي بالتأكيد إلى الموت المفاجئ! ، قبل أن تتمكن خلود من الالتفاف أو البدء في التراجع عن الجرف تحدثت هناء بنبرة غير سارة قائلةً “خلود” ثم صرخت فيها “لا تستديري فأنتي لا تعرفين ماذا سيحدث إذا فعلتي ذلك ” ، “ما هذا؟” سألت خلود ، “تعتقدين أنك عالية جداً وقوية ، أليس كذلك؟” سألتها هناء ثم أردفت “ما الذي يجعلكِ تعتقدين أنكِ أفضل منا؟ والدكِ مجرد عامل نظافة!” ، “وأنفاسك تنبعث منها رائحة الحيوانات!” قالتها إسراء ، “لماذا تفعلين هذا؟” سألت خلود هناء ، قالت ميرنا “من فضلكن توقفن عن هذا” ، صوتها بالكاد عالٍٍ بما يكفي لتسمعه هناء ، رغم حقيقة أن الاثنتين كانتا يقفان بجانب بعضهما البعض! ، “ما الذي تتحدثين عنه؟” سألتها هناء ثم قالت “كنتي تعلمين أننا سنقوم بذلك.” ، فأجابت ميرنا “كلا لم أكن أعلم بذلك” .

“أنفاس الحيوانات!” هتفت نسيم و إسراء بصوتٍ واحد ثم التقطت إسراء حجراً وألقته على خلود مما أدى إلى إصابتها في قدمها اليمنى ثم رمت نسيم حجراً فأصابت خلود في قدمها اليسرى ، مما جعل الفتاة الفقيرة تفقد توازنها تقريباً ، “غبية ، ماذا تفعلين؟” همست إسراء إلى نسيم ، فردت نسيم الهمس قائلةً “لقد كان حادثاً” ، تبكي خلود وهي تهمس قائلةً “ميرنا ، لماذا؟!” ، فهتفت ميرنا قائلةً “توقفن عن ذلك” ، وألقت الأحجار من يدي نسيم وإسراء ، “إلى جانب من أنتِ؟” سألتها إسراء ، ثم قالت نسيم “اتفقنا جميعاً على أننا سنفعل ذلك بها ، نحن جميعاً في هذا معاً ، لذا توقفن عن التصرف بمثالية!” ، فقالت ميرنا “لا لم أرغب أبداً في القيام بذلك ، أنا لست مثلكما.” ، وبينما يجادل الثلاثة بل بدأوا في دفع بعضهم بقوة التقطت هناء حجراً وألقته على خلود ، هذه المرة أصابها الحجر في مؤخرة رأسها ، كانت الإصابة شديدة لدرجة أنها فقدت توازنها ثم سقطت من حافة الهاوية ، برؤية هذا توقف الجميع على الفور ، بدا كما لو أن العالم قد توقف لهم فقط بسبب ما فعلوه! .

قالت هناء “لقد فقدت توازنها ، لم يكن باستطاعتي فعل شيءٍ لها” ، ثم شقت الفتيات طريقهن ببطءٍ إلى حافة الجرف ، كان جسد خلود الهامد منبطحاً على الصخور الدموية الآن أدناه ، “خلود”! صرخت ميرنا ، هربت إسراء فهي غير قادرة على تحمل مثل هذا المنظر! ، لكنها أُجِبَرت على التوقف فجأة عندما بدأت تتقيأ بعنف ، ركضت هناء أيضاً من الحافة ، لكنها هربت فقط لجمع حقيبة كتب خلود ، عندما عادت حاولت هناء رميها من الهاوية لكن ميرنا انتزعت الحقيبة منها قبل أن تتمكن من ذلك . “ماذا تفعلين بحق الجحيم؟!” سألتها هناء ثم قالت “علينا رميها حتى تبدو كحادث ، إذا لم تكن معها حقيبتها فسترتاب الشرطة فينا”. فصاحت ميرنا ممسكةً بالحقيبة كما لو كانت أعز ممتلكاتها قائلةً “لا ، لن أدعكِ تأخذينها” ، قالت نسيم التي كانت تميل إلى إسراء “يجدر بنا الخروج من هنا ، إذا رآنا شخصٌ ما فسيعرفون أن لنا علاقة بهذا الأمر.” ، وقفت هناء أمام ميرنا وجهاً لوجه وقالت “إذا اكتشف أي شخص أن معكي تلك الحقيبة ، فسوف يتم إعدامنا جميعاً ، هل تفهمين؟ لن أموت بسبب شخص مثلها”.

وعلى أمل إقامة عذر عادت الفتيات إلى المدينة وتوقفن عند أقرب مطعم ، أصرت هناء على أن الفتيات سيأكلن بالرغم من بطونهن المشوشة! ويتصرفن وكأن شيئاً لم يكن ، فيما يتعلق بالزبائن والعاملين كان الأربعة مجرد فتيات مراهقات عاديات يقضين ليلة في الخارج ، قالت إسراء التي كانت تخوض معركة خاسرة للإبقاء على دموعها بداخل عينيها “لا أريد كباباً ، أنا فقط أريد الذهاب للمنزل.” ، قالت هناء “أغلقي فمكِ ، لم تتوقفين عن الأنين منذ وصولنا إلى هنا ، هل تريدين أن يراكي الجميع وأنتي تبكين؟ إذا رأوكِ سيعرفون أن هناك خطب ما ، لذا اصمتي وتناولي الطعام ، أنتي من أراد الكباب ، أتتذكرين؟ أنتي تشتكين دائماً من أننا لا نفعل أبداً ما تريدين ، حسناً نحن الآن نفعل شيئاً تريدينه! ، فلماذا تشتكين؟ هاه؟” ، قامت هناء بتوبيخ إسراء بصوتٍ عالٍ لدرجة أن بعض الزبائن الآخرين لم يتمكنوا من المساعدة سوى بالنظر إليهن! .

فقالت هناء وعلى وجهها ابتسامة مهذبة “آسفة ، ربما يمكننا أن نعود وسوف أجعلكِ تأكلين كل تلك الأشياء التي رميتها على خلود” قالت هناء هذا لكن بنبرة أكثر هدوءاً ثم أردفت “لذا ساعديني حتى نخرج بسلام من أمر البصمات والحمض النووي وتلك الأمور” ، فقالت نسيم “لا بأس ، لقد ردمت عليها التراب.” ، تتقدم سيارة إسعاف إلى المطعم ، أضواؤها تومض وصفارات الإنذار تشتعل بصوتها المدوي ، فاندهشت الفتيات بشكلٍ ملحوظ ، تتصرف هناء وكأنها لم تفعل شيئاً يزعجها ثم بدأت في تناول الطعام على الرغم من أنها كانت قاسية ، فقد كانت يداها ترتجفان بشكلٍ واضح ، حينها أبقت ميرنا نظرها على الأرض ، وهذا ما دفع هناء إلى إلقاء نظرة بغيضة عليها ، بعد قضاء ليلتهن المرتجلة ذهبت الفتيات كل في طريقها ، ثم ذهبت ميرنا مباشرةً إلى غرفتها بعد أن وصلت إلى المنزل .

ما حدث لخلود بدأ يعيد نفسه مراراً وتكراراً في رأس ميرنا ، لم يكن الدم على الصخور هو ما أزعجها ، ولم يكن الوضع المؤلم لأطراف خلود المشوهة هو السبب بل كانت عينيها ، في كل مرة يعاد فيها هذا المشهد في ذهنها ، لم تستطع ميرنا المساعدة إلا أن تشعر كما لو كانت خلود تحدق في وجهها مباشرةً مما يجعل الأمر يبدو كما لو كانت الفتاة التي فقدت حياتها تريد أن تعرف لماذا تلعب ميرنا دوراً في مثل هذا الحدث ، بعد التأكد من أن بابها مغلق فتحت ميرنا حقيبة خلود وبدأت بالنظر فيها ، للوهلة الأولى بدا أنه لا يوجد شيء خارج عن المألوف في الداخل ، لم يكن هناك شيء سوى كتب ولوازم مدرسية أخرى ، لم يكن هناك شيء غريب حول ورقة وضعت داخل كتاب ، ولكن شيئاً أجبر ميرنا على إخراجها عندما اكتشفت ما عليها ، حينها شعرت ميرنا بالأسى ، فما وجدته كانت صورة رسمتها قبل سنوات عندما كانت هي وخلود في المدرسة الابتدائية ، كانت الاثنتان في حقل عشبي تحت سماء مرصعة بالنجوم ، أعطتها ميرنا لخلود بعد أن أخبرتها أنها تأمل في أن تصبح الاثنتان صديقتين إلى الأبد .

“خلود” تهمس ميرنا وهي تبكي الآن ، كان ذلك فور استدعاء اسم صديقتها في رأسها ، فجأة ترددت ميرنا حينما سمعت صرير باب معتقدة أن والدتها دخلت وأن الباب لم يتم غلقه بشكلٍٍ صحيح ، إذا كان الأمر كذلك فمن المؤكد أنها سمعت ميرنا تتحدث عن الاسم الذي سيشار إليه عدة مرات في الصحف وفي البرامج الإخبارية! ، فاستجمعت ميرنا شجاعتها واستدارت ولكنها لم تجد أي شخصٍ هناك ، خلال فترة الفسحة بين الحصص في اليوم التالي ، اصطحبت هناء نسيم وإسراء إلى سطح المدرسة ، حيث هناك سيجد الثلاثة ميرنا التي قالت بعض الأشياء المثيرة للقلق لإسراء في وقتٍ سابق من ذلك اليوم ، “مهلا!” صاحت هناء “ما هذا الذي سمعته عن رغبتكِ في الاعتراف؟!” ، فأجابت ميرنا “أعتقد أنه قد يكون أفضل شيء بالنسبة لنا إذا أخبرنا الشرطة أن تلك الواقعة كانت مجرد حادث ، ونسهل لهم القبض علينا و بما أننا قاصرات – دون سن الأهلية – فقد يمنعنا ذلك من الحصول على عقوبة قاسية للغاية” ، “هل تعتقدين أنه إذا ذهبتي إلى الشرطة فسوف تسهلين عليك لمجرد تسهيل الأمر عليهم لحل القضية؟!” سألتها هناء “ما الذي يجعلكِ تعتقدين أنكِ أفضل من بقيتنا؟! ستقعين في مشاكل مثلنا”.

“هل هذا ما تريدينه يا ميرنا؟” سألتها إسراء “كأنك تقولين لنا هذه هي الهلكة فنلتردى فيها ، هيا فلنقع جميعاً في الورطة!” ، قالت هناء “لا أعرف ما الذي يجعلك تعتقدين أنكِ ستكونين في مشكلة أقل من مشكلة بقيتنا ، أياً كان ما ستفعلينه فستكونين في ورطةٍ أكبر.” ، “ماذا تقصدين بذلك؟” سألتها ميرنا ، “فكري في الأمر ، نحن ثلاثة وأنتِ واحدة كل ما علينا فعله هو إخبار الشرطة بأنكِ قمتي بالتستر على الجريمة ، وأننا أردنا الاعتراف ، لكنكِ لم تسمحي لنا بذلك ، سنقول لهم أنكِ هددتينا ، لقد أخبرتينا أن والدكِ لديه علاقات قوية ولهذا قمتي بتكميم أفواهنا” ، قالت ميرنا “لن تفعلي ذلك” ، “تريدين أن تكشفينا؟!” سألتها هناء ، قالت نسيم “انظري إلى الأمر من هذه الزاوية إذا تحدثنا إلى الشرطة فسنقع في مشكلة ، ولكن إذا لم يتحدث أحد منا فلن يواجه أي منا المشاكل.” ، قالت هناء “فكري فيما قلته في المرة القادمة حين تنتابك فكرة الذهاب إلى الشرطة” ، وبهذا هم الثلاثة بالمغادرة.

بعد هذا الاجتماع المؤسف ، ذهبت ميرنا إلى الحمام لرش بعض الماء البارد على وجهها ، كانت منزعجة للغاية بشأن ما أخبرتها هناء به أنها بالكاد تستطيع الحفاظ على الماء مقعراً في يديها المتصافحة من الانسكاب! ، ساعد الماء البارد على تهدئة ميرنا لكن مشاكلها ستعود بكثرة عندما نظرت إلى المرآة ووجدت خلود واقفة خلفها ، عند الدوران بسرعة وجدت ميرنا أنه لم يكن هناك أحد في الحمام معها ، فنظرت مرةً أخرى إلى المرآة ولكن الشيء الوحيد الذي وجدته هو انعكاسها المذعور الذي يحدق بها مرةً أخرى ، رغبةً في إخراج الأحداث الأخيرة من ذهنها فقد أخذت هناء نسيم وإسراء لبعض التسلية التي يحتجنها بشدة بعد المدرسة ، لم يخفق الكاريوكي أبداً في رفع معنويات الفتيات عندما كن بحاجة إلى الهتاف! ، “كيف لم نحضر ميرنا معنا؟” سألت نسيم وهي تتصفح قائمة الأغاني “إنها تحب الكاريوكي أكثر من أي شخصٍ آخر.” ، أجابت هناء “لقد أخبرتك بالفعل ، إنها ليست هنا لأنها تغضبني ، ماذا علي أن أقول أكثر؟!” ، “هل هذا يعني أنها لم تعد صديقتنا؟” ، قالت هناء “الأمر متروكٌ لها”.

على الرغم من حالة الخمول التي كانت إسراء تمر بها ، حاولت هناء تسليم الميكروفون لها وقالت “إسراء ، حان دورك” ، أجابت إسراء “لا أرغب بذلك” ، “ما مشكلتكِ؟ هل ما زلتي تشعرين بالسوء حيال ما فعلناه؟” ، لم تقل إسراء أي رد ، “حسناً ، من الأفضل التوقف عن التصرف بهذه الطريقة لأنه إذا لاحظ شخصٌ ما أي شيء مختلف في أيٍّ منا فسنصبح كالموتى أتفهمين؟” ، “أنا التالية” تقولها نسيم ثم تأخذ الميكروفون من هناء وتقول لها “لا تقلقي بشأن إسراء إنها مزاجية فقط ، وفي غضون أيام قليلة ستبدأ في التصرف بشخصيتها الطبيعية” ، فقالت هناء “لقد كانت أفضل من ذلك” ، عاجزة عن إخراج صورة خلود من رأسها فسارعت ميرنا إلى المنزل ، وفتحت جهاز الكمبيوتر الخاص بها على أمل العثور على بعض الإجابات ، ولكن لم يكن لدى معظم المواقع التي عثرت عليها معلومات ذات صلة يمكن أن تساعدها ، ولكن كان هناك موقع واحد قدم شيئاً أزعجها بعبارة “إن الروح التي لا تزال تكافح من أجل الحب أو الكراهية أو الحزن قد لا تتمكن من أن تنتقل من الدنيا” ، فعلى حد قول ميرنا إذا كانت هذه المشاعر قوية بما فيه الكفاية فيمكن أن تعود الروح إلى عالم الأحياء ، ومن المعروف أن الأرواح تعود لتطارد معذبيهم ، وقد عرف أن بعض هذه الأرواح ألحقت الموت بأولئك الذين ظلموهم.

لعدم رغبتها في قراءة المزيد أغلقت ميرنا جهاز الكمبيوتر الخاص بها ، قالت “هذه مجرد أساطير ، إنها قصص يروونها لتخويف الأطفال الصغار.” ، في انعكاس شاشتها اعتقدت ميرنا أنها لمحت خلود ، ولكن عندما التفتت للنظر لم تجد ميرنا أي شخص آخر في غرفتها ، كانت هناء و نسيم تستمتعان بوقتهما في الكاريوكي ، كانا يغنيان بسعادة مثل شخصين لم يهتما بما يحدث في العالم! ، من ناحية أخرى لم تتمكن إسراء من المشاركة في الاحتفالات ، كان مزاجها هو الذي لم يتغير منذ تلك الوفاة التي كانت هي والأخريات سبباً فيها ، “ما هي الأغنية التي يجب أن نغنيها بعد ذلك؟” سألت نسيم هناء ، قالت هناء “اختاري شيئاً بطيئاً ، أريد أن أشعر أنني واقعة في الحب.” ، ثم بدأ صوت خدش رهيب يعلن عن نفسه في السماعات! ، “ماذا يحدث؟” سألت هناء “ماذا فعلتي؟” ، فأجابت نسيم “لم أفعل أي شيء” قالتها وهي تبدأ بالضغط المحموم على الأزرار أملاً في التخلص من هذه الضوضاء ، الشيء الوحيد الذي قامت بإنجازه هو أن الضوء الرئيسي تلاشى وقامت باستبداله بوميض!.

“كيف سيساعدنا ذلك؟!” تنبح هناء قائلةً هذا ، تضاعف حجم عيون إسراء تقريباً عندما وجدت خلود واقفة خلف أصدقائها! ، تبدو الفتاة التي غادرت مؤخراً أسوأ بعد أن سقطت من منحدر! ، صرخت إسراء بصراخ تقشعر له الأبدان حتى عند انتهاء الصوت الرهيب وعودة الأضواء إلى طبيعتها ، “ماذا يحدث هنا؟” سألتها هناء “لماذا تصرخين؟” ، خلود لم تعد في الغرفة لكن ذلك لم يكن كافياً لتهدئة إسراء التي خرجت من الغرفة دون أن توضح السبب ، كان هناك غمغمة كثيرة في المدرسة في اليوم التالي ، كان الجميع يتحدث عن الوقائع الأخيرة في الصحف والبرامج الإخبارية الصباحية حول اكتشاف جثة خلود ، أفادت الشرطة بالقليل من المعلومات ، لذلك كان الطلاب فضوليين لمعرفة ما إذا كان سبب الموت انتحاراً أم حادثاً أو ربما قتلاً.

في غضون ما لا يزيد عن ساعة من الحصص تم سحب ميرنا وهناء ونسيم وإسراء من صفوفهن ، ثم جاء زوج من رجال المباحث إلى مدرستهن ، وكانوا يبحثون عن إجابات من شأنها أن تقودهما إلى المسؤول عن وفاة خلود ، تم استجواب هناء أول مرة ، “ما مدى قربك من خلود؟” سألها الضابط إبراهيم ، فردت هناء الجريئة الغير هيابة قائلةً “لم أكن قريبةً منها على الإطلاق ، لم أكن أعرفها حتى ، لدي صديقات كافيات فلا أحتاج إلى أكثر مما لدي بالفعل” ، “حقاً؟ إذاً هل يمكنكي أن تفسري لنا لماذا أخبرنا عامل النظافة بأنه رآكي أنتي وأصدقاؤكِ تغادرن المدرسة معها؟” ، فأجابت هناء “لا أعرف ما الذي تتحدث عنه ، لم نذهب معها إلى أي مكان ربما كانت تغادر المدرسة في نفس التوقيت الذي خرجنا فيه ، لكن هذا لا يعني أننا كنا نتسكع معها ، إلى جانب ذلك ما الذي يعرفه عامل النظافة؟! إنه كبير في السن لدرجة أنه بالكاد يرى! ، لكنه يستطيع أن يرى ما يكفي عندما تمشي فتاة جميلة بجانبه! ، إنه هو الذي يجب أن تجري التحقيقات بشانه وليس أنا!”.

قال الضابط محمد “لقد ذكر أنه لم يكن يرتدي نظارته عندما رأى الفتيات ، ربما كان مخطئاً.” ، قال الضابط إبراهيم “أتعلمين لدي ابنة في مثل عمرك ، حياتها جيدة ، جميلة ولديها الكثير من الأصدقاء وتحصل على الدرجات النهائية في المدرسة ، لا أحد لديه شيء سيئ ليقوله عنها ، لا أعرف ما الذي سأفعله إذا اكتشفت أن شخصاً ما كان يضايقها” ، ثم انحنى نحو هناء قائلاً “هل يمكنك أن تتخيلي ما سأفعله؟” ، اخترقت رائحة السجائر أنف هناء لتبدو كصفعة على وجهها! ، “بحسب ما قيل لي ، لم تكن خلود معروفة في المدرسة ، ربما كان سيجعلها ذلك هدفاً سهلاً للمتنمرين” ، صاحت هناء “هذا يسمى إزعاج ، لا يمكنك إلقاء التهم علي ، فلم أفعل شيئاً ، إذا واصلت هذا النوع من الاستجوابات فسأخبر والدي بتعيين محامٍٍ سيقاضيك أنت وهذه المدينة على كل ما تستحقونه” ، قال الضابط إبراهيم “هذه الفتاة ستشعل حريقاً كبيراً بدون سبب” ، وقال الضابط محمد “من فضلكِ افهمي من أين أتينا! ، علينا تغطية الأمر للتأكد من أننا لم نفوت أي شيء ، نحن لا نقول لك أو لصديقاتكِ أن لكن علاقة بهذا الأمر ، نريد فقط أن نعرف إذا كنتن تعرفن أي شيء عن ما حدث”.

قالت هناء “لا أحد منا يعرف أي شيء ، عندما تسأل الأخريات سيقلن لك نفس الكلام لذلك لا يجب أن تهتم بإضاعة أنفاسك! ، ربما قتلت نفسها فقط فأنت قلت ذلك بنفسك ، حيث لم يكن لديها أي صديقة” ، “انتحار؟!” سأل الضابط إبراهيم “لقد رأينا الكثير من هؤلاء مؤخراً ، فهم يبحثون دائماً عن مخرج سهل” ثم يخرج سيجارة ويشعلها ، قالت هناء “التدخين ممنوع في المدرسة” ، بعد أن نفث الدخان يبتسم الضابط إبراهيم مكشراً عن أسنانه التي اصفرت منذ سنوات بسبب عادته السيئة! ويقول “سنجعل هذا سرنا الصغير ، أنا متأكد من أن فتاة مثلكِ جيدة في الحفاظ على الأسرار.” ، بعد المدرسة التقت الفتيات في فصلٍ فارغ ، قالت هناء وهي تحدق من النافذة “إذاً علق الجميع بالقصة! ، أخبرتكن أنه لا يوجد شيء يمكنهم فعله معنا إذا تم القبض علينا” ، “هل انتهى الأمر؟” سألت إسراء “هل انتهت الشرطة منا؟” ، “لم ينتهِ الأمر بالنسبة لهم أبداً لذا كوني حذرة مما تقولينه ، يمكن أن يكون لديهم ميكروفونات مخفية في كل مكان ، أنا متأكدة من أنهم سيقومون بالتنصت على هواتفنا ، وإذا رأيتي ظلاً فربما يكون هذا الظل شخص يراقبك!”.

قالت إسراء “لا أريد أن أعيش هكذا” ، فقالت هناء “حسنًا إن هذا سيء للغاية ، هذا ما يحدث عندما تكوني مجرمة.” ، قالت ميرنا “توقفي عن محاولة إخافتها ، لقد مرت بما فيه الكفاية.” ، “لا تقلقي بشأن ذلك يا إسراء” قالتها نسيم “الأسوأ انتهى ، لا يوجد ما يمكنهم فعله بنا لذا ابتهجي ، حسناً؟.” ، “حقاً؟” سألت إسراء ، فوهبتها نسيم إيماءة وابتسامة ، قالت هناء “لا أعرف ما شعوركن الآن لكن كل هذا الحديث جعلني جائعة! ، نسيم أعطيني السوشي.” ، عند تلبية طلبها قامت هناء بتشغيل نغمة أكثر ودية ، كان شيئاً لم تسمعه نسيم ولا إسراء من قبل ، لكن ميرنا لاحظت دائماً كيف أصبحت هناء لطيفة عندما تريد شيئاً ، أجابت نسيم قائلةً “حسنًا” ، “هل أنتي قادمة يا إسراء؟” سألتها هناء ، وعلى الرغم من أنها طرحت السؤال على إسراء إلا أن هناء كانت تنظر إلى ميرنا عندما سألتها! ، أجابت إسراء بابتسامة باهتة على وجهها “نعم ، أنا قادمة ، لكن هل يمكنكن أن تنتظرنني في الخارج؟ فلدي شيء يجب أن أقوم به أولاً” ، “حسناً لكن لا تتأخري” قالتها نسيم.

عندما كانت هناء ونسيم خارج الغرفة سألت إسراء سؤالاً مذهلاً للغاية قائلةً “ميرنا هل تصدقين أنه بعد وفاة شخص ما فإنه قد يتمكن من العودة؟” ، فوجئت ميرنا بما سُئلت للتو “لماذا؟” هي سألت “هل رأيتي شيئاً؟” ، حينها اتجهت عيني إسراء لاتجاهٍ آخر فعرفت ميرنا أن هناك خطأ ما “ماذا رأيتي؟ هل رأيتيها؟ هل رأيتي خلود؟ قولي لي إذا حدث ذلك” ، رن هاتف إسراء فأجابت “نعم” ، قالت هناء “مرحباً يا إسراء إذا لم تكوني قادمة فسنذهب بدونكِ” ، “سأكون هناك” قالتها إسراء بعد أن علقت المكالمة فجأة ثم قالت لميرنا “يجب أن أذهب الآن يا ميرنا” ، “انتظري ماذا كنتي ستقولين لي؟” ، كان هناك عذر سيء خلف تلك الابتسامة على وجه إسراء وهي تقول “لم يكن هناك شيء ، لا تقلقي بشأن ذلك ، وكما قالت نسيم فإن الأسوأ قد انتهى” ، وبذلك جمعت إسراء أغراضها بسرعة وأخذتها ، قالت ميرنا “إسراء لقد رأيتها أنا أيضاً.” ، لسوء حظ ميرنا كانت إسراء خارج الغرفة عندما اعترفت!.

بعد تناول السوشي مع صديقاتها ذهبت إسراء إلى المنزل مباشرةً ثم إلى غرفتها ، كان الوقت متأخراً وكانت بحاجة إلى البدء في إنجاز واجباتها المنزلية فغادر والداها لتناول عشاء متأخر بعد وقت قصير من عودتها إلى المنزل! ، تاركين إسراء بمفردها في منزل مظلم ، كان الضوء الوحيد الذي يمكن العثور عليه قادماً من مصباحها المكتبي الصغير! ، قالت إسراء وهي تتأمل كتابها الدراسي “لا أفهم أي شيء على الإطلاق ، لماذا علينا أن نتعلم هذه الأشياء على أي حال؟” ، بدأ هاتف إسراء بالرنين فأجابت “مرحباً” ، ثم قالت ميرنا “إسراء هذه أنا” ، ” ميرنا ، ماذا حدث؟ هل تحتاجين إلى مساعدة في واجباتكِ المنزلية؟” ، “أنا … أنا كنت أفكر في ما قلتيه لي في المدرسة اليوم عندما سألتيني عن الأشباح ، لم تتح لنا الفرصة للتحدث” ، فقالت إسراء “انسي الأمر ، لقد كنت أشعر بالضغط قليلاًً بسبب كل ما حدث مؤخراً … ربما كان ذهني يخادعني” ، “لا يا إسراء أنصتي إلي” ، “حسناً دعينا لا نتحدث عن هذا بعد الآن ، أريد فقط المضي قدماً” ، “لكن …” ، “هل تريدين الذهاب إلى متجر الألعاب غداً؟ أعلم أن هناء قد تكون غاضبة منكِ ، لكني سأتحدث معها ، أعتقد أنها كانت نوبة غضب لا أكثر”.

“إسراء ، من فضلكِ اسمعيني” ، حتى من خلال هاتفها الخلوي كان بوسع ميرنا أن تسمع صوت خطى الطرف الآخر من الخط بوضوح ، كان لدى إسراء أرضية خشبية مما جعل من السهل سماعها عندما كان شخص ما يسير في الغرفة ، “إسراء ، هل هناك أحد معكِ؟” سألتها ميرنا ، بالإضافة إلى أن ميرنا قد سمعت وقع أقدام ، فقد كانت أكثر وضوحاً بالنسبة إلى إسراء ، “مرحباً يا إسراء” قالها صوت فتاة يبدو مألوفاً ومميتاً! ، تبع ذلك يد تستريح على كتف إسراء ثم قال الصوت “لا تستديري” ، سمعت ميرنا ما قيل على هاتفها الخلوي ، والشيء التالي الذي سمعته هو الصراخ الذي أدى إلى قشعريرة في جسدها ، “إسراء!” صرخت ميرنا “إسراء!” ، في اليوم التالي قام رجلا المباحث الضابط محمد والضابط إبراهيم بزيارة أخرى إلى المدرسة ، لقد قوبلا بمواجهةٍ أكبر عندما وجدا هناء ، قال الضابط إبراهيم “التقت فتاة أخرى من مدرستك بمصيرها” ، ثم بدأ يأخذ نفساً عميقاً بسيجارته لفترة طويلة بينما كانت هناء تلقي نظرة ساخطة عليه ، فتح الضابط محمد النافذة لكي يسمح للدخان بالخروج ثم قال “لا أعرف ما إذا كان يجب أن تشيري إلى وفاتها بهذه الطريقة”.

“إذا استمرت الأمور على هذا النحو ، فلن يتبقى لكِ أي صديقات” ، قالت هناء “لقد أخبرتك بالفعل ، خلود لم تكن صديقتي ، إسراء كانت صديقتي والآن ماتت فرد الضابط إبراهيم “لا يمكن أن يكون ذلك صدفة ، ربما قتلها أحد لم يجد أمامه سوى هذا الخيار! أو ربما … شخص ما كان يحاول إبقاءها هادئة بسبب المعلومات التي كانت بحوزتها” ، قالت هناء “فقط اخرج وقلها ، تعتقد أن لدي علاقة بهذا الأمر أيضاً؟! ، إن لديك جرأة لم أر مثلها ، إحدى أعز صديقاتي قد ماتت وأنت توجه أصابع الاتهام إلي” ، على الرغم من أنها كانت تتصرف كما لو كانت الضحية ، كانت مهارات التمثيل في هناء أقل من رائعة! ، كان من السهل أن نقول أنها كانت بعيدة عن الإحباط الذي أصاب إسراء ، “إذاً لماذا ماتت؟ ، فموتها يجب أن يكون له علاقة بما حدث لخلود”. قالت هناء بعد أن هدأت قليلاً “وفاتها ليست لها علاقة بموت خلود” ، “وكيف عرفتي؟” سألها الضابط محمد ، قالت هناء “كانت إسراء على علاقة برجل متزوج” ، كان الضابط الثرثار ذلق اللسان الضابط إبراهيم في حالة فقدان للكلمات غير معتادة بعد سماع هذا الشيء الصادم حول فتاة في المدرسة الثانوية!.

وأوضحت هناء “قال إنه سيترك زوجته ويأخذها بعيداً ، لكنه كذب حيث قال إنه لا يريد أن يخجل أسرة زوجته ، لذا كان عليه أن يبقى معها ، أعتقد أن إسراء لم تستطع تحمل هذا الأمر ولهذا قتلت نفسها” ، نظر الضابطان إبراهيم ومحمد إلى بعضهما البعض كما لو كان أحدهما يأمل أن يكون لدى الآخر ما يقوله رداً على ما قيل له للتو ، عندما انتهت المقابلة غادرت هناء هذا المكتب الضيق الذي أصبح مألوفاً للغاية بالنسبة لها! ، “هل تصدق قصتها عن هذه القضية؟” سأل الضابط محمد ، قال الضابط إبراهيم “ومن يدري” ثم يشعل سيجارةً أخرى “هذه الأيام كل شيء ممكن ، لكنني أعلم أن الفتاة لم تنتحر” ، “وكيف علمت بذلك؟” ، “لأنه عندما عثروا على جسدها ، تم كسر معظم عظامها ، كان الأمر كما لو أنها قفزت من سطح منزلها ، لكنهم وجدوا أنها سقطت على مكتبها ، لا يبدو أن هذا سقوط طويل بما فيه الكفاية ليسبب مثل هذه الإصابات ، سمعت أن إحدى صديقات الفتاة هي التي وجدتها”.

“تدعي أنها اتصلت بها ولم تحصل على إجابة ، لذلك ذهبت إلى منزلها وعندها عثرت عليها ، ولكن عندما فحصنا هاتف الفتاة الميتة وجدنا أن الاثنتين كانا يتحدثان قبل أن نتلقى المكالمة حول الوفاة” ، “إذاً لقد كانت تكذب ، هل تعتقد أن لها علاقة بجريمة القتل؟” ، “من كان يقول أن هذه ستكون جريمة قتل؟” سأل الضابط إبراهيم “كانت تلك الفتاة تخفي شيئاً ، وأنا أعرف أن لها علاقة بهذا الأمر” ، “هل نستجوبها مرةً أخرى؟” ، “ليس هناك داع فلن نحصل على الإجابات التي نبحث عنها” ، “كيف يمكنك أن تكون متأكداً لهذه الدرجة؟” سأله الضابط محمد ، “فلتطلق عليه الشعور الغريزي ، لكنني أعتقد أن الحقيقة ستظهر مع مرور الوقت” ، فيقول الضابط محمد “متى سأصبح ماهراً مثلك؟!” ، بدأ الضابط إبراهيم بالضحك قائلاً “إن هذا يطلق عليه حدس الضباط ولا يزال أمامك طريق طويل قبل أن تتعلمه” ، في طريق عودتها من المدرسة تلقت هناء مكالمة من نسيم ، كانت أخبار وفاة إسراء أشد من أن تتحملها لذلك لم تذهب إلى المدرسة ، فأجابت هناء “مرحباً” ، ردت نسيم “كنت أفكر في الذهاب لرؤية ميرنا للتحقق من حالتها ، فهي لا ترد على هاتفها”.

أجابت هناء “لدي الكثير لأفعله ، لن أتمكن من الذهاب معكي” ، “هل سمعتي عن ما قيل عن ميرنا كونها الشخص الذي وجد جثة إسراء؟ ، يمكنني فقط أن أتخيل بماذا شعرت حينما رأت ذلك” ، “ربما هي من قتلتها” ، “لا تقولي هذا” ، “كما قلت ، أنا مشغولة حقاً ، اتصلي بي لاحقاً” ، وبذلك أغلقت هناء المكالمة فجأة ثم همست قائلةً “لماذا يزعجني الجميع دائماً عندما أريد أن أبقى وحدي” ، لم تعرف هناء أن خلود كانت تقف وراءها مباشرةً مستشعرةً أن شخصاً ما كان قريباً منها فتستدير هناء ولكن لم يكن هناك أحد ، بعد أن سمحت لها والدة ميرنا بالدخول شقت نسيم طريقها إلى غرفة صديقتها ، كانت ميرنا ترقد على سرير مخبأ بالأغطية! ، قالت نسيم وهي تجلس على السرير “ميرنا كيف حالك؟ سمعت أنكي لم تذهبي إلى المدرسة اليوم ولا أنا أيضاً! ، هل تعلمين متى ستعودين؟” ، لم تجب ميرنا فقط بل فشلت في القيام بأي حركة على الإطلاق ، قالت نسيم “بقدر ما أفكر في ما حدث لإسراء لا يمكنني أن أبكي ، أي نوع من الأشخاص لا يستطيع أن يبكي عندما يموت أحد أقرب أصدقائه؟! ، هل اعتدت على الموت بسبب ما حدث؟ ، ألهذه الدرجة أصبحت وحشاً؟!”.

قالت ميرنا “لستِ وحشاً” ، “إذاً ماذا أكون أنا؟! ، من المفترض أن أكون مثلك على السرير وأغلق غرفتي منعزلة عن بقية العالم! بسبب ما فعلته أليس كذلك؟ ، الله يعاقبني ، كانت إسراء مستاءة للغاية من الدور الذي لعبته في وفاة خلود لدرجة أنها قتلت نفسها ، مهما بدت سيئة ، أتمنى أن أشعر بنفس الشعور وبهذه الطريقة يمكنني أن أقتل نفسي أيضاً” ، قالت ميرنا “نسيم” وهي تزيل الأغطية لمواجهة صديقتها “إذا أخبرتكي شيئاً يبدو غريباً ، فهل تعدينني بالاستماع إلى ما يجب أن أقوله بغض النظر عن مدى عدم تصديقكِ لي؟” ، “بالطبع أنا أسمعكِ” ، “لقد رأيت خلود” ، “ماذا؟” لفظتها نسيم لاهثة ثم قالت “ما الذي تتحدثين عنه؟” ، “أنا لست الوحيدة التي رأتها ، رأتها إسراء أيضاً ، هي لم تبح لي بذلك و لم تقله صراحة لأنها كانت خائفة ، لكنني أعلم أنها رأتها ، أنا أعلم ذلك” ، قالت نسيم وهي تنزل من على سرير ميرنا “هذا كثير للغاية” ثم شقت طريقها إلى مكتبها قائلةً “كيف يمكنني أن أصدق أنك كنت ترين شخصاً غير حي؟! ، هذا يعني أنك رأيتي شبحاً والأشباح ليست حقيقية”.

“قلت لكِ ما كان علي أن أقوله ، كان الأمر غريباً ، لكن أعتقد أن خلود هي التي قتلت إسراء ، كنت على الهاتف معها عندما حدث ذلك ، لم أخبر الشرطة لأنهم لن يصدقوني ، لكنني سمعت صوت خلود وقد أخبرت إسراء ألا تستدير ، قالت نسيم “قتلت إسراء نفسها لأنها لم تستطع تحمل الذنب بسبب ما فعلناه ، هذا ما حدث” ، “لا عليكِ أن تصدقيني ، إذا كان ما أقوله صحيحاً فلا أحد منا سيكون في أمان ، يمكن لأي شخص أن يكون بجانب الموت!” ، الكلمات التي خرجت من فم ميرنا كانت تسقط على آذان صماء حيث أصبح اهتمام نسيم الكامل منصباً على الصورة الموجودة أعلى مكتب ميرنا والتي تم العثور عليها في حقيبة خلود ، قالت نسيم “صورة جميلة ، هل رسمتيها؟” ، “نعم لقد رسمتها منذ وقتٍ طويل” ، عندما ألقت نسيم نظرة عميقة على الصورة اكتشفت من هن الفتيات الموجودات فيها وقد وُجِدَت مذكرة كتب عليها “ميرنا وخلود” ، “هل تعتقدين بأن هناك خطأ ما بي ، بخصوص هذا الاعتقاد بأن الشبح مسؤول عما حدث لإسراء؟” سألتها ميرنا ، فأجابت نسيم “في مثل هذه الأوقات يمكن أن يشعر الشخص بالضغط الشديد لدرجة أنه يبدأ في رؤية أشياء غير موجودة بالفعل” ، ثم نظرت إلى ساعتها “كان من المفترض أن أقابل هناء ، لكني سأراكِ لاحقاً حسنًا”.

بينما كانت نسيم تشق طريقها للخروج من الغرفة ، أمسكتها ميرنا من رسغها ومنعتها من المغادرة قائلةً “من فضلكِ ، على الأقل تذكري ما قلته لك ” وأثناء قول ميرنا لهذا الكلام أبقت رأسها مرفوعاً لمنع نسيم من رؤية دموعها ، “ليس عليكِ أن تصدقيني ولكن عليكِ على الأقل أن تتذكري ما قلته وتبحثي عن نفسكِ”.

يتبع …

تاريخ النشر : 2020-07-15

مقالات ذات صلة

5 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى