مجرد حلم
للتواصل : aziz-wish-1958@hotmail.com
منذ أن علم جاري بتقاعدي لم يتوقف عن دعوتي لمرافقته إلى حضيرة أغنامه التي تبعد 350 كم ، ففي كل مناسبة تجمعنا يحتضنني ويهمس في أذني بنفس الجملة ، كنت أتهرَّبُ منه باختلاق الأعذار الكاذبة ، لكن جاري لسبب ما لم يتوقف عن دعوته لي حتى أصبحت أكره لقائه ، المهم أن طلبه المتكرر جلب لي الصداع واستقر في رأسي وظهر تأثيره على شكل حلم ، ففي أحد الليالي حلمت بأنني داخل شاحنة محملة يقودها جاري ، يتوسطنا أبنه ذا الثمانية أعوام على الخط السريع ، كنت أتلوى على فراشي ، أُحدّثُ نفسي وأتساءل بضيق :
كيف صعدت معه السيارة ، و كيف ستنطوي هذه المسافة و بماذا ستنتهي ؟.
بينما كان جاري يثرثر معي و يداعب ابنه و يجيب على أسئلته التي لا تنتهي بسعادة و فرح جعلته لا يلاحظ تعابير وجهي التي رُسم عليها بوضوح كراهيتي له ولأبنه ، و بعد أن قطعنا 280 كم انحرفنا يساراً تاركين الطريق المعبد خلفنا ودخلنا طريقاً رملياً وعراً ، كانت الشاحنة تنحرف وترتفع وتهبط و أبنه يطير من حضني إلى حضنه ، وهو مبتهج مستمر في سرد قصصه التي لا تنتهي ، فجأة انحرفت الشاحنة واصطدمت بكثيبٍ رمليٍ ، ففتح باب الشاحنة وسقطت على الأرض ، فاستيقظت وإذا أنا على سريري نظرت حولي ، حمدت الله و قمت من سريري ، تجولت في الغرفة ، شربت كوبَ ماءٍ باردٍ أُرطّبُ حلقي وفمي الجاف ، و عدت لفراشي ، تمددت وغمرت نفسي باللحاف ، شيء لا يُصدق ، عاد الحلم لي مرة أخرى . رأيت جاري ينزل من الشاحنة تاركاً أبنه نائماً على فخذي وهو يصرخ على عامله : ادريس .. ادريس.
فخرجتْ من بيت شَعَر أو خيمة منتصبة على الرمال امرأةٌ عرفتها ، إنها أمه ! قالت : إن ادريس ذهب لتوديع أبن عمه و سيعود يوم غد ، عاد إلى الشاحنة وفتح بابها وسحب ابنه من رجله وهو نائم وكأنه يسحب إحدى أغنامه ، وهو يردد : استيقظ .. استيقظ ، اذهب إلى جدتك ، قام الصبي يترنح واتجه حيث أشار أبوه .
التفتَ إلى حوض الشاحنة ، تسمر في مكانه لثوانٍ ، كنت أعلم أنه يفكر في حُمولة الشاحنة ، ما عساه فاعلاً بها بدون عامله – ترجلتُ من السيارة ، كنت اشعر بصداع و دوارو ، كانت قدماي مخدرتان و لم أستطع الوقوف ، فجلست على الأرض وأخذت أراقبه وهو يُنزل الحمولة ، لم أساعده ، لم تفلح معي نظرات الاستعطاف والاحتجاج التي كان يرسلها إلي ، تجاهلتها وأخذت أتمتم مقنعاً ذلك الأحمق بداخلي : أكيد لو ساعدته سأعود لأهلي بعاهة ، إن نوعية هذا العمل خطيرة بالنسبة لرجل مثلي تجاوز الستين ، يكفي أنني جئت معه لهذا الركن المظلم من العالم .
اقترب مني كلبه وأخذ ينظر إلي بعينيه الناعستين و هو يعبر لي عن وده بهز ذيله هزات متلاحقة يرافق هذه الحركة صوت مخنوق صادر من أنفه وجلس بالقرب مني يراقب سيده وهو ينزل الحمولة ، وما أن انتهى جاري ونفض يديه حتى سمعنا صرخة قادمة من الخيمة تتبعها صيحة استغاثة ، لقد لدغت حية الطفل ، فأسرع الأب وحمل ابنه تتبعه أمه وصعدا الشاحنة بدون أن يلتفت إلي وغادر مسرعاً ، تركني واقفاً وحيداً خلفه ، أخذت أراقب عمود الغبار الذي يتبعهم حتى تلاشى واختفى ، نظرتُ وإذ بي وسَطَ أرضٍ جرداء بقربي أغنام ، كلب ، بيت شعر ، حظائر مشرعة أبوابها ، وشاحنة تحمل صهريج ماء ، لقد رحلوا وتركوا كل شيء خلفهم ملقاً على الأرض .
اقترب مني الكلب وكأنه يريد مواساتي بمعزوفة من نباحه ، وعندما رآني أُزبِدُ وأُرعِدُ وأضربُ قدمي بجنونٍ على الأرضَ توقف عن التودد وأخذ يراقبني عن بعد ، أطرقتْ صامتاً للحظات ثم صعدت الشاحنة وأخذت أبحث عن مفتاحها في الصندوق ، تحت المقاعد ، وفي كل مكان ، وعندما فقدت الأمل مددت ظهري على المقعد وأخذت أراقب غروب الشمس في الأفق ، كانت بعض الأغنام ما زالت خارج الحظائر تلتهم البرسيم ، وتتصفح الأرض باحثة عن ما تساقط من الحبوب .
حل الظلام ، خيم السكون ، وبرز ما تبقى من القمر ، تحيط به النجوم المتلألئة ، وأخذ النعاس يتسلل إلى جفوني ، أحسست بحركة غريبة ، وسمعت نباح الكلب ، علمت أن هنالك أمر ما.
ازداد نباح الكلب وكثرت حركته ، عندها سمعت ذئباً يعوي بصوت قوي مرتفع ، لتستجيب له الجبال بالعواء ، تجمعت الذئاب وأخذت تعوي من كل اتجاه ، كان هذا الصوت الأكثر رعبًا سمعته وشعرت به في حياتي ، لم يجدي نباح الكلب و لا بوق الشاحنة المزعج أو أنوارها في إيقاف هجوم الذئاب ، خاصةً بعد سماع صوت ثغاء الأغنام المرتفع ، كان ذلك الصوت المشؤوم يشجعها ، يدفعها ، يسيل لعابها .
دقائق عمت الضوضاء المكان ، وبدأ الهجوم ، عندها لم أجد حلاً سوى إدخال إصبعي في أذني ، فأصوات الاستغاثة التي تصدرها الأغنام مزعجة ومرعبة جدّاً ، و بعد معركة طاحنة لم أرَ إلا جزءاً يسيراً من أحداثها ، خيم السكون ، لم أعد أسمع نباحاً ، ثغاءً ، أو عواءً ، سوى أنين الضحايا الذي يملأ الوادي ، ظللت حبيساً داخل الشاحنة حتى طلع الصباح وانجلى ما كان مخفياً تحت ظلمة الليل .
بدا المشهد مرعباً ، لقد رأيت المجزرة بأم عيني ، فقد افترشت أرضية الوادي بأغنامٍ قُطعت أعناقها وأخرى أُصيبت بجروح بالغة ، تتلوى من الألم ،
نظرتُ للحظائر ، كانت فارغة ، لقد فر ما تبقى من أغنام ، وتفرقت في الوادي لدى محاولتها النجاة من تلك الأنياب ، والمشكلة أنها لحمقها لا تدري أنها مهاجرة طوعاً إليها ، وقفت لساعاتٍ أفكر متأملاً عن الحكمة الإلهية التي أجهلها عن طباع هذه الذئاب التي تخالف جميع الحيوانات المفترسة الأخرى ، بالطبع لم أقارنها بطبيعة الإنسان ،
ترجلتُ من الشاحنة وأخذت أبحث عن صاحب العينين الناعستين ، فرأيته على بعد مائتي متر جثة هامدة مسربلاً بدمائه ، نظرت إليه بشيء من الأسى والحسرة ، و قاومت دمعة ترقرقت في عيني ،
فجأة سمعت صوت دراجة نارية ، التفت فإذا به الراعي متوجه إلي ، و بمجرد اقترابه مني انحرفت دراجته النارية واصطدمت بصخرة وحلقت عالياً وارتطمت بالأرض و أخذت تتقلب متوجهة إلي ، فقفزت في الهواء فسقطت من على السرير أصرخ مذعوراً كمن به مس .
بعد يومين من هذه الحادثة أو الحلم قابلت جاري مصادفةً وطلب مني طلبه المعهود ، فصرخت في وجهه بغضب وأجبت بصورة قاطعة : لا …
فانفجر جاري ضاحكاً وقال : هل تكره الذئاب ؟.
النهاية …….
بصراحة لم أفهم شيء.
كل اللي قدرت افهمه ان احسن انك مرحتش معاة
هو الكسبان هههههه هههههه
هل تكره الذئاب؟
هههههههن قصة جميلة
إلى ابو رانيا. هل نسيت شاحنة صهريج الماء 🙁
أصدقائي اليوم في صباح حدث شي ليس في الحسبان ومن المستحيل ان يصدقني احد ارجوكم لقد قلت للخوتي وعائلي لم يصدقني أحد
في المرة القادمة أعد قرآءة ما تكتب فكيف أن جارك أخذ إبنه المصاب في الشاحنة وصعدت أنت نفس الشاحنة لتنام فيها إلا إذا كانت له شاحنتان.
جميلة جدا القصه والأجمل طريقة سردك ومصطلحاتك ممتازه جدا كأنك من الكُتاب
جيد:)
طيب مافهمت الجمله الاخيره ليش يعني
جميلة تعبر عن العنوان تماما
ماشاالله سرد جميل
ماشاء الله اسلوب السرد ماشاء الله ممتاز
حقيقي سردك للقصة جعلني اعيش احداثها وكأني جزء منها ، تحياتي وننتظر المزيد من أحلامك
مجرد اسقاطات من العقل الباطن ناتج عن ضغط الجار المزعج وضعف كاتب الحلم .
قصة جميلة جدا
سلمت يداك القصة أكثر من رائعة
دي اكيد من ضمن القصص القصيرة المرعبة اللي هفضل فاكراها .
زي قصة التصفيق مختصرة لكن عمري مانسيتها لحد دلوقتي … تصفيق ، تصفيق ، تصفيق
رد مرعب من الجار في النهاية
جميلة جدا وممتعة.. تخيلت الاحداث كانها فلم امام عيني.. ولن انكر انني اصابتني القشعريرة عند قراءة اخر جملة …تحياتي