مرايا الظلام – قصة قصيرة
كانت ليلة صاخبة ، ممتعة ، لعب ، ضحك و نساء ، أكلنا حد التخمة و شربنا حتى الثمالة ، عدت إلى منزلي مترنحاً ممسكاً بزجاجه من الخمر أرتشف ما تبقي منها ، القيت جسدي المتعفن على الأريكة ، نهضت و كأنني أبحث عن شيء مفقود ، أمسكت بورقه صغيرة لا أعلم ماذا كُتب فيها ، وضعتها على التلفاز ثم توجهت إلى الشرفة ، صوت مبحوح يناديني : أرواحكم لي ، هذه لعنتي عليكم ، ابتسمت و كأنني المنتصر ثم القيت بنفسي خارجاً .
استيقظت في فزع ، يبدو أنني غفوت قليلاً ، كابوس مخيف ، تجولت في أرجاء المنزل : ما هذا ؟ لا أتذكر وجود تلك المرآة من قبل ، و متى كان يعنيني وجود أي شيء ؟ لم أحظ من قبل بجرأة النظر إلى مرآة و كأنني أعاني من الأسبكتروفوبيا ، لم أدرى يوماً لماذا ؟ أهو خوفي من مواجهة نفسي على حالتها المزرية تلك ، أم أنها تلك الهالة الغامضة التي دائماً ما تحيط بالمرايا و كأنني في لحظة ما عند نظري إليها لن أرى وجهى ، بل وجه شيطاني القبيح الذى ما عاد يتركني و لو للحظة ، و كأنني حين أرى وجهى على هذه الحالة سأرى ابتسامته تتسع من خلفي زهياً بانتصاره الذى حققه معي ، لكنني وقفت أتأملها قليلاً ، تبدو غريبة بعض الشيء ، أتتحرك هي أم أعجز أنا عن الثبات أمامها ؟ صدقاً ارتبكت قليلاً و بالرغم من ذلك اقتربت منها ، بدأت تتموج و كأنها مصنوعة من ماء ، لم أتراجع عند رؤيتي لهذا التموج ، مددت يدي أتحسسها و ما إن لمستها حتى ظهر بداخلها وجه مظلم ، انتزعني الفزع من سكري ، لم أستطع سحب يدي مرة أخرى ، شيء ما جذبني داخلها بقوة ، وجدتني أهوي بشده إلى الأسفل ، أصابني الدوار و ارتطمت بالأرض ، وقفت محاولاً الحفاظ على توازني ، اتكأت على حائط ملطخاً بالطين مبللاً بالماء ، تقيأت حتى سالت دموعي .
ليل معتم ، تهطل الأمطار بغزارة ، تتناوب غيوم الشتاء السوداء على القمر ، نادراً ما تنحسر عنه لينير الطريق في خجل ، فتاة صغيرة ملابسها قديمة الطراز تركض سريعاً ، مرت من خلالي ، تنظر خلفها في هلع ، تتعثر في الوحل ، يطاردها فارس في متوسط العمر يشبهني قليلاً ، ممسكاً بسكين صغير و يتدلى على جانبه سيف معلقاً بخصره ، امسك بها بعنف ، قيدها ، حملها على حصانه و انطلق بها إلى حظيرة بالجوار ، القى بها بجوار رجل مقيد تبدو عليه أثار تعذيب ، مزق ملابسها ، قاومت صفعها بقوة ، صرخ فيه الرجل قائلاً ” أرجوك لا تفعل ذلك أنها أبنتي ، أبنه أخيك ” ، رد عليه في قسوة ” بل سأفعلها و أمام عينيك ” ، و شرع في الاعتداء عليها وسط صرخاتها و توسلات أبيها ، و ما إن فرغ منها و مع سقوط آخر قطرة من لعابه فاضت روحها ، صرخ الرجل المقيد كثيراً ” لماذا فعلت ذلك ؟ هل قبلت عرض العجوز البشع ؟ ” رد الفارس قائلاً ” نعم ، قبلت ، لم تكن أنت بالجرأة لفعل ذلك ، فعلتها أنا و وهبته روحي مقابل الدنيا ، السلطة و المال و كان قتل جميع أفراد عائلتي بقسوة قبل منتصف الليل هو علامة قبول عرضه ، هذا ما طلب مني ” أخرج الفارس سرة كبيرة من الذهب و هو يكمل حديثه ” أنظر ماذا أعطاني ، لم أكن يوماً بهذا الثراء ، سأحكم الجميع ” ، صاح به الرجل قائلاً ” أنت غبي ، أعماك الطمع و الغرور ، ستنقلب اللعنة عليك ، أنسيت ما قال ؟ يجب أن تقتل جميع أفراد عائلتك و إلا لُعن نسلك ، أنسيت أن ولدك لم يعد من سفره بعد ، كيف ستقتله ؟ سُيلعن أبنك أيضاً و سيكبر ليرى عائلته و يقتلهم جميعاً إلا ولد له و سيتكرر الأمر أيضاً و سيتكرر و يتكرر و لن يتوقف ” ، امسك به الفارس ضارباً رأسه بحجر قائلاً ” ألا تستطيع البقاء صامتاً ، تبا لك و لأبيك و أمك ، يجب أن تلحق بهم ، أنت مخطئ ستكون لي الدنيا ” مات الرجل أيضاً ، وقفت أمام الفارس صارخاً ” لماذا فعلت كل هذا ، هم أهل بيتك ؟ ” يبدو أنه لا يسمعني و لا يراني ، لكنه بدأ في الصراخ ، خرج من الحظيرة و كأنه يتبع شخص ما ، جثى على ركبتيه صارخاً قائلاً ” لا ، أين تذهب ؟ لقد فعلت ما أمرتني فأين ما وعدتني ؟ “.
دوى الرعد بشدة بينما تكفل البرق بإضاءة ظلمة الليل ، أغمضت عيني من شدة الضوء ، تلاشى صوت الفارس تدريجياً ، فتحت عيناي و قد أختفى كل شيء ، ها أنا ذا مرة أخرى أمام تلك المرآة التي رأيت بداخلها حقيقتي و أما أنا عليه سوداء مظلمة و لم يكن ذلك الوجه المخيف إلا حقيقه ما أنا عليه ، لكن لن تكون نهايتي كمن سبقوني يجب أن ينتهي الأمر ، أنا الحد الذي لن يتمكن شيطان دنيانا من تجاوزه ، جلست ممسكاً بورقة و قلم و بدأت في الكتابة : ” إلى من سيجد تلك الورقة عليك سلام روحك ، أما بعد : فأنا الشخص الذي أنتمي لعائلة ملعونة باعت أرواحها لشيطان النفس و الهوى مقابل انتصار دنيوي ، غرتهم نفوسهم الضعيفة و استسلموا و سلموا لها فحلت عليهم اللعنة .
اليك يا من تقرأ الأن ، إذا نظرت يوماً للمرآة فاعلم أنك لا تنظر إلى هيئتك فقط و لكنك ترى جوهرك أيضاً ، نفسك و ما هي عليه من ضعف أو قوة ، من ذل أو عز ، من شر أو خير ، فإذا لم تجد ما يسرك عليك العمل على نفسك قليلاً ، هي تستحق هذا ، تستحق الأفضل و لا يستحق روحك أحد غيرك .
تذكر دائماً : ما النفس الضعيفة إلا إرادة ضعيفة ، فلتتحل بالعزيمة و الإيمان يا هذا و لا تغرنك دنياك و ما تشتهي نفسك فهما طريق الجحيم و فيهما هلاك النفس .
إمضاء الملعون الأخير ” بعد أن انتهيت أمسكت بالمقعد الذي كنت عليه و بكل ما أوتيت من قوة حطمت تلك المرآه اللعينة ، وضعت الورقة على التلفاز ثم توجهت إلى الشرفة ، ارتقيت فوق السور ، ابتسمت فرحاً بزهوه النصر أو كما بدا لي أنه كان نصر ، هممت بإلقاء نفسي فسمعت ذلك الصوت الذي أتاني في أحلامي ” أرواحكم لي ، أنت ملكي كما كان أجدادك و كما سيكون أحفادك ” ابتسمت و نظرت خلفي ، لم أتمكن من رؤيته ، ألقيت نفسي للوراء ، كنت أتهاوى بشدة و أنا أنظر إلى شرفتي ، ظهر لي أخيراً ، كان ينظر إلي في هلع و هو يصرخ بدون صوت ، ملامحه بشعه للغاية ، أهذا القبيح الذي امتلكنا ؟ لا ، لم يعد كذلك ، أغمضت عيناي ، أغمضتهما للأبد.
النهاية …….
قصة جميلة وغريبة.
ان القصة حقا رائعة شكرا لك على هذه القصة
سلمت اناملك ودام إبداعك
كانت قصتك جيدة جدًا وأكثر ما أحببته هو أنك طويت في التفاصيل وجعلت القارئ أن أكون أنا في جزء اللوحة كما تراه أمام العيون
قصة رائعة ، لكن بطل القصة واضح انه اكثر من الشرب و ضرب حشيش اصلي نقله الى عالم اخر
لايك ات سانكيو
قصة جميلة جدا
نهايتها اكثر من رائعة
السرد و التنقل بين الازمنه المختلفه
مقال اكثر من رائع