مذابح و مجازر

مغرفة الستينات الكندية

بقلم : نور الهدى الاخضرية – الجزائر

تم اخذ الاطفال من احضان امهاتهم عنوة
تم اخذ الاطفال من احضان امهاتهم عنوة

في شهر ماي الماضي وفي احدى المقاطعات الكندية وتحديدا في منطقة كاميلوس بالقرب من مدرسة قديمة تم العثور على رفات أكثر من 250 جثة تعود في معظمها الى اطفال ومراهقين وكانت قد دارت شائعات قبل العثور على هذه الرفات بوجود الكثير من القبور التي لا تحمل شواهد تدل على اصحابها قرب هذه المدرسة، وبعد مدة قصيرة تم العثور على رفات جديدة قرب مدرسة ماريفال في منطقة ساسكاتشوان وقدر عددها بـ 751 رفات وكذلك كانت بدون شواهد للقبور. فيا ترى ما سر هذه القبور ، ومن هم المدفونون فيها ، ولماذا قبورهم بدون شواهد؟

دعونا نتعرف على القصة ونعود الى الوراء بأكثر من مئة سنة لنعرف الحقيقة .

في أواخر القرن التاسع عشر وبعد ان اصبحت كندا دولة يحكمها البيض المستعمرون من الانجليز والفرنسيين حسب مقاطعات محددة واصبح الهنود يمثلون اقلية عرقية مقارنة بالبيض الذين اعتبروا انفسهم اسياد الاراضي الكندية وانهم نقلوا الحضارة والتمدن الى كندا التي كانت سابقا ارضا للهنود الهمجيين ، وانشأت الحكومة الكندية ادارة خاصة تعني بالهنود الحمر وسميت بادارة الشؤون الهندية في الحكومة الكندية، بادرت هذه الادارة في محاولة دمج الهنود في المجتمع الابيض الجديد الذي تأسس في كندا فدعت هذه الادارة الحكومة الكندية الى انشاء مدارس وادخال ابناء الهنود الحمر اليها قصد ادماجهم في المجتمع ومن اهم هذه المدارس مدرسة كاملوس ومدرسة ماريفال ولنكشف عن لمحة عن هاتين المدرستين.

blank
هدفت هذه المدارس الى نزع اطفال الهنود من جذورهم

مدرسة كاميلوس : تأسست هذه المدرسة عام 1890 باسم مدرسة كاميلوس الصناعية ثم تحولت عام 1893 الى مدرسة كاميلوس السكنية ، هدفت هذه المدرسة الى استقبال اطفال الهنود قصد تثقيفهم وادماجهم في المجتمع وتعليمهم اللغة والدين والعادات والتقاليد الجديدة، كانت هذه المدرسة تقع على أراضي شعب secwepemc الهندي وقد التحق المئات من الاطفال بهذه المدرسة وقد كانت اكبر مدرسة سكنية في كندا واستمرت بالعمل حتى عام 1977. والمقصود بالمدرسة السكنية انها توفر السكن للطلاب عكس المدارس النهارية التي يعود فيها الطلاب الى منازلهم مساءا.

في 24-12-1924 دمر حريق جناح الفتيات بالمدرسة مما اجبر 40 فتاة على الهرب بملابس النوم في برد الشتاء الكندي القارص، وبعد ثلاث سنوات في عام 1927 خلص تقرير الحريق عن ان سبب الحريق هو البناء السيء للمدرسة، خلال سنوات كثيرة من عمل المدرسة تفشت الامراض مثل السل والانفلونزا خاصة عام 1957 ودائما يرجع السبب الى البناء السيء للمدرسة!.

مدرسة ماريفال: تقع كما قلنا سابقا في منطقة ساسكاتشوان الهندية وقد عملت منذ عام 1898 الى غاية عام 1997. كانت تدير المدرسة اربعة راهبات من مجمع سيدة الارساليات ثم تولت ادارتها راهبات القديس جوزيف.
في عامها الاول استوعبت المدرسة 14 طالبا وكانت قادرة على استعاب 45 طالبا ، مع مرور الوقت ازداد عدد الطلبة اضعاف مضاعفة ، تولت الحكومة ادارتها عام 1969 واصبح عدد الطلبة اكثر من 148 طالبا مقيما و89 طالبا نهاريا.

blank
كان كل شيء يمت بصلة لثقافة وهوية الهنود ممنوع في هذه المدارس

ربما تتسائلون عن سر هذه المدارس؟

في الحقيقة هذه المدارس لم تكن مدارس عادية بل كانت مثل سجن يعتمد على الابادة الجماعية والثقافية للطلبة المنتمين اليه ، واليكم الحقيقة ..

بعد ان طلبت ادارة الشؤون الهندية في الحكومة الكندية انشاء هذه المدارس وافقت الحكومة على انشائها واعطت صلاحيات ادارة هذه المدارس للكنائس ، وكان هدف هذه المدارس هو دمج الهنود في المجتمع ، وبدأ العمل على ذلك حيث تم ارغام الهنود على ضم اطفالهم الى هذه المدارس وتركهم فيها سواء طواعية او رغما عنهم.

وقد تم انشاء هذه المدارس في مناطق بعيدة ونائية قصدا لابعاد الهنود عن ابنائهم وتم اخذ الاطفال بالقوة من اهلهم وادخالهم هذه المدارس ولم يكن يسمح لهم برؤية اطفالهم سوى يوم الاحد ثم تم الغاء هذا القرار ولم يعد الهنود يرون اطفالهم بتاتا.

كانت القوانين صارمة في هذه المدارس فممنوع الكلام بلغة الهنود او القيام بأي طقس هندي وكل من يفعل يتعرض للجلد بقسوة وتم قص شعرهم عند الوصول الى المدرسة واعطاء كل طالب رقم، وبدأ العمل على جعل الاطفال ينسون لغتهم واهلهم وكل ثقافتهم الهندية ، فكل مايمت للهنود بصلة ممنوع فهو همجي وغير متحضر ، وقد تم ضم حوالي 30% من اطفال السكان الاصليين اي حوالي 150000 الف طفل.
حاول الهنود رؤية اطفالهم لكن بدون جدوى فالقوانين صارمة وليست مع الهنود بل ضدهم.

blank
الحياة في هذه المدارس كانت قاسية وسيئة

لم تكن الحياة سهلة في المدرسة فبعد تزايد عدد الاطفال الذين تم جلبهم قسرا من اهلهم اصبحت المدارس مكتضة وغير قادرة على استيعاب عددهم فانتشرت الامراض خاصة مرض السل والانفلونزا وقد بلغ معدل الوفيات 69% في احدى المدارس، كما انتشر الجوع لعدم كفاية الغذاء وسوء الصرف الصحي والبرد لقلة التدفئة كل هذه الضروف جعلت الحياة في هذه المدارس مثل الجحيم ، فبدأت هذه المدارس تعتمد على العمل القسري لطلابها لخفض التكاليف وضمان تمويلها ، من جهة اخرى حاول العديد من الهنود اخفاء اطفالهم لكي لا يتعرضوا للاخذ القسري الى هذه المدارس كما طالبوا بتحسين الغذاء واللباس لاطفالهم.

سجلت في هذه المدارس تجاوزات فاقت سوء المعاملة ونقص الغذاء فقد تم تسجيل اعتداءات جسدية ونفسية وجنسية على هؤلاء الاطفال وتعرض الكثير منهم للموت بسبب كل هذه التجاوزات وتم دفن الكثير منهم قرب هذه المدارس دون مسائلة ودون علم اهلهم بوفاة ابنائهم.
حيث توفي حوالي 6000 طفل فيها.

في الستينات بدات حملة اخرى في هذه المدارس وهي حملة تبني لاطفال الهنود الحمر فتم عرض صور الاطفال في الجرائد والمجلات وحتى التلفزيون وقد تم تبني اكثر من 20 الف طفل هندي اخذ عنوة من اهله.

كما قام ممثلوا الكنيسة الكاثوليكية بازالة شواهد القبور في هذه المدارس لتطمس معالم هذه الجريمة خلال سنوات الستينات.

blank
تم عرض الاطفال للتبني والكثير من الناجين لم يعرفوا اهلهم الحقيقيين ابدا

منذ سنوات عدة بدأ الناجون من هذه المدارس من كبار السن يتحدثون عن ما جرى وما عانوه في هذه المدارس وتم نشر شهادات ومذكرات للناجين وفي شهر ماي الماضي بدأ البحث والتنقيب عن القبور فتم الكشف عن 250 قبر في مدرسة كاميلوس وتم الكشف عن 751 قبرا في مدرسة ماريفال كلها تعود لاطفال اخذوا عنوة من اهلهم واجبروا على ترك لغتهم ودينهم وثقافتهم بحجة انهم همجيون وان المجتمع الابيض هو من يملك الافضلية في جعلهم افرادا متمدنين ومثقفين لكن نهايتهم كانت في قبور مجهولة.

عرفت هذه الجريمة باسم المغرفة الكندية او مغرفة الستينات لانها قامت بغرف الاطفال ونقلهم من حياة الى حياة اخرى.

الكثير من الهنود الناجين لم يستطيعو العودة الى مجتمعاتهم الاصلية فقد نسوا لغتهم وعاداتهم فشكل هاذا ارباكا نفسيا جعل الكثيريين يقدمون على الانتحار اما البعض فمازال يبحث عن اهله الحقيقيين خاصة من تعرضوا للتبني من قبل عائلات اخرى مثل السيد سيدني ديون وهو رجل هندي من منطقة مانيتوبا تم تبنيه من قبل عائلة امريكية عام 1971 ، حيث قام بادخار ماله ليتمكن من العودة الى كندا والبحث عن ذويه لكن تم منعه من العبور عند الحدود لعدم امتلاكه شهادة ميلاد كندية وتغيير اسمه ايضا ، ثم بعد جهد جهيد تمكن من الدخول الى كندا للبحث عن اهله الحقيقيين.

blank
مؤخرا تم اكتشاف عدة قبور جماعية لهؤلاء الاطفال مما اثار موجة من الحزن والغضب في كندا

بعد هذه الفضيحة التي عصفت بالحكومة الكندية قام رئيس الوزراء جاستن ترودو بتقديم اعتذار رسمي عن ما جرى في الماضي وكذلك قدم رئيس اساقفة ابرشية الروم الكاثوليك اعتذاره عن ما جرى في هذه المدارس على يد الراهبات والاساقفة.
كما قررت لجنة الحقيقة والمصالحة التي حققت في الموضوع باعتبار هذه المدارس كنظام للابادة الثقافية في كندا وان اكثر من 4100 طالب لقوا حتفهم فيها بطريقة همجية وقد تم تقديم تعويضات جيدة لضحايا هذه المدارس.

عزيزي القارئ هل كنت ستقبل الاعتذار لو حصل معك نفس الشيء لو قاموا بحرمانك من اهلك ودينك ولغتك وهويتك ؟

كلمات مفتاحية :

– Canadian Indian residential school system
– Sixties Scoop

تاريخ النشر : 2021-07-04

مقالات ذات صلة

38 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى