الموقع غير ملائم للأطفال وقد يسبب القلق والكوابيس
القسم : أدب الرعب والعام

خطيئة الندم

بقلم : مروة على - مصر
للتواصل : https://www.facebook.com/tareekhkhaffy

أن حب بيرهان أصبح كالأشباح  يأتيه في أيام الشتاء الموحشة
أن حب بيرهان أصبح كالأشباح يأتيه في أيام الشتاء الموحشة


حيث لا ندم يعود بكل ما مضى ، و مع ذلك في بعض الأوقات لا نمضى قدماً في الحياة إلا بعد الندم .

القاهرة 1999م

هيهات أن نعود فلقد مضت الحياة و لن تنفعك خطيئة الندم.
نديم : و هل الندم خطيئة ؟.
إن الندم هو أنبل شعور يمكن أن يشعر به الإنسان .

هكذا دار حوار بين نديم  وقلبه الذى حكم حوله خيطـًا ، يتسربل فيه العشق ، على الرغم من أن شعره قد شاب وظهره قد انحنى ، لكنه لم ينس حبه لبريهان تلك الشابة اللطيفة الخلوقة ، التي أينع حبها حتى لمع وصار نجماً في سماء حياته ، فقد عادت به الذكريات ، و لكن الزمن أبى أن يعود ، فمضى به على عجلاً حتى تزوج بأخرى عاشت معه الحياة و كانت خير زوجة ، مع ذلك لم يشعر نديم نحوها بأي مشاعر سواء كانت حباً أو شغفاً ، كما كان يشعر تجاه بيرهان ،

حيث كان ذاك الحب هو الطائر المُحلق في عالمه بسعادة قد أنسته أن الحياة لا تبقى على سعادة للأبد ، بدأ نديم يتملل من الذكريات و من الصحيفة التي تركها جانباً ، بعد أن مر على بضع مقالات فيها ، ذكرته بماضيه في الكتابة في الجريدة المحلية " أخبار المدينة" ، ثم قال بصوت خافت : يا حب عُد بي إلى هناك حيث رأيتها و مال لها القلب.

ثم ابتسم عندما لاحت له بيرهان كالحلم الجميل و نطق بكل ثقة : وأنا أيضاً أحبك و لا زلت ، وهنا لفتت كلمته زوجته الجالسة في المطبخ ، و انزعجت من هلوسته قائلة : لمَ تهذي بكلمات فارغة ؟.

وعندما سمع صوتها ، انتبه من غفلة أحلام الماضي و قال : من الملل يا حبيبتي ، أهذي بحبك ، ثم هز رأسه و الندم يعتصره ، لأنه كذب بفجاجة و كان يغلي دمه على عمره الذى ضاع في سراب الماضي واللوعة التي أحرقت جوفه ، ثم أردف في سره : لا بد لى من البحث عن بيرهان مهما كلفني الأمر.

**

أمام سفح الهرم جلس زياد يتأمل الرمال الصفراء ، ثم وجه كاميرته التي رافقته من الخارج نحو الأهرامات ، فجأة أطلت هديل من وراء ظهره وهى متجهمة الوجه ، لأنه يتجاهلها منذ وصلهما ، وأعلنت قائلة : هكذا .. تحب الأهرامات أكثر مني.

فأظهر زياد الاهتمام المفاجئ بقوله : لا يا حبيبتي ، فكل ما في الأمر و أنتِ تعرفيه مسبقاً و هو عشقي للهواء الطلق.

و لم يكن في إمكان هديل إلا رفع يدها لتوقف زياد عن الكلام ، ثم أردفت الهواء الساخن المليء بالرمال ، فجأة ضحك زياد بعد أن أحاط يدها بيديه ، ومال بقلبه نحو قلبها بكلمات اعتذار ، لأنه يعلم أن قلبها صعب الإرضاء ، و مرت ساعة و هو يعتذر و هي تتصنع التمنع والغيظ ، وتظهر له الحنق و تخفي السعادة وتقبل اعتذاره بالطريقة الدرامية هذه ، كل هذا لأنه حبيبها الوحيد و زوجها الذى ارتضت الحياة معه كي تحصل على السعادة و لو مؤقتاً ، سعادة لا تعرف الندم ، فهي تعرف أن زيجتها الثانية هذه لم و لن تكون تعويضاً عن الزيجة الأولى التي لم تأخذ منها سوى العذاب

، فكل يوم يمر عليها ترى فيه شبح الماضي متمثلاً في زوج سابق مُصاب بجنون العظمة ، و أبن أنجبته منه ، و كانت هديل تسمي هذا الزواج " غلطتها المُجبرة عليها ، حيث كان هذا الزواج مدبراً شعرت فيه بحب التملك والخوف في وقت واحد ، و هذا ما جعل جمال وجهها وأنوثتها يختفيان في بئر الخوف والانكسار ، و جعل الغضب المكبوت يظهر من حين لآخر.
 
حرّك زياد عينيه في اتجاه الأفق الملتهب بأشعة الشمس ليمحو من نفسه الخوف الذى يأتيه بعد أن يرى غضبها المكبوت و هو يتساءل : لماذا غضبت يا عزيزة قلبي ؟.

جاءته مكالمة من والدته التي كانت تسعل بشدة ، مما أنهى نزهتهما في الهرم ، و خرجا مسرعين للمشفى حيث ترقد والدته ، و عندما وصلا سمعا صوت سعال بيرهان يأتي من الردهة شبه المظلمة ، وحاولت بيرهان أن تعدّل من وضعها على الأريكة ، لكن المرض أجبرها على عدم القيام بتلك المحاولة البائسة ، و نزلت منها دمعة حارة ، بسبب العجز وكبر السن و ضعف الجسد و وهن الروح

، فخطيئة الندم تتبعك حتى تصل لبحر تنبهر بموجه ولا تعرف أنه يخفى عاصفة لا تخمد بسهولة ، والندم حلو مكسو بسم خفي يهتك جدران القلب ، تلتمس الكلمات طريقها للخارج بعد انحسار مشاعر الشوق ، لكن هناك شيئاً قد أجبر نديم على التفتيش في ماضيه عن بقايا حبه ليسطر به مستقبله المفقود ، و مع ذلك لم يجد إلا صورة حبيبته ، وجدها في قلبه فقط ، تلاحقه بالبسمات و تكاد تنطق أنها هنا ، و لن تبتعد عنه ، أما الذكريات فكانت تبطش به حيناً و تمنعه حيناً من ملاحقة ما كان ، وعاد به الزمن إلى عام 1953 م في قلب الجامعة ، حيث تتوسط الشمس كل ما حولهما ، و بعد أن دقت الساعة الحادية عشرة صباحاً ،

دخل جميع الطلبة قاعة المحاضرات ، أما نديم فقد تسلل وسط أصدقاءه و هي وراءه تتهادى بأنوثة خجولة ، و لم يشعر إلا بها ، و كأن القلب كانت ينتظر حبها ، هذا الذى جعله  يبحث عن وجهها في بيته و جامعته و في أحلامه ، و ما يدري أن الحب يتبع المرء  حتى يلتف حول قلبه فيخمده خمداً ، أفاق نديم من هذه الذكرى ليدخل في أخرى جعلته يفكر للمرة الأولى :  لماذا أحببتها ؟ هل لأنها أجمل الجميلات ، أم أنه القلب يُحب و يميل لمن يراها سواءً كانت بارعة الحُسن أم لا ؟.

دار نديم حول بيرهان بعذوبة و هو يتطلع لوجها الأشقر ، فبدا له أنها تبتسم و تحرك يدها نحوه ، و كأنها تريده احتضان قلبه ، فهز نديم رأسه ليتفاجأ بأن بيرهان تنظر له باستغراب و لسان حالها لو كان ينطق لقال : لمَ تنظر إلي أيها الغريب ؟.

تباطأ نديم و هو يهم بالخروج من قاعة المدرجات ( قاعة المحاضرات بالجامعة) ، ثم خرج ليواجه العالم الحقيقي حيث الازدحام و الهواء المكتوم ، و رائحة الأعشاب الجافة التي تملأ الممر الجامعي ، ثم مال شيطانه على أذنه ليحدثه بالصدق لأول و لآخر مرة على الإطلاق : إنها لا تُحبك يا نديم ، أنسى الحب و فكر في المستقبل ، أو دعني أفكر لك بانتقام مناسب ، ما رأيك في أن تنجح و تتخرج و تخطب أبنة قريبكم الباشا الرفيع المقام الغني بالأموال و الأطيان الذى لن يبخل عليكِ .. يا زوج أبنته المستقبلي !.

طرد نديم هلوسات شيطانه الذى كان يجهل اسمه قائلاً : يا لك من شيطان غبي تتدخل فيما لا يعنيك!.

و مع نهاية اليوم لم يجد نديم بيرهان ، و لا وجد جواب شيطانه ، بل ركض في بحر أمنياته الرومانسية .

مرت سنتان و تخرج نديم من الجامعة ، لكنه عاد حتى يجد خيطاً يربطه بقلب بيرهان وحدها ، سأل عنها الجميع ؟ لكنهم جميعاً أجابوه : لا نعرف عنها شيئاً ، حتى ملفاتها الجامعية تم سحبها.

تماسك نديم رغم فجاعة الخبر ، و جلس في الحديقة الجامعية ، ثم اقتربت منه الدادة التي كان يرعى لها بعض شئونها و همست له : يا بنى لا تبحث عن بيرهان ، لأنها تزوجت ، أنسى الحب ، أنسى الحياة ، فخطيئة الندم لن تُغير لك الماضي !.

هكذا ودع نديم حب بيرهان مؤقتاً ، و خبئه في قلبه  و تزوج المرأة الوحيدة التي قبلت بفقره و توهان عقله ، و لم يدري أن حب بيرهان أصبح كالأشباح  يأتيه في أيام الشتاء الموحشة ، كوحش يبحث عن ضحية ليلتهم ما تبقى منها .

القاهرة 2002م

لملم زياد بقايا مستلزمات السفر ، ثم هم بالخروج للسيارة حتى يصل إلى ميت غمر قبل المغيب ، ثم قرر عدم الاستعجال ريثما تنتهى هديل من تحضير بقية الأشياء ، و أثناء انتظاره سمع صرخة مكتومة ، فصعد بتخبط مسموعٍ ، وأمسك مقبض الباب و دفعه للداخل ، ليدخل إلى الشقة و يجد هديل ترقص يميناً ويساراً ، مهرولة ناحية الجدران بجنون ، فحاول زياد إمساكها لكنه فشل ، و فى أحد المرات أصيبت أطراف أصابعه بخدوش نتيجة احتكاكها بجدران شقته .

ظلت هديل تهرول صارخة ، و زياد يقف هناك بدون حيلة ، حتى هداه عقله إلى فكرة ، فقام على الفور و ذهب إلى غرفة الصالون ، و أحضر حقيبة من حقائب السفر ، ثم ألقاها ناحية هديل ، التي وقعت أرضاً من هول الرمية ، فاحتضنها زياد : لماذا ، لماذا يا حبيبتي ؟.

إن الندم يكاد يفتك بها ، من ذكرى زواج و حياة فاشلة ، رغم محاولات زياد المستميتة لكي يعوضها حباً و شغفاً ، لكنها أصرت على الانتحار بطريقة عجيبة ، لتُنهي مأساة ذكراها .

فشلت هديل في الانتحار و أيقنت بعد وقت أن الانتحار هو طريق للموت و لنارٍ يصبح الإنسان مُخلداً فيها ، ثم غيرت حياتها و اقتربت من زياد ، فرأت فيه العالم بأسره ، حتى إنها مارست الرياضة و خسرت الطاقة السلبية التي لطالما هتكت روحها .

***

تجرء نديم على نسيان بيرهان ، و هذه المرة أقحم كل شيء يدور حول الحياة في عقله ، و فى رحلة نسيانه تلك ، خسر الذكريات القديمة ، واسترجع خفة ظلة كان قد افتقدها منذ ما يربو على أربعين عاماً.

احذر الندم عندما يصوره العقل لك على أنه خطيئة.
 

النهاية .....

تاريخ النشر : 2021-01-11

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : حسين سالم عبشل
انشر قصصك معنا
مزيد قصص
قصص ذات صلة
مُليكَة
عُلا النَصراب - مصر
قصص
من تجارب القراء الواقعية
ريح من الأسئلة
Boredom frog - Black hole
رجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر
emoje
emoje2
youtube
help
ضع رابط فيديو يوتيوب
  • التعليق مفتوح للجميع لا حاجة الى عضوية او ايميل
  • التعليقات تدقق ثم تنشر لذا قد يتأخر نشرها لبعض الوقت
  • التعليقات المستفزة والجارحة لن تنشر لذا لا تتعب نقسك بكتابتها
load
X اغلاق
رجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر
emoje
emoje
load
تعليقات و ردود (7)
2021-01-12 10:57:12
user
398459
5 -
عُلا النَصراب
القصة جميلة والفكرة رائعة والأسلوب قوي ومتمكن ولكنك أكثرت من الإطناب فصارت القصة غامضة ومملة، ولكن هذا لا ينكر أنك موهوبة.
2021-01-12 08:56:22
user
398437
4 -
مجهولة
عذرا على صراحتي التي سببت لي مشاكل في هذا الموقع وفي حياتي الخارجيه ولكن انا بطبعي هكذا وكيف لي ان اغير في خلق الله ..
القصة ليست جيده او بمعنى اصح لا تثير الاهتمام كثيرا .. وبالطبع لا نستطيع مقارنتها مع قصص كبار هذا الموقع مثل الاستاذ اياد العطار ، احمد محمود الشرقاوي ، السمراء ، الاخضريه (لا اذكر اسمها بالظبط) والكثير والكثير من المبدعين التي ترفع لهم القبعات تقبلي مني هذه الكلمات وبالتوفيق في اعمالك القادمه 💜💜
2021-01-12 06:03:13
user
398405
3 -
السمراء
بالنسبة للحبكة أنت إستخدمت أربعة أشخاص في مساحة قصة صغيرة تكفي لشخص واحد ، مع خطوط متشابكة . لذلك كانت القصة غير متماسكة . مع غياب تام لتأكيد الفكرة التى تدور حولها القصة لتترسخ في ذهن القارئ . بل و يقتنع بما قلته .

تحياتي لك و بالتوفيق في أعمالك القادمة .
2021-01-12 05:12:18
user
398396
2 -
السمراء
التشبيهات و الإستعارات لم تكن موفقة " يلتف حبها حول قلبه فيخمد خمداً " !

الإلتفاف يكون للأعاصير و للرياح و للثعابين . لكل شيء يدور و يتحرك . و الإخماد يكون للنيران .

كان الأولى أن يكون يلتف حبها حول قلبه كثعبان أو يسحقه كإعصار . لكن يلتف و ينخمد لا تجتمعان . خصوصاً أن ينخمد تشير بطريقة ما للسكون و الإنتهاء . أما الإلتفاف للحركة .
إنتبهي جيداً للإستعارات كانت كثيرة و ليست في مكانها . يجب أن تكون صحيحة و شبه مطابقة لأن الهدف منها إيصال المشاعر و المعنى و تقوية القصة . و إلا سيسخر القارئ منها و يفقد الرابط بالقصة .
2 - رد من : السمراء
تركت لك تعليقا في إختبار الغابة النفسي ❤
2021-01-12 10:06:30
1 - رد من : مجهولة
اتفق وبشدة 👍👍👌👌👏👏
2021-01-12 08:56:43
2021-01-12 03:42:23
user
398366
1 -
وفاء
مافهمت على ايش ندمان بالضبط؟
move
1
close